هل يتغيّر العالم؟

11 أكتوبر 2021 - 05:49
عاطف أبو سيف
صوت فتح الإخباري:

من المؤكد أن التحولات في موازين القوى وفي خارطة التحالفات سمة أساسية من ديمومة نظام العلاقات بين الدول، وفي القرون الماضية حدثت انتقالات وتغيرات أطاحت بالكثير من القوى وشهدت صعود قوى جديدة. وبالنظر إلى الماضي قليلاً، ربما قبل مائة عام، فإن من كان قوياً لم يعد كذلك اليوم، كما أن بعض القوى التي باتت في مصاف الدول الغنية والقوية كانت وقتها فقيرة وضعيفة ومستباحة. وبشكل عام فإن حقيقة التغيير واردة، لكن من المؤكد أيضاً أن هذا ليس باب القصيد من وراء السؤال الذي يطرحه عنوان هذه المقالة، إذ إن الإجابة يجب أن تقدم رؤية حول ممكنات ومآلات التحولات المرتقبة إن حدثت.
ثمة ترقب كبير وتوقعات أكثر حول كيف يمكن أن يتغير العالم. والمقصود بالعالم في هذا السياق هو العالم أحادي القطب الذي تتحكم بمصيره الولايات المتحدة الأميركية. العالم الذي باتت فيه واشنطن الشرطي الذي يتحكم في مجريات الشارع ويتدخل في تفاصيل البيوت ويقرر مصير السكان. هذا العالم الذي تحكمه قوة دكتاتورية، تذهب للحرب وقتما شاءت، وبلا رحمة تترك من ساندوها ليلتهمهم الضياع. هذا العالم الذي تجاهر فيه قوته الأكبر بالاعتداء على حقوق الآخرين وبمساندة القتلة ودعم الاحتلال وتمويل الانقلابات، ومنح صكوك ملكية للأراضي التي يحتلها الغير، وحرمان شعوب كاملة من الحرية والاستقلال بسبب تحكمها غير الأخلاقي بالمؤسسات الدولية. هذه القوة التي في داخل كل مواطن حر في العالم رغبة في أن تضعف، ليس رغبة في إيذائها، بل من أجل أن يصبح العالم أكثر توازناً. المؤكد أن العالم الذي تقوده واشنطن عالم تسوده المظالم وتغيب عنه الأخلاق ويتم فيه الاستئثار بالضعيف، والتشدق بالديمقراطية من أجل الإطاحة بالخصوم، ويتم تغليف مساندة الديكتاتورية بحماية الحقوق. عالم قاموسه السياسي مضطرب. هذا العالم الذي يريد المرء أن يراه تبدل وتغير، ويريد أن ينتقل إلى عالم أكثر عدالة وأكثر نزاهة وأكثر أخلاقاً. وعليه فإن السؤال حول تغير العالم هو في الحقيقة سؤال حول الوقت الذي سيمر قبل أن ينتهي تفرد الولايات المتحدة بالتحكم بمقاليد الحكم في العالم.
هذا تحديداً ما يعنيه السؤال السابق. متى ستنتهي سيطرة واشنطن على العالم؟ متى يمكن أن نتحدث عن عالم أكثر أمناً وأكثر عدلاً؟ عن عالم لا تجهض دول فيه القرارات الصائبة التي يمكن لمنظمة دولية متوازنة أن تتخذها نصرة للضعفاء في وجه من يبطش بحقوقهم. نهاية السيطرة الأميركية على العالم هي منتهى وإجابة هذا السؤال. إنها النهاية التي لا تعني نهاية أميركا، بل نهاية تفردها بالتحكم في شؤون الكوكب ونهاية نظام القطب الواحد الذي يميز العلاقات الدولية منذ زمن تجاوز العقود الثلاثة، إنه هذا العالم الذي يجب أن يتغير، ويجب أن يكون محط تطلعات كل الباحثين عن العدل والحقوق في العالم.
انتهى العالم ثنائي القطب مع تفكك جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال بعض جمهورياته، وتبدلت وقتها خارطة الأعداء والأصدقاء، وصار يمكن عقد واحدة من أهم قمم حلف الناتو في براغ إحدى أهم معاقل أوروبا الشرقية حليفة موسكو. تبدل العالم وتغيرت تفاصيله، وبات واضحاً أن واشنطن لم تعد قوة عظمى، بل قوة «هايبر» فوق أي توصيف يمكن أن تقارن به. يصعب توصيف ما جرى في الكتلة الشرقية، لكن المؤكد أنه لم تعد هناك قوة تضاهي قوة واشنطن، وأن الأخيرة تم تسييدها على العالم دون أي معارضة حقيقية من قوة منافسة أخرى. لم يكن هذا الأمر ممكناً بعد الحرب العالمية الثانية حين قامت واشنطن بتمثيل القوى الغربية المنتصرة في الحرب، وقامت موسكو بتمثيل القوة الشرقية المنتصرة في الحرب، وربما التقاء الدبابتين الأميركية والسوفياتية عند نقطة تفتيش تشارلي في برلين، وتقسيم المدينة إلى شرقية وغريبة، كانا مقدمة لشكل العالم الذي ظهر للعلن بعد أن أطفأت محركات الطائرات والبوارج الحربية هديرها. عالم تتحكم به قوتان قادرتان على تقاسم العالم بينهما. استمر هذا الوضع ردحاً من الزمن شهد التوترات المختلفة، وكانت الحروب تكاد تندلع بسبب أزمات مختلفة ربما أهمها أزمة الصواريخ الكوبية وغير ذلك، لكن ظل العالم محافظاً على توازنه الذي أنتجته الحرب حتى انهار جدار برلين بإعلان انتصار المعسكر الغربي دون حروب.
كثر الحديث عن تحولات مرتقبة أخرى تتمثل في تحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب، خاصة بعد تنامي قوة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية وتحوله إلى تبني سياسات خارجية وأمنية ودفاعية مشتركة بعد اتفاقية ماستريخت، وتعزز هذا الحديث مع صعود القوة الاقتصادية الصينية وبشكل بارز ينافس القوة الأميركية، ومن ثم الهند، وصعود نجم البرازيل. بشكل عام صار الحديث عن هذا العالم متعدد القوى أمراً متوقعاً ووشيكاً، لكن هذا لم يحدث. ظلت واشنطن تتحكم بالقوة في العالم، وأثبتت قدرة على المناورة في الصراعات الجانبية الناعمة مع الكثير من المحاور، وواصلت في نفس الوقت تفردها في شن الحروب في العالم أينما ووقتما شاءت.
هل ما زال هذا التوقع قائماً. المنطق يقول: إن الوقت يجعل كل شيء ممكناً، وإن حدوث مثل هذه التحولات ليس مستبعداً، خاصة مع مواصلة الكثير من القوى امتلاك أسباب القوة، ومع حقيقة أن السلاح النووي والتسلح لم يعد العنصر الحاسم في تحديد قوة الدول؛ إذ إن أي منظمة إرهابية يمكن لها أن تشن حرباً على أقوى دولة دون الحاجة للجيش النظامي. اختلف كل شيء وعليه فإن انتظار حدوث تغير أمر وراد، ولكن كما يقترح المقال في بدايته: متى؟ وفي أيّ سياق؟ والأهم ربما من كل ذلك هل سيكون كل هذا في مصلحتنا لو حدث؟ بمعني هل ستكون القوى الجديدة الصاعدة صديقتنا؟!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق