الأمن الفلسطيني: معضلات الرأي العام والصورة النمطية

12 يناير 2022 - 07:52
أشرف العجرمي
صوت فتح الإخباري:

كشفت أحداث جنين الأخيرة وخاصة قصة ضرب واعتقال ابن الأسير زكريا الزبيدي القيادي الفتحاوي، وقبلها مقتل المواطن أمير اللداوي من مخيم عقبة جبر، وكذلك مقتل نزار بنات، والمواجهات مع الأجهزة الأمنية في أكثر من مكان وموقع بما في ذلك حصول بعض الاعتداءات على المواطنين واعتقالهم، أن هناك مشكلة جدية لدى الأجهزة الأمنية في مواجهة الرأي العام الفلسطيني وكذلك عند منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية وبعض الأوساط السياسية وخاصة الغربية منها، حيث اتهمت السلطة الفلسطينية بقمع المعارضين والمساس بحرية الرأي والتعبير. وهذه الصورة في الواقع سلبية ولكنها أيضاً معقدة وأكثر تعقيداً مما تبدو عليه وترسمها تشابكات كثيرة وتناقضات أحياناً.
في الواقع، تدفع الأجهزة الأمنية الفلسطينية ثمناً باهظاً لواقع سياسي سيئ للغاية لا تتحمل فيه جل المسؤولية. صحيح أنه لا يستطيع أحد أن يعفي الأجهزة من أي مسؤولية عن قمع أو التسبب في مقتل أي مواطن فلسطيني تضرر من اعتداء الأمن عليه. ولكن الصورة النمطية التي وضعت فيها هذه الأجهزة باعتبارها معادية لحرية الرأي والتعبير والتنظيم السياسي ليست دقيقة ولا تعكس الواقع بكل تفاصيله. فتدهور شعبية واحترام الأجهزة الأمنية في أوساط الرأي العام المحلي مرتبط بعوامل عديدة تعود بمعظمها لما آل إليه وضع السلطة الفلسطينية عموماً.
السلطة تعاني من تراجع الشعبية والتقدير لدى الجماهير لأسباب من بينها انسداد الأفق السياسي بشكل شبه تام، وعدم وجود إمكانية التقدم في العملية السياسية في ظل حكومات إسرائيلية يمينية متشددة، وعجز السلطة عن وقف المشروع الاستيطاني المدمر الذي يستهدف قطع الطريق على فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية. وعربدة المستوطنين وازدياد إرهابهم وعدوانهم ضد القرى والبلدات والمدن الفلسطينية تحت حماية جيش الاحتلال، والاجتياح المتعمد والمتكرر لمناطق سيطرة السلطة الوطنية وخاصة المناطق المصنفة (أ) دون قدرة من الأجهزة الأمنية على الحيلولة دون ذلك أو منعه والتصدي له.
وما يجري على الأرض يطرح تساؤلات كثيرة حول الأجهزة الأمنية ووظيفتها ودورها، هل هي مجرد أجهزة لحفظ الأمن الإسرائيلي وفقاً لاتفاق «أوسلو»، وملتزمة فقط بالتنسيق الأمني مع إسرائيل، أم هي أجهزة وطنية بالدرجة الأولى مهمتها حماية المواطنين وتوفير الأمن والاستقرار لهم، أم هي خليط من هذا وذاك، أو أنها أجهزة قمعية تضمن بقاء النظام السياسي وتمارس الاعتداءات على المعارضين للسلطة، حتى لو اندرجوا في قائمة «المقاومين» للاحتلال؟
الإجابة عن هذه التساؤلات التي تبدو مطروحة في أذهان الناس أو التي تجري تعبئة الرأي العام بها ليست سهلة أو بسيطة أو يمكن تلخيصها في جملة واحدة أو سطر وتكون واضحة وقاطعة. فهي أجهزة وطنية بالأساس خلقت لحفظ النظام وتحقيق أقصى درجات الأمن وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم وقد قدمت الكثير في هذا الجانب. وهي من الناحية الثانية ملتزمة بالاتفاقات مع الجانب الإسرائيلي، وعليها أن تساهم في منع العمليات ضد إسرائيل وهذا يشمل اعتقال مواطنين وتفكيك خلايا مسلحة، كما أن قدراتها محدودة للغاية في مواجهة جيش الاحتلال ولا تستطيع التصدي له في اجتياحاته وممارساته القمعية بما فيها التي تكسر الاتفاقات وتمس بها بصورة جوهرية.
ولكن بما أن هذه الأجهزة تعجز عن حماية المواطنين من بطش الاحتلال، ينظر إليها بصورة غير مريحة عندما تلجأ إلى اعتقال مواطنين على خلفية العمل ضد الاحتلال. وأكثر ما يزعج في هذا الجانب عدم التفريق بين بندقية المقاوم وبندقية الفوضى التي تستخدم لإثارة الفتن والخلافات أو الاعتداء على الناس والبلطجة. وقد عشنا فترة طويلة نسبياً اختلطت فيها البنادق واختلطت الأجندات وعانى المواطنون من تبعات الفلتان الأمني.
وللحقيقة، تعتبر الأجهزة الأمنية ضحية للعجز الفلسطيني العام سواء في المضمار السياسي أو حتى على مستوى الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية، وهي كذلك ضحية اتفاقات وقوانين غير مطبقة أو غير واضحة أو مشوهة أحياناً. كما أنها تعاني من ضعف القضاء ومشكلاته ومن التدخلات السياسية ومن أصحاب النفوذ، أي من الفساد، ومن السطوة العشائرية وتعقيدات المجتمع الفلسطيني. وأحياناً من عدم وضوح الأوامر والإجراءات بما فيها إجراءات الضبط.
وحل معضلة الأجهزة الأمنية لا يكمن في مواجهتها أو تجريمها أو الهجوم غير المبرر في كثير من الأحيان عليها، بل في توفير بيئة مناسبة للعمل بما في ذلك القوانين وضبط المخالفات في صفوفها وتحريم القمع والاعتداءات بصورة فظة، وتمكينها من أداء وظيفتها في حماية النظام والقانون وأرواح وممتلكات الناس. وهذه في الواقع مسؤولية الجهاز السياسي سواء في السلطة الوطنية أو في منظمة التحرير والمجتمع الفلسطيني عموماً. وعدم تحميلها مسؤولية الفشل في تحقيق المشروع الوطني أو أي ثغرات في عمل المؤسسات السلطوية واعتبارها عنوان هجوم المعارضين للسلطة ولمواقفها أو أخطائها. عموماً، الحالة الفلسطينية برمتها تحتاج إلى إعادة تفكير ودراسة عميقتين لتغيير الواقع الصعب الذي نعيش على كل المستويات.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق