"هآرتس"إســرائــيـل غـيّــرت ســـياســتــهـا تـجـاه غــزة

03 أغسطس 2022 - 14:35
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس هرئيل*

تردد العاملان الغزّيان، اللذان سارعا إلى ركوب سيارة توقفت كي تقلّهما مجاناً بالقرب من عسقلان، قليلاً عندما اكتشفا أن الركاب ضباط بلباس عسكري. وبعد أن تم التأكد من أنهما يحملان تراخيص للعبور، وأن السيارة ذاهبة إلى معبر إيريز، ركبا السيارة. يؤكد الحديث مع عناصر مكتب تنسيق الأنشطة في "المناطق" التقديرات التي تُسمع في النقاشات التي تجري في المؤسسة الأمنية: تساهم تراخيص دخول العمال من القطاع للعمل في إسرائيل في تحسين الوضع الاقتصادي للجانب الفلسطيني بصورة كبيرة. مع ذلك، فإن هذا التحسن لا يضمن هدوءاً طويل الأمد بين إسرائيل و"حماس".
عادت إسرائيل إلى السماح بدخول الغزّيين للعمل داخل أراضيها بعدد محدود نسبياً، بدءاً من مطلع سنة 2020، خلال ولاية حكومة نتنياهو. حينها، أصروا في إسرائيل على تسمية هؤلاء رجال أعمال بدلاً من عمال، على الرغم من أنه كان واضحاً أن هذا الكذب متفق عليه من الجانبين، لكن توقفت المحاولة مع وصول وباء كورونا إلى المنطقة في آذار 2020. في أيار 2021، اندلعت جولة قتال، وانتهت عملية "حارس الأسوار"، كالعادة، بتعادُل محبط للغاية. لكن بعدها، ومع صعود حكومة بينت - لابيد إلى السلطة، طرأ تغيُّر تدريجي حقيقي على السياسة الإسرائيلية.
حالياً، يعمل أكثر من 14 ألف فلسطيني من القطاع في إسرائيل. وإذا لم يحدث تصعيد عسكري قريب في القطاع، فمن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 20 ألفاً، بحسب قرار الحكومة. كما يجري بحث إمكان زيادة العدد إلى 30 ألفاً، بينما دخلت قبل أيام حيّز التنفيذ الخطة التي تربط بين العامل ورب عمل إسرائيلي معين، والذي من المفترض أن يؤمن له الدفع، بدلاً من الدفع نقداً كما جرى في الأشهر الأخيرة.
حتى في عملية "حارس الأسوار"، استخدموا في إسرائيل مصطلح "تسوية" بشأن غزة، وانشغلوا بخطط طويلة الأمد. فكروا وأمِلوا بالتوصل إلى طريقة تؤدي إلى حل مسألة المواطنين الإسرائيليين الموجودين لدى "حماس" وجثماني الجنديين المحتفَظ بهما في القطاع.
هذه المرة تغيرت المقاربة، وهي لا تعتمد فقط على وجهة النظر المختلفة لرئيس الحكومة، يائير لابيد، ورئيس الحكومة المناوب، نفتالي بينيت، ووزير الدفاع، بني غانتس، بل أيضاً على توصيات المستويات المهنية. كما طرأ تغيير جذري على موقف "الشاباك" بعد انتهاء ولاية نداف أرغمان وتعيين رونان بار رئيساً للجهاز. فقد وافق بار على التخلي عن رفض "الشاباك" دخول عمال من القطاع للعمل في إسرائيل، والذي استمر أعواماً طويلة، لكنه اشترط ذلك بإجراء فحص دقيق لخلفياتهم الأمنية.
حتى الآن، لم يتورط العمال الغزّيون في أيّ من الهجمات التي وقعت خلال موجة "الإرهاب" التي نشبت قبل عدة أشهر، لكن أي حادثة تقع، وخصوصاً في جنوب البلد، تؤدي فوراً إلى عمليات استيضاح، الغرض منها التأكد من أن ما جرى لا علاقة له بشخص دخل بترخيص من غزة. ومن الواضح لكل الذين على صلة بالموضوع أن أيّ حادث من هذا النوع سيعيد العجلة إلى الوراء.
التوجه الجديد للمؤسسة الأمنية حيال غزة، كما صاغته قيادة المنطقة الجنوبية و"الشاباك" ومنسّق الأنشطة في "المناطق"، يستند إلى عدة افتراضات أساسية، جزء منها بعيد عن الخطاب السياسي الذي تنتهجه الزعامة الإسرائيلية: أولاً، لا حلّ سياسياً في غزة في المستقبل المنظور؛ ثانياً، لا يوجد حالياً بديل واقعي لسلطة "حماس" (وشعار "حماس مرتدعة وضعيفة" هو هدف مستقبلي وليس واقعياً)؛ ثالثاً، ليس من المنتظر حدوث تغيير في أيديولوجيا "حماس".
مع ذلك، بدأت إسرائيل تتصرف بطريقة مختلفة في غزة. فمن جهة، يتعين عليها بناء تهديد عسكري موثوق به في مواجهة "حماس"، يتمثل في هجمات أكثر شدة (تستهدف أرصدة عسكرية مهمة للحركة)، انتقاماً لإطلاق صواريخ، أو أي سلاح آخر من القطاع، على غلاف غزة. من جهة ثانية، هي تنتهج سياسة مدنية واسعة النطاق، وفي الواقع أقل تشدداً من التي انتهجتها منذ صعود "حماس" إلى السلطة في القطاع في سنة 2007.
وبهذه الطريقة جرى التخلي عن توجُّه الرفض التلقائي لأي طلب فلسطيني. طوال أعوام اعتادت إسرائيل رفض الطلبات من غزة، وإذا استجابت لها فكان ذلك يجري من خلال تقديم تسهيلات أو بادرات فقط بعد جولة عنف بين الطرفين. وهو ما أدى إلى الاستنتاج الفلسطيني أن اليهود يفهمون بالقوة فقط.
في إسرائيل، ازداد الإدراك أن تدهور ظروف الحياة في غزة يؤدي في أحيان كثيرة إلى سخونة أمنية. صحيح أن الضائقة اليومية خفّت قليلاً؛ تصل على سبيل المثال ساعات التزود بالكهرباء الآن إلى 12 ساعة يومياً (تفوقت غزة على لبنان، حيث تؤثر الضائقة الحياتية بصورة كبيرة في ظروف الحياة). وبعكس الفترة التي شهدت فيها إسرائيل جهوداً للتسوية، فهي، اليوم، لا تبعث بوثائق إلى "حماس" تتحدث عن خطوات متبادلة، عبر وسطاء مصريين. رسمياً، هي تقوم بـ"خطوات لصوغ المنطقة"، ولا تُجري مفاوضات غير مباشرة مع غزة.
في الوقت عينه، انتهجت إسرائيل تسهيلات في سياسة التصاريح لإدخال البضائع إلى القطاع، عبر معبر كرم سالم. التخوف الإسرائيلي من استخدام المواد في الصناعة العسكرية لـ"حماس"، من خلال بناء مواقع وحفر أنفاق، أدى إلى منع العديد من السلع بحجة "الاستخدام المزدوج"، أي مساعدة "الإرهاب". مؤخراً، تحسنت قدرة الفحص بوساطة آلات تفتيش متطورة، ومن ناحية أُخرى، ازدادت التصاريح للبضائع. كما أزيلَ جزء من الحواجز التي عرقلت مشاريع مهمة من أجل ازدهار القطاع، مثل إقامة منشآت تحلية مياه البحر. أما مجال الصيد البحري الذي كانت إسرائيل تفرض قيوداً عليه باستمرار، رداً على أي خرق أمني فلسطيني، فقد ارتفع من 3 أميال إلى 15 ميلاً.
في المقابل، جرى توطيد التعاون مع مصر، بالإضافة إلى التفتيش الجذري على معبر رفح، ويجري توظيف جهد كبير في إغلاق أنفاق التهريب من منطقة سيناء. ويدل نجاح سلاح البحر في إحباط محاولة تهريب فلسطينية لصواريخ مضادة للدبابات في نهاية تموز، بوساطة سفينة صيد اقتربت من سواحل القطاع، على صعوبة استخدام "حماس" للأنفاق. والتدخل المصري له علاقة بمصالح القاهرة. فنظام عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى مساعدة إسرائيل في مسائل سياسية مختلفة، مثل العلاقات مع الإدارة الأميركية وأزمة سد النهضة مع أثيوبيا. كما تقوم شركات مصرية بمشاريع بناء كبيرة في داخل القطاع، وكالعادة، يبدو أن جنرالات مصريين شركاء في ملكية عدد من هذه الشركات.
لكن التغيّر الأكثر أهمية هو الذي طرأ في مجال العمال، إذ يبلغ الأجر اليومي للعامل في غزة 60 شيكلاً في اليوم (العامل في الزراعة يحصل على 20 شيكلاً في اليوم). بينما في إسرائيل الأجر الأدنى هو 300 شيكل يومياً، والعديد من الفلسطينيين يكسبون أكثر من ذلك. يستطيع الغزّي الذي حصل على تصريح عمل في إسرائيل القفز مرة واحدة إلى الطبقة المتوسطة في القطاع (هي فقيرة جداً مقارنة بالدول الأُخرى)، لكن المال الذي يكسبه يساعد في دعم الأعمال التجارية المحلية من حوله. في الأشهر الأخيرة، برز توسُّع كبير في العمل في قطاع البناء والزراعة والمنسوجات في القطاع وارتفاع واضح في التصدير.
هناك نحو 80 ألف عامل من القطاع يعملون لدى ثلاثة أرباب عمل كبار: سلطة "حماس"، والسلطة الفلسطينية في الضفة (التي تدفع رواتب أيضاً لموظفين حكوميين لا يعملون)، والمنظمات الدولية. القيمة الاقتصادية لرواتبهم في حساب بسيط هي 4.8 مليون شيكل يومياً. 20 ألف عامل في إسرائيل يجنون قرابة 7 ملايين شيكل يومياً. وبمصطلحات الاقتصاد الصغير والفقير للقطاع، يُعتبر هذا تغيراً دراماتيكياً.
كان لكل هذه التطورات تأثير فعلي في حقيقة أن الحوادث الأمنية على الحدود مع القطاع كانت قليلة هذه السنة، والأكثر هدوءاً منذ الانفصال الإسرائيلي عن غزة في سنة 2005. في المقابل، هناك انتقادان مركزيان للخطوات الإسرائيلية. الأول، أن الظروف المعيشية في غزة لا تزال منخفضة جداً والتغييرات التي سمحت بها إسرائيل هي في النهاية بمثابة تسهيلات محدودة في الظروف المعيشية لنحو مليوني شخص مسجونين في منطقة صغيرة ومكتظة دون مستقبل فعلي وإمكانية للخروج من القطاع.
الانتقاد الثاني، كل التفاهمات مع "حماس" هي في طبيعتها مؤقتة، في ضوء العداء الأيديولوجي الكبير للحركة إزاء إسرائيل. ربما يلجم التحسن الاقتصادي الروح القتالية لـ"حماس" لفترة معينة، لكنه في الوقت عينه يقوّي سلطتها ويسمح لها بتخصيص الوقت والموارد لبناء قوتها. في هذه الأثناء، ازدياد القوة السياسية والعسكرية لـ"حماس" يأتي حتماً على حساب السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وبحسب هذا التوجه، ليس هناك أي فرصة حقيقية لعودة السلطة إلى القطاع، بل إن إسرائيل تساعد "حماس" بصورة غير مباشرة في تصوير نفسها بديلاً للسلطة الفلسطينية الضعيفة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق