هكذا يمكن استعادة زمام المبادرة بدون عباس

28 مارس 2018 - 16:51
صوت فتح الإخباري:

دلت الكلمة التي ألقاها الأسبوع الماضي رئيس السلطة محمود عباس على أنه قد أسدل الستار على مسرح العبث، المسمى مصالحة، على اعتبار أنه بات من غير الحكمة، حتى لأكثر المتفائلين، مواصلة الرهان على عوائد هذه المهزلة. ليس هذا فحسب، بل إن الواقع يدلل على أن الانطلاق من افتراض مفاده بأنه يمكن بناء حالة وطنية فلسطينية اعتمادا على مشاركة السلطة والقيادة الحالية لحركة "فتح"، يعد وصفة لإسدال الستار على المشروع الوطني الفلسطيني.

من هنا، فانه يتوجب على القوى الحية في الشعب الفلسطيني استعادة زمام المبادرة من خلال مواجهة عباس وتجاوز مفاعيل سلطته، وليس فقط مجرد الرد على قراراته الأخيرة والمتوقعة.

إن أي مخطط لتجاوز عباس وسلطته والعصابة التي تدور في فلكه يحتم أولا تحديد مصادر قوته، التي تتيح له القدرة على تصدير كل هذا العبث بالمشهد الوطني وبذل كل الجهود لتحييدها أو على الأقل إضعافها إلى أقصى حد ممكن.

إن نظرة متفحصة تدلل على أن مصادر قوة عباس تكمن في الأساس في:

أولا: الوظيفة الأمنية التي تؤديها سلطته لصالح (إسرائيل)، والتي تجعل (تل أبيب) تحافظ عليه بكل قوة، من أجل ضمان مواصلة قيامه بهذه الوظيفة. ومن الواضح أن إعاقة عباس عن مواصلة أداء خدماته الأمنية لـ(إسرائيل) يتطلب أولا التأثير على البيئة الأمنية في الضفة الغربية بما لا يتوافق مع مصالح الاحتلال.

وتحقيق هذا الهدف لا يتسنى فقط من خلال عمليات المقاومة التي تستهدف جنود الاحتلال ومستوطنيه، بل أيضا عبر كل مناشط -المقاومة الشعبية التي تشوش على المشروع الاستيطاني الصهيوني في الضفة الغربية والقدس.

 ولا حاجة للتذكير أن إسقاط الوظيفة الأمنية هو أمر الساعة ليس فقط بسبب قرارات عباس، بل بشكل أساسي لأن هذه الوظيفة توفر للصهاينة ميزة "الاحتلال المرفه" وتمنحهم القدرة على مواصلة التنكر لأي متطلب من متطلبات حل الصراع، حتى التي يقبلها أكثر الفلسطينيين مرونة.

في الوقت ذاته، فإن السماح لسلطة عباس بمواصلة التعاون الأمني مع الاحتلال يمثل أهم روافد البيئة التي تمكن (إسرائيل) وإدارة ترامب من تكريس صفقة القرن، ولو بشكل أحادي الجانب، على اعتبار أن هذا التعاون يقلص من قدرة الفلسطينيين على مقاومة الصفقة.

ثانيا: سقوط الوظيفة الأمنية سيفضي تلقائيا إلى سقوط مكانة عباس في الغرب وتحديدا لدى الولايات المتحدة وسيصبح غير ذي صلة. فعلى الرغم من التصعيد الظاهري بين واشنطن والسلطة على خلفية مقترحات صفقة القرن، فإن إدارة ترامب تواصل التشبث بالسلطة لإدراكها طابع الخدمات الأمنية التي تقدمها ودورها في تجفيف بيئة المقاومة.

ثالثا: المبادرة لنزع الشرعية الوطنية عن عباس من خلال لفت أنظار جماهير شعبنا إلى أن ثمن المصالحة الأساس، كما اتضح من خطاب عباس، هو المقاومة وسلاحها. وهذا ما يتطلب القيام بتحركات في الداخل وفي أوساط فلسطينيي الشتات لبلورة أطر قيادية جديدة للشعب الفلسطيني بديلة عن نادي عباس.

رابعا: ابتكار أدوات نضال تسمح لكل القوة الحية الفلسطينية باستعادة زمام المبادرة وقطع الطريق على الصهاينة والأطراف الإقليمية والإدارة الأمريكية لاستغلال واقع غزة من أجل محاولة تمرير مشاريع تصفوية للقضية الفلسطينية، سيما ما يطلق عليه "صفقة القرن".

وضمن هذه الأدوات التي يمكن أن تسهم في منح الفلسطينيين القدرة على استعادة زمام المبادرة تنظيم "مسيرة العودة"، التي تعد في الوقت الحالي أهم أدوات هذا النضال. وإن كان المطلوب ابتكار وابتداع المزيد من الأدوات الأخرى.

خامسا: يتوجب الحذر من الحراك الدولي والإقليمي الذي تقوده إدارة ترامب بشأن التعاطي مع الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، والتي كان آخرها جلسة العصف الذهني في البيت الأبيض ولقاء بروكسل. فهذا الحراك قد يكون مدخلا لتوفير بيئة للحديث عن صفقة القرن من باب المعضلة الإنسانية في القطاع.

قصارى القول، لا بديل عن ابتداع الفلسطينيين أنماط نضال جديدة تسمح بتجاوز عباس وسلطته، وفي الوقت ذاته تسمح للشعب الفلسطيني باستعادة زمام المبادرة وتقليص قدرة كل الأطراف للمس بثوابته.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق