حين يتحول التطرف إلى تمييز عنصري

07 ديسمبر 2021 - 07:42
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

يكاد المرء لا يقوى على متابعة مواقف التطرف الإسرائيلي، التي يقوم بها المستوطنون والعديد من القادة السياسيين الإسرائيليين، محميين بالجيش والشرطة، ذلك أن تلك المواقف والأفعال، إنما هي فعل يومي، يمارس بكراهية شديدة ضد المواطنين الفلسطينيين العزل الآمنين، الذين ليس من ذنب ارتكبوه، سوى أنهم ولدوا لآباء وأجداد فلسطينيين، وجدوا أنفسهم بدورهم فلسطينيين ولدوا وعاشوا في هذه الأرض، التي صارت فجأة، وبدافع استعماري، وفي ظل رعاية الاستعمار الغربي، ما بين الحربيين العالميتين، الأولى والثانية، "وطنا قوميا لليهود".  
والتطرف الممارس ضد المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضهم المحتلة، يتم دون أن تلتزم دولة الاحتلال بمعاهدات وقوانين جنيف، التي تطالب قوة الاحتلال بالحفاظ على حياة البشر وممتلكاتهم وكذلك عدم الإقدام على أي فعل من شأنه تغيير ما كان عليه الحال قبل الاحتلال، وحفظ الأمن العام. إلا أن خروج إسرائيل على القانون الدولي، والذي هو سمة ثابتة في طبيعتها، دفعها للاعتقاد ومن ثم التعامل مع الأرض الفلسطينية المحتلة، على أنها ليست أرضا محتلة، واخترعت منذ بداية الاحتلال مصطلح "المناطق المدارة"، بل وأطلقت عليها اسم "يهودا والسامرة"، إمعانا في الغي الاحتلالي، والتطرف السياسي، لذا فقد دأبت إسرائيل على مدار العقود الخمسة التي مضت على احتلالها أن تزرع النبات الشيطاني في الأرض الفلسطينية، المسمى بالاستيطان.
نقول رغم ذلك، إن انخراط قادة إسرائيل في التطرف الذي صار سمة غالبة لحكوماتها، بمن فيهم رئيس الدولة، يطلق العنان للتطرف الذي يحمل رايته المستوطنون، إلى أن يتحول الى عنف عنصري فاضح، ذلك أن اقتحام اسحق هيرتسوغ قبل أيام للحرم الإبراهيمي في الخليل، تبعه تطرف ومن ثم عنف تجاوز الوتيرة اليومية للمستوطنين ليشمل الجيش الذي صار يمارس القتل اليومي بحق المواطنين، وصولا الى عملية اغتيال الفتى الفلسطيني محمد شوكت سليمة في باب العامود بالقدس، قبل أيام قليلة، والذي أثار حفيظة مفوضية الأمم المتحدة السامية، حيث عبر مكتبها، مساء السبت الماضي، عن صدمته لما وصفه بالقتل خارج القانون للشاب المذكور.
ولم يمر يوم آخر حتى كان عضو الكنيست الإرهابي ايتمار بن غفير، يقتحم مجددا المسجد الأقصى، كما اعتاد أن يفعل منذ سنوات، ولا يكتفي بذلك بل وصل به الأمر الى أن يطالب في تغريدة ناعقة على حسابه في "تويتر" بتفويض مصلحة السجون الإسرائيلية الفاشية أصلا، بإطلاق النار بهدف قتل أسرى الحرب!  
من الواضح أن الصمت الدولي على مواجهة التطرف الإسرائيلي، قد رفع من وتيرة الفعل الميداني الإجرامي لهؤلاء المستوطنين، حتى بلغ عدد اقتحامات المسجد الأقصى فقط 22 اقتحاما، خلال الشهر الماضي، إضافة الى منع رفع الأذان، 47 مرة في الحرم الإبراهيمي، حسب وزارة الأوقاف، إضافة الى عمليات إبعاد المواطنين، ومواصلة نهج طرد المواطنين من منازلهم في سلوان والشيخ جراح ضمن سياسة التطهير العرقي الإسرائيلية المتبعة والمتواصلة.
وما هو قادم أسوأ بكثير، حيث يبدو أن جنون التطرف الإسرائيلي قد انفلت من عقاله، فها هي "لجنة التعليم في الكنيست" تطلق دعوة لإدراج المسجد الأقصى، مكان عبادة المسلمين، على جدول زيارات المدارس الإسرائيلية، فيما تقترح "جماعات الهيكل" فتح المسجد الأقصى لليهود خلال شهر رمضان المبارك، أي أن التطرف الإسرائيلي يعد العدة لحرب دينية طاحنة خلال الأيام والأسابيع والشهور القادمة.
ثم يوم آخر، ويطلق المستوطنون المتطرفون مسيرة أعلام في داخل الخط الأخضر، في مدينتي اللد والرملة وذلك بهدف تبديد الهوية العربية للمدينتين، وبدافع التمييز العنصري المشوب بالعنف، وهذا يؤكد بأن ما حدث خلال شهر أيار الماضي، لم يكن حدثا عابرا، فإسرائيل التي اتشحت بالتطرف يبدو أنها ذاهبة لإعادة "ترتيب المجتمع الداخلي" على قاعدة التطهير العرقي، بالعودة عما كانت قد شهدته من ملامح الدولة المدنية، او دولة المواطنة، ذلك أن التطرف ليس له من حدود نهائية، وما كان يدعو له قبل سنوات افيغدور ليبرمان، وما تم إقراره من قبل، بما سمي قانون الهوية، يبدو ان النواة الصلبة للتطرف، بدأت تمارسه على الأرض، بحيث يتحول التطهير العرقي داخل إسرائيل نفسها، الى فعل يؤدي الى النتيجة الحتمية، وهي تحول إسرائيل الى دولة تمييز عنصري فعلا، كما كان حال جنوب إفريقيا قبل إسقاط نظام "الأبارتهايد" الأبيض.  
أول ما يمكن قوله إزاء هذا التطرف الذي يتحول عبر ارتفاع وتيرته، إضافة الى الشد على يد المواطنين الفلسطينيين المرابطين في أرضهم، في مواجهتهم لدولة تتبع سياسة التطرف والخروج على القانون الدولي، ولقطعان الاستيطان الاستعماري، هو مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف في وجه خطر يهدد أمن وسلامة الشرق الأوسط بأسره، ومطالبته بإدراج "جماعات الهيكل" و"تدفيع الثمن" وايتمار بن غفير، وكل جماعات التطرف الاستيطاني ضمن قوائم الإرهاب، وفي السياق يجب مطالبة الدول العربية، التي تدفع يوميا بإجراءات التطبيع ولا تكتفي بما ارتكبته من جرم توقيع اتفاقيات "أبراهام" سيئة الصيت والسمعة، بأن تراجع نفسها، وأن تقدم على "أضعف الإيمان"، وهو القول علنا لإسرائيل: توقفي عن كل فعل مناف للقانون الدولي تمارسينه في الأرض الفلسطينية المحتلة.
ثم متابعة طرق أبواب المجتمع الدولي، ذلك أن الصمت وعدم وضع الحد للتطرف، أيا كان من يمارسه، سوف يؤدي الى نتائج وخيمة، فإسرائيل التي تحشر أنفها، اليوم، في ملف تتابعه الدول العظمى في العالم، والتي تمد أصابعها في غرب آسيا وشمال أفريقيا، أي في قلب العالم بأسره، إنما تسير الى طريق الدولة التي تتطلع لأن تصبح دولة الاستعمار الحديث التي تسيطر على جزء كبير من العالم.
ويبدو أن إسرائيل تقوم بعملية استرجاع لشعارات التفوق العرقي العنصري التي تتسلل بشكل حثيث ومتتابع لكل مفاصل الدولة الإسرائيلية، بما سيعني أنها ستكون وبالا على العالم، وفي المقدمة شعوب المنطقة، وأولها الشعب الفلسطيني ومن ثم الشعوب العربية، حيث لن تنفع الاتفاقيات الورقية أصحابها، فإسرائيل لا ترى فيها سوى رايات بيضاء، لذا فإن مواجهة التطرف الإسرائيلي الذي يتحول مع مرور الوقت الى تمييز وعنف عنصري وحتى الى إرهاب، لم تعد مهمة الشعب الفلسطيني فقط، لأن خطر إسرائيل المتطرفة لن يقتصر عليه وحده وحسب.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق