"إسرائيل اليوم"المَخرَج: بَسط السيادة على «المناطق»!

12 يوليو 2022 - 12:17
صوت فتح الإخباري:

بقلم: نداف هعتسني

في بداية حزيران 1982، حين نشبت حرب لبنان الأولى، كنت ضابطا شابا في بطارية مدفعية على الحدود الشمالية. وبسرعة كبيرة، بعد نحو شهر من إنهائي دورة الضباط وجدت نفسي أتصدر عشرات الجنود إلى داخل لبنان، فيما سمي في حينه حملة سلامة الجليل. قضيت سنة ونصف السنة في بلاد الأرز – من مرجعيون وحتى عين زحلة، من التلال فوق بيروت وحتى بحيرة قارون. أطلقت عددا لا يحصى من القذائف على العدو وتعرضت لوابل من سكاكر الفرح من المسيحيين والدروز. حرست محادثات السلام بين إسرائيل ولبنان، التي أدت إلى توقيع نوع من "اتفاق أبراهام" معنا.
في جبال الشوف وضواحي بيروت حمينا انفسنا من رصاص العدو، ولم نكن على وعي بالهجمات الوحشية التي أدارها اليسار الإسرائيلي ضد حكومة بيغن – شارون. سمعنا قليلا عن أعمال الخيانة لاوري افنيري وشركائه، ممن ذهبوا للالتقاء بياسر عرفات وعمليا عززوا العدو.
ما عرفناه جيدا هو أنه بخلاف الحكايات التي نشرت في إطار المعركة وبعدها هو أن الجيش عرف بعمق، حتى قبل اندلاع المعارك، الأهداف الواسعة للحرب. عندي في مجنزرة القيادة كانت خطط حملة الصنوبر "اورانيم" التي تضمنت احتلال خط طريق بيروت – دمشق. وإذا كان كل ضابط على الخط مثلي، على علم بخطط هيئة الأركان العليا فلا شك أن شيئا لم يكن يخفى عن رئيس الوزراء أيضا.
كلنا بررنا المخاطر التي أخذناها على أنفسنا، وكذا الإصابات والضحايا. فهمنا أنه يجب وقف العدو الفلسطيني الذي جعل لبنان قاعدة للهجمات على الشمال. اتفقنا على أنه من المهم توجيه ضربة كاسحة للسوريين أيضا ممن سيطروا في لبنان ونسقوا الاعتداءات.
ما لم يكن بوسعنا أن نعرفه في حينه هو أن الحرب إياها ستكون آخر الحروب التي تضع دولة إسرائيل لنفسها فيها هدفا استراتيجيا والتزمت به لأربعين سنة على الأقل؛ الحرب الأخيرة التي تكون إسرائيل فيها هي الطرف المبادر، الذي يسعى إلى هزيمة العدو؛ الحرب التي تصرفت فيها إسرائيل ككل أمة طبيعية يوجه فيها زعماؤها الجيش لهزيمة أو طرد العدو. لا للإشارة ولا لخوض جولة أخرى أو إطلاق الرسائل. في "سلامة الجليل" نجحت إسرائيل في طرد ياسر عرفات بكل قيادته وجيوشه بعيدا إلى تونس إلى أن جاء رابين وبيريس وأوقعا مصيبة أوسلو التي أدخلت قيادة العدو وجيشه إلى داخلنا. شارون وبيغن إن كانا لم ينجحا في أن يغيرا في حينه وجه الشرق الأوسط، فالمسيحيون والدروز لم يوفروا البضاعة الموعودة ولم يحولوا دولة لبنان إلى جانبنا – لكن الهدف الأعلى للحرب تحقق بكامله.
منذئذ وحتى اليوم، نبعت كل الخطوات العسكرية لدولة إسرائيل من الانجرار، من الأخطاء ومن الضائقة. أي منها، باستثناء وقف الإرهاب في حملة السور الواقي لم تحقق أي هدف. من حرب لبنان الثانية، التي أديرت بانعدام مسؤولية إجرامي، وحتى كل الحملات في أطراف غزة. كلها عديمة الحسم وفاقدة لكل هدف، باستثناء تحقيق الهدوء الموهوم، قصير الأمد. كلها تعبر عن سياسة هرج ومرج. هذا لا يعني أن دولة إسرائيل تنقصها القوة، الأهداف والرؤيا، ولا يعني أنه لا يوجد من يحققها. ما كان ينقصنا في تلك السنين هو القيادة.

السيادة بدلاً من الأنظمة
مشوق أن نرى ماذا كان سيحصل لو طرح وزير العدل مشروع قرار لبسط السيادة الإسرائيلية على المستوطنات اليهودية في المناطق. صيغة مشابهة لما وعد به عبثا بنيامين نتنياهو مؤيديه، حين وافق على الدولة الفلسطينية لخطة ترامب. باستثناء أن هذه المرة كان هذا حقيقيا، إغراء مشوق كان سيكون أمام المعارضة التي تدعي تاج اليمين، بديلا محسنا جدا لأنظمة المناطق التي لم تجز هذا الأسبوع.
مثل هذه الخطوة كانت ستوجه ضربة لعصفورين مسمومين: كانت ستضع نتنياهو وطائفته في مكانة متعذرة، وتحل أيضا الشر المريض الذي نحمله معنا منذ 1967. ففي هذه السنين بني مبنى قانوني يميز سلبا يهود المناطق، مقارنة بمواطني إسرائيل الآخرين، قانونا يترك قوة زائدة وخطيرة في يد وزير الدفاع، النيابة العامة ومحكمة العدل العليا. من المهم أن نتذكر بأن الأنظمة في عين العاصفة وان كانت ترتب الحياة اليومية في المناطق، لكن هذه حياة سيئة جدا.
صحيح، لو أن وزير العدل كان سيدفع في الكنيست لإحلال السيادة في المناطق، لتفجرت محافل اليسار والوسط في الائتلاف غضبا، ولكن ماذا يهم هذا بعد أداء "الموحدة"، "ميرتس" و"العمل" هذا الأسبوع.
التجربة بالفعل فشلت. على الأقل بمفهوم ان تشكيلة الائتلاف الحالي غير قادرة على أن تؤدي إلى أي شيء. بينما تكتب هذه السطور، فإن الفار الدوري هو نير اورباخ لكن هذا لم يعد يهم. كل عناصر الائتلاف يفهمون بأنهم عميقا في حملة الانتخابات ولهذا فهم يسعون باتجاه مصوتيهم.
المفاجئ هو ان الائتلاف المتعذر هذا بالذات حقق إنجازات تتجاوز من اليمين حكومة "الليكود"، وبالتأكيد إنجازات نتنياهو. ابتداء من عدم الخضوع لـ"حماس" في حملة الأعلام، عبر منع إعادة القنصلية الأميركية الى القدس والسياسة العنيفة تجاه إيران وانتهاء بإجراءات تعزيز الاستيطان اليهودي في الجولان وفي الجليل وغيره.
لكن ما دام مصير الائتلاف حسم وهو سينهار رسميا في الأشهر القادمة، فإن أزمة أنظمة المناطق بالذات تستدعي لعناصر اليمين فيه فرصة تاريخية للوصول الى إنجازات وإطلاق حملة انتخابات غير مسبوقة. بينيت، شكيد وساعر يمكنهم ان يدخلوا نتنياهو وسموتريتش في معضلة متعذرة. فأصابع عناصر اليمين في الائتلاف، الى جانب المعارضة من اليمين يمكنها أن تؤدي الى تشريع عاجل غير مسبوق يصلح كل ما لم يفعله "الليكود" في كل سنوات حكمه. بما في ذلك إحلال كل قوانين الكنيست بشكل مباشر على مواطني المناطق، إلغاء سلسلة من الأنظمة والأوامر المميزة ضدهم وتطبيق قوانين التخطيط والبناء لدولة إسرائيل على المستوطنات اليهودية والمناطق "ج"، إلغاء "عدم الممانعة" التي تمنع الاسرائيليين من شراء الأراضي في المناطق، وأمور أخرى لا نهاية لها. على الطريق يمكن تشريع فقرة التغلب التي تمنع إمكانية إلغاء قوانين الكنيست من مقبل محكمة العدل العليا، الفقرة التي امتنع نتنياهو عمدا عن العمل عليها.
من ناحية بينيت، ساعر والشركاء ستكون هذه حملة الانتخابات البديلة التي يثبت فيها كم هم اليمين الأيديولوجي الأصيل. من ناحية أناس اليمين الحقيقيين في المعارضة سيكون هذا حلما حلوا مثاليا. هل يحتمل ان يصوت سموتريتش، بن غبير واوريت ستروك ضد؟ وأي أوامر سينزلها نتنياهو لمؤيديه؟
مشكوك جدا ان يكون لاحد ما الشجاعة اللازمة لخوض خطوة دراماتيكية كهذه، لكن في الورطة المنفلتة التي علقت فيها الساحة السياسية، يلوح هذا السيناريو المعتدل والفهيم اكثر من كل شيء آخر.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق