«معاريف»الطريق إلى طهران يمرّ عبر بيروت

05 ديسمبر 2021 - 08:13
صوت فتح الإخباري:

بقلم: تل ليف رام
لم يكن ممكناً أن نلاحظ في القيادة السياسية­ – الأمنية، هذا الأسبوع، ولو ذرة تفاؤل بالنسبة لاستئناف محادثات النووي في فيينا. في هذا الموضوع فإن الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة كبيرة جداً، وتبدو في هذه المرحلة غير قابلة للجسر. في القدس يفهمون أنه حتى لو استغرق هذا نصف سنة أو سنة ففي نهاية المطاف ستعود القوى العظمى وإيران إلى إطار اتفاق يشبه بالخطوط العامة الاتفاق السابق في العام 2015.
مرت سنتان ونصف السنة منذ انسحاب الولايات المتحدة بقيادة الرئيس السابق، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، ويقول الأميركيون اليوم لإسرائيل بالشكل الأكثر وضوحاً: إن النتائج تتحدث من تلقاء ذاتها وإن قرار الانسحاب، بتشجيع متحمس من إسرائيل، كان خطأ إستراتيجياً جسيماً. فإيران لم تنهر، وفي السنوات الأخيرة خصبت اليورانيوم، وطورت قدرات وأجهزة طرد مركزي متطورة، وراكمت العلم والثقة بالنفس بقدرات ذاتية لعلمائها لمواصلة التقدم في البرنامج النووي.
أعلن ترامب، حتى قبل أن يفوز بالرئاسة ويدخل البيت الأبيض، أنه يعارض الاتفاق وسينسحب منه، ولكن رغم ذلك في الإدارة الأميركية الحالية يرون في إسرائيل وفي رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، مصدراً أثّر جداً على خط الانسحاب من الاتفاق وعرض جبهة صقرية. عملياً، هذا الفيل يوجد في الغرفة في كل حديث في المستويات المختلفة بين إسرائيل والولايات المتحدة. العلاقات طيبة، والمحادثات موضوعية، والأميركيون كالمعتاد مجاملون، ولكن بينما غيرت المنظومات في الولايات المتحدة وفي إسرائيل أنظمة الحركة تماماً، في هذا الموضوع لا يوجد تغيير كبير، وإذا كان يوجد فرق فهو يرتبط أكثر بالسلوك العلني الأكثر اعتدالاً مع الأميركيين، ولكن من حيث الجوهر لا يوجد تغيير حقيقي.
في إسرائيل يأسفون اليوم على أنه بعد انسحاب الأميركيين من الاتفاق كان ينبغي العودة للاستثمار في خيار عسكري ذي مصداقية، ولكن هذا بات بمثابة حليب مسكوب. فبتعليمات من القيادة السياسية ورئيس الأركان يسرع الجيش وسلاح الجو الإسرائيلي الاستعدادات لمثل هذه الإمكانية أيضاً، وبالتأكيد ليس كخيار أول تعمل به إسرائيل وحدها حيال إيران، بل كقدرة ينبغي أن تكون بالترسانة بشكل عملي وكذا كرافعة لغرض ردع إيران.
فضلاً عن ذلك، فإن فحص القدرة اللازمة سيكون أيضاً تجاه تقدير مدى الضرر الذي يمكن لمثل هذا الهجوم أن يلحقه. فبخلاف هجمات أخرى نفذتها إسرائيل على المفاعلَين في العراق وفي سورية، فان هجوماً محتملاً في إيران لن يكون قادراً على أن يوقف بشكل تام البرنامج النووي، بل يؤخره فقط.
كما أن للساحة الدولية وللاستعداد بالتوازي لحرب إقليمية مع التشديد على «حزب الله»، الذي تعاظم جداً في قدراته العملياتية في السنوات الأخيرة، وزناً كبيراً في المباحثات. تفكير مستقبلي عن هجوم في إيران، في حالة الوصول إلى قدرة عملياتية ذات مصداقية سترفع إلى السطح أيضاً مسألة إذا كان يتعين على إسرائيل، كخطوة أولية، أن تعمل على إضعاف دراماتيكي لـ»حزب الله» الذراع العسكرية الأكثر فاعلية لآيات الله ضد إسرائيل. بمعنى أنه: هل ينبغي لبطاقة الدخول للهجوم في إيران أن تمر قبل ذلك عبر بيروت؟
هذه أسئلة ثقيلة الوزن، تقود إسرائيل إلى الاستنتاج بأن الطريق الدبلوماسي أفضل من استخدام القوة العسكرية. يمكن التقدير أن احتمال أن تهاجم إسرائيل في المستقبل إيران وحدها يبقى متدنياً، وإن كان المواطن العادي الذي يسمع التصريحات المتفاقمة للمسؤولين عندنا تجاه إيران قد يفكر في معركة تقترب، وهذا أيضاً جزء من نقل الرسائل الإسرائيلية لشركائها وإيران.
في جهاز الأمن يعتقدون بأنه يوجد فقط شيء واحد هو أسوأ من العودة إلى إطار الاتفاق النووي السيئ، ألا وهو التوقيع عليه بعد زمن طويل. فالمحافل المهنية تقدر أن الإيرانيين سيجرون الأرجل قدر ما يستطيعون كي يستغلوا فترة المراوحة لغرض الزحف البطيء نحو التقدم في البرنامج النووي، لا سيما في كل ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم.
في إسرائيل يعتقدون أنه رغم الوهن الذي يبديه العالم تجاه الخروقات الإيرانية الفظة في السنتين الأخيرتين وفي السنة الأخيرة خاصة، في الحكم الإيراني يفهمون أن خطوة شاذة إضافية وتخصيب مادة مشعة إلى مستوى 90 في المئة ستجعلهم يواجهون موقفاً وخطوات أكثر حزماً بكثير من جانب الدول الغربية.

نقطة بدء سيئة
في إسرائيل قلقون ليس فقط من تخصيب اليورانيوم ومن قفزة الدرجة في كل ما يتعلق بإدخال أجهزة طرد مركزي حديثة، بل أيضاً من مراكمة العلم والثقة الذاتية لدى الحكم في إيران في المنظومة التكنولوجية وفي العلماء الذين يقفون خلف البرنامج النووي. فترة المراوحة، كما يعتقدون في إسرائيل، من شأنها أن تستمر نحو سنة، وفي محادثات مغلقة، على المستويات المختلفة، الرسالة التي تطلقها إسرائيل للأميركيين هي أن التوقيع على اتفاق – حتى إن كان مشابهاً للقديم – لن يتحقق إذا لم تعرض الولايات المتحدة والدول الأوروبية خطاً متصلباً، وشددت العقوبات ضد إيران. أما رفع العقوبات التدريجي وقبول الشروط الإيرانية المسبقة فستؤدي برأي إسرائيل إلى نتيجة معاكسة.
بترجمة حرة، وبلغة أكثر فظاظة بقليل، تقول إسرائيل عملياً: إن الأميركيين البيض لا يفهمون الواقع المتشكل في الشرق الأوسط، ولا يعرفون كيف يتحدثون إلى الفرس بالفارسية. ولكن هل في إسرائيل يفهمون الفارسية؟ منوط بمن تسأل. ضباط كبار في شعبة الاستخبارات ممن انشغلوا في الموضوع الإيراني عشية التوقيع على الاتفاق في فيينا في تموز 2015، يقولون لـ»معاريف»: إنه بالذات في إسرائيل فشلوا في السنوات الأخيرة في التقديرات لآثار خروج الأميركيين من الاتفاق النووي. وعليه فينبغي عليهم في إسرائيل أن يبدوا بعض التواضع عندما يزايدون على الإدارة الديمقراطية الأميركية مشتكين من الأخطاء الخطيرة التي ترتكبها الآن حيال إيران، إذا أخذنا بالحسبان أن إسرائيل أيضاً ارتكبت أخطاء إستراتيجية.
في اختبار النتيجة، بعد سنتين ونصف السنة من الخروج من الاتفاق، وإن كان الوضع الاقتصادي في إيران أصعب والاحتجاج الأخير أيضاً يشير إلى مصاعب وتحديات جسيمة على الحكم هناك، ولكن إلى جانب ذلك فإن التقدير السائد هو أن الحكم هناك مستقر. وأخطر من ذلك، فإن نقطة بدء المفاوضات مع إيران أسوأ بكثير مما كانت عليه في 2015. كما أسلفنا، فهذه ليست فقط الكميات غير المسبوقة من المادة المشعة في مستوى التخصيب العالي وتركيب أجهزة طرد مركزي حديثة. هذا ظاهراً يمكن التراجع عنه في إطار الاتفاق. أما العلم المتراكم والثقة بالقدرات فلم يعد ممكناً سلبهما من الإيرانيين، حتى من خلال هجوم عسكري.
في إسرائيل يتأثرون ويقلقون من القدرة التكنولوجية المستقلة المبهرة التي حققها العلماء في إيران. من جهة أخرى من المهم أيضاً القول: إن إيران هي ربما دولة حافة نووية في كل ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، ولكن في كل ما يتعلق بعناصر مهمة بقدر لا يقل لتعريف المفهوم المتملص مثل دولة حافة سلاح نووي، فإن إيران، مع كل الحذر الذي ينبغي اتخاذه، لا تزال ليست هناك.
في العام 2003 هجرت إيران برنامج السلاح لديها، الذي يعني القدرة التكنولوجية والعملياتية لأخذ المادة المشعة في المستويات العالية وتصميمها في رأس متفجر يمكن تركيبه على صواريخ بعيدة المدى. تقويم الوضع في الاستخبارات الإسرائيلية هو أن العلم بقي، وأن الإيرانيين واصلوا إدارة مجموعات عمل صغيرة في إطار من السرية، ولكن إيران بحاجة لسنتين من لحظة القرار للاندفاع نحو قنبلة نووية، حتى تحقيق مثل هذه القدرة. طريقة العمل الإيرانية مختلفة عن دول مثل العراق وسورية ودول أخرى طورت سلاحاً نووياً. فبناء قدرة تخصيب اليورانيوم الإيرانية بأهداف عسكرية لم يتم بالتوازي مع التقدم في مجموعة السلاح. تخصيب اليورانيوم لمستويات عالية، بالمقابل، تستخدمه إيران كجزء من لعبة القمار التي تديرها مع الغرب، في فحص قدراتها لشد مستوى ضبط النفس (العالي جداً) لدى الأميركيين.

الحساسية الإسرائيلية
الحساسية الإسرائيلية تجاه الولايات المتحدة في مثل هذه الفترة كبيرة ومعقدة. فقد تبنى رئيس الوزراء، نفتالي بينيت، مؤخراً، خطاً أكثر حزماً تجاه الأميركيين، لكن وزير الدفاع بالمقابل يعتقد أنه ينبغي أن نكون أكثر حذراً. في المداولات التي جرت، مؤخراً، برئاسة بيني غانتس وصف إيران كهدف إستراتيجي أعلى لإسرائيل. وعليه ففي مواضيع أخرى حساسة من ناحية الأميركيين، مثل السلوك مع الفلسطينيين، ينبغي اتخاذ الحذر من أجل عدم خلق مزيد من الاحتكاكات. فالمواجهة مع الأميركيين لن تخدم إسرائيل بأي طريقة، بل أحياناً يمكنها أن تخدم ظاهراً مصالح فلسطينية داخلية ولكن في نهاية المطاف يجب أن نتذكر أن الولايات المتحدة هي التي تمنح إسرائيل المساعدة الأمنية وليس العكس.
وأخيراً من المهم أيضاً القول: إن الصورة بعيدة عن أن تكون ملونة بالأسود فقط. فليست السحب القاتمة فقط هي التي تغطي سماء البحر المتوسط. فمكانة إسرائيل في المنطقة قوية ومستقرة، وأزمة «كورونا» وانهيار الدول حولنا تؤكد فقط حصانة إسرائيل. للتحالفات الإقليمية ولاتفاقات إبراهيم يوجد وزن إستراتيجي عظيم، حتى لمواجهة محتملة مع إيران. إضافة إلى ذلك من المحظور أن ننسى أن المعركة التي تديرها إسرائيل ضد العدوان الإيراني والتموضع الإيراني في المنطقة تعطي نجاحات كثيرة. وحرية عمل إسرائيل في هذا الموضوع ستبقى محفوظة، والتفهم الأميركي ودول أخرى لخطورة التهديد الإيراني على الاستقرار الأمني في المنطقة يمكنه فقط أن يرتفع.
صحيح أنهم في إسرائيل قلقون من عدم رد الولايات المتحدة على أعمال عدوانية ينفذها الإيرانيون من خلال الميليشيات، ضد قوات أميركية أيضاً، ولكن في جهاز الأمن يتذكرون جيداً أنه حتى تصفية قاسم سليماني طرحت ادعاءات مشابهة. أحياناً يكون هذا امتياز القوة العظمى، حيث إنه حين تقرر العمل فإنها تعمل بقوة.
نظرة إلى نصف الكأس الملآن إلى جانب الميول المقلقة في كل ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والتوقيع المستقبلي لاتفاق يعرف عندنا كاتفاق سيئ، تظهر فضائل أيضاً: تراجع إيران في كل ما يتعلق بكميات اليورانيوم ومستوى التخصيب، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وإعادة آلية الرقابة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي لا توجد عملياً اليوم.
إن سحب قدرات من هذا النوع من إيران لعملية عسكرية إسرائيلية لا يوجد اليوم في ترسانة الأدوات، وفي كل الأحوال، الخيار السياسي الدبلوماسي هو الأفضل لإسرائيل في هذا الوقت في صورة الوضع الحالية. هذا بعيد عن أن يكون وضعاً كامل الأوصاف، لا سيما في ضوء تقدم إيران في السنة الأخيرة، ولكن في الوقت الحالي، إلى جانب قيود الاتفاق المستقبلي إذا ما وعندما يوقع، سيكون لإسرائيل زمن أكبر بكثير لتستعد بجذرية لخيار عسكري وليس أقل أهمية من ذلك لتحسين الجاهزية للمواجهة مع «حزب الله». من ناحية استخبارية سيكون «الموساد» و»أمان» مطالبَين بتركيز الجهود في كل ما يتعلق بجمع المواد عن خروقات إيران للاتفاق إذا ما كانت كهذه. إيران، كدولة تهدد استقرار المنطقة وتتطلع للوصول إلى سلاح نووي، ليست مشكلة خاصة لإسرائيل. إلى جانب الجدال المشروع في المواقف بين القدس وواشنطن، من المحظور أن تميز إسرائيل نفسها عن حلفائها. صحيح أن إيران نووية هي وضع لا يطاق ومن المحظور السماح له بأي طريقة كانت، ولكن من الصحيح أيضاً حتى الآن أن العودة إلى الاتفاق النووي هي أيضاً مصلحة إسرائيلية واضحة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق