"هآرتس"تقدّم إيران نحو «القنبلة النووية» يعني نهاية «عقيدة بيغن»: المطلوب إسرائيلياً (1-2)

15 يناير 2022 - 09:22
صوت فتح الإخباري:

بقلم: شلومو بن عامي
لذكرى الجنرال أوري سمحوني، مرور ثلاثين سنة على موته. زعماء في إسرائيل يشجعون منذ سنوات الجنون القومي إزاء الأخطار الوجودية المتبدلة التي تهدد إسرائيل، حسب رأيهم صباح مساء. ملاحق ومحبط في مقره السري تحت الأرض في بيروت كان ياسر عرفات بالنسبة لمناحيم بيغن هو هتلر الجديد. بعد ذلك، قام بإخلاء مكانه لصدام حسين. الآن، هذه هي إيران التي تُعدّ لنا كارثة ثانية. التهديد الإيراني لإسرائيل في العصر الذي فيه ساحة المعركة هي الجبهة الداخلية – التي هي في إسرائيل هشة وسهلة الإصابة بشكل خاص – هو تقليدي بالأساس وليس نووياً. أكثر مما هي خطر وجودي فإن إيران النووية هي تهديد استراتيجي كاسر للتوازن، والذي يلزم إسرائيل بأن تفهم أنه ربما تقترب "عقيدة بيغن" – هجوم وقائي للقضاء على برنامج نووي في المنطقة قبل وصوله الى النضج العسكري – من نهاية طريقها، وعليها أن تغير بالتالي استراتيجيتها الإقليمية.
بالطبع، يجب عدم الاستخفاف بخطر إيران النووية، فمن شأنها أن تحرك السباق نحو القنبلة ايضا في دول اخرى في المنطقة مثل تركيا ومصر والسعودية. لا يوجد تشابه بين ميزان الردع النووي الذي كان قائما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الباردة، ولا حتى ميزان الذعر في الصراع الثنائي بين الهند وباكستان، اللتين هما دولتان نوويتان عظميان، وبين الانتشار النووي الواسع في الشرق الاوسط مع كل النزاعات القائمة فيه ومع المليشيات ومنظمات الارهاب الكثيرة التي تعمل داخله.
ما الذي حوّل إسرائيل وإيران – الدولتين اللتين لا حدود مشتركة أو نزاع تاريخي ما بيتهما، بل بالتحديد لهما عدو مشترك وهو العالم العربي السني – الى عدوتين لدودتين؟ العداوة تجاه "الشيطان الأصغر"، إسرائيل، التي كانت حليفة في العهد الظلامي لحكم الشاه المكروه، وتجاه "الشيطان الأكبر"، الولايات المتحدة، تبدو للوهلة الاولى موضوعا سياسيا – دينيا، يفهم من مجرد هوية الثورة الاسلامية. ولكن مثل عدد من الثورات الاخرى في الماضي، الفرنسية والسوفييتية على سبيل المثال، فإن الجمهورية الإسلامية تعتبر توسع امبراطوريتها في منطقة عربية - سنية معادية أداة رئيسة في الدفاع عن الثورة ونشر بشارتها. لا تعتبر إيران المفاوضات حول المسألة النووية مقدمة للمصالحة التاريخية مع النظام الأميركي – الإسرائيلي في المنطقة. هذا النظام يعتبر عائقا في طريقها وهي تسعى إلى أن تكون قطبا مناهضا له.
المكون الديني في النزاع مع إسرائيل هو هامشي بالنسبة للدافع الاستراتيجي. إيران وإسرائيل (وتركيا ايضا) هي الدول القومية الواضحة والاقوى في هذه المنطقة التي تذوب فيها الدول. على العداء الشديد فيما بينها تسري حسب رأيي المعادلة التي وضعها البروفيسور غراهام اليسون – "فخ توكيديدس" – التي كررت نفسها مرات كثيرة طوال التاريخ. وبحسبها كلما قامت قوة جديدة وصاعدة بتحدي قوة مهيمنة وقائمة فإن الحرب تتحول تقريبا الى امر محتم تقريبا. بريطانيا وألمانيا في الحرب العالمية الاولى، والصين وأميركا، الآن، هي الامثلة على ذلك. وهكذا ايضا إيران امام ما تعتبره احتكارا أميركيا – إسرائيليا للقوة في الشرق الأوسط.
الحرب بين إسرائيل وإيران وحزام المليشيات التي نشرته في المنطقة، وعلى رأسه "حزب الله"، تجري منذ سنوات بكل الوسائل التي تخطر بالبال، في الظلام وفي الجو وفي البحر وهجمات السايبر. لحظة تأسيسية في العداء بين إسرائيل وإيران كانت ولادة عملية السلام الإسرائيلية – العربية. مؤتمر السلام في مدريد، الذي أبعدت إيران عنه واتفاقات اوسلو، التي في اعقابها فتحت لإسرائيل ابواب العالم العربي، الى درجة دعوة شمعون بيريس لانضمام إسرائيل للجامعة العربية، جسدت سيناريو رعب بالنسبة لإيران، يعني عزلها في المنطقة التي فيها يتحالف أعداؤها اللدودون مع دولة عظمى اقليمية مثل إسرائيل التي تقف خلفها الولايات المتحدة.
سلام عربي – إسرائيلي هو تهديد استراتيجي لإيران، التي فقدت منذ بضع سنوات قبل اتفاقات اوسلو مئات الآلاف من ابنائها في حرب فرضها عليها صدام حسين. حل المشكلة الفلسطينية بتسوية سياسية هو الأمر الأخير الذي تريده. لقد أدارت ظهرها لعرفات عندما توجه لتسوية مع إسرائيل، لكنها دعمت خياره في الحرب (نذكر سفينة السلاح "كارين إي" التي أرسلتها لتسليح "المليشيات الفلسطينية" في الانتفاضة الثانية)، والآن، هي تؤيد مقاومة "حماس"، وتعارض بشكل كبير الخيار الدبلوماسي لمحمود عباس.
الدرس الذي تعلمته إيران في طريقها لتكون دولة عتبة نووية هو أن قدرة نووية لانظمة القمع المهددة، كوريا الشمالية مثلا، تعطيها حصانة من هجوم أميركي لتدمير النظام. هي أيضا تعلمت أنه لو كان لصدام حسين سلاح نووي فإن الولايات المتحدة لم تكن لتتجرأ على غزو بلاده في 2003. درس مهم كان يمكن لإيران تعلمه ايضا من حالة اوكرانيا؛ حيث إنه عند تفكك الاتحاد السوفييتي بقي في حوزتها الترسانة النووية الثالثة من ناحية حجمها في العالم. لو أن اوكرانيا لم توافق في "مذكرة بودابست" من العام 1994 على التنازل عن قدرتها النووية مقابل ضمانات أميركية لسلامتها الجغرافية فمن شبه المؤكد أن روسيا لم تكن لتتجرأ على أن تحتل من أيديها شبه جزيرة القرم، والرئيس فلادمير بوتين لم يكن ليهدد بغزو اوكرانيا مثلما يفعل في هذه الاثناء.
ليس الحرب الهجينة مع إسرائيل وليس العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة عليها هي التي منعت إيران من التقدم في طريقها الحازمة لتصبح دولة عتبة نووية. الاقتصاد في إيران يوجد حقا في أزمة عميقة، والاحتجاجات الشعبية تندلع بين حين وآخر في ارجاء الدولة. ايضا أوروبا، التي وعدت إيران بالالتفاف على العقوبات التي رافقت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، تبين بشكل غير مفاجئ أنها اداة غير ناجعة. ليس بإمكان اليورو الهش تجاوز مركزية الدولار الأميركي في المنظومة المالية الدولية. مع ذلك، يتبين أنه عندما تكون دولة لديها قدرات تكنولوجية وعلمية – يوجد لإيران مثل هذه القدرات – مصممة على التوصل الى النووي فإنه يمكنها الوصول اليه. في بداية السبعينيات من القرن الماضي وبعد أن تحولت الهند الى دولة نووية أعلن رئيس الحكومة في باكستان، ذو الفقار علي بوتو: "سنأكل العشب، وسنجوع، لكننا سنحصل على قنبلة خاصة بنا". الآن، يوجد لدى باكستان رؤوس نووية متفجرة أكثر مما يوجد لدى الهند.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق