صباح الخير يا ماجد

10 أكتوبر 2021 - 09:07
نبيل عمرو
صوت فتح الإخباري:

عرف محمود درويش كيف يبدأ قصيدته في رثاء صديقه الأقرب ماجد أبو شرار.
«صباح الخير» هي التحية اليومية التي يبادر بها من يستيقظ منهما أولا، وغالبا ما كانت المكالمة تنتهي بتحديد موعد للقاء.
كان ماجد رجل الإعلام الأول في حياتنا الفلسطينية ورجل التثقيف الأهم في منظومتنا الفدائية... قوات العاصفة ثم قوات الثورة الفلسطينية وهو الباروميتر الدقيق لوحدتنا الداخلية.
كان الإخوة المتخاصمون يلوذون به كي لا يتطور الخصام إلى ما هو أبعد من الانتقاد والسجال الكلامي.
أبو سلام عاشق الحياة البسيطة.. شقة مساحتها مائة وخمسون مترا تكفيه ليعيش مع ابنته سماء وابنه سلام بعد ان فقدا والدتهما في موت مبكر، وكفته حين اقترن بالسيدة أنعام عبد الهادي وانجب منها داليا لتتسع شقة الوئام والحب للقدامى والجدد.
كان بيته امتدادا لمكتبه الذي يحصي من نافذته القذائف المتبادلة التي تمر من أمام ناظريه في الدور السادس من مقر الإعلام الموحد الذي كان يقوده، كان البيت الصغير والمكتب الخطر خلية آدمية لا تهدأ من الصباح حتى ما بعد منتصف الليل.
ماجد لم يكن ليذوق للحياة طعما دون ان تمتلئ بالناس ودون ان يكون الصخب الأليف متعته مثلما هو متعة المتحاورين معه مختلفين كانوا أم متفقين.
كان شخصية غزيرة الثراء فهو في السياسة من فئة اللامعين المتميزين، وفي الثقافة صاحب اجمل مجموعة قصصية عنوانها «الخبز المر». ولا يزال إنتاجه الوفير الذي نشره على صفحات جريدة «فتح» بعنوان «جداً» محفورا بالذاكرة، ففي كل ما يقول ويكتب تلمس تلك المزاوجة العبقرية بين الانتماء العميق والحميم للفكرة وبين الانتقاد اللاذع والجريء والصريح لكل الظواهر السلبية التي لم تكن لتخلو منها مسيرة حركته وثورته ومجتمعه.
كان وهو الموجه الرئيسي لنا ونحن نعمل تحت قيادته في جهاز الإعلام الفلسطيني الضخم يحثنا على أن نتحدث بلغة واحدة فما دمنا أصحاب قضية محقة فلمَ التحايل والتزويق، كان يكره أن يكون الإعلام كما لو انه ترويج لبضاعة... «قولوا الحقيقة فهي الحليف الأقوى والأوفى للرواية الفلسطينية في كل مراحلها».
كان دائم الاختلاف مع زملائه في القيادة ولكنه دائم الوفاق، كان فكريا واجتهاديا على طرفي نقيض مع من كنا نصنفه يمينيا وهو الشاب اللامع كمال عدوان، إلا انه كان صديقه الأقرب، وحين جرى تداول لأسماء رشحت لقيادة جهاز الإعلام حسم كمال عدوان الأمر بأن رشح ماجد بديلا عنه، وهكذا فعل محمد أبو ميزر «أبو حاتم».
وحين جرى تأسيس جهاز التوجيه السياسي المسؤول المباشر عن تثقيف القوات التي كان عديدها مع مليشياتها آلافا مؤلفة تنتشر على العديد من الساحات داخل الوطن وخارجه، وقع الاختيار على ماجد رئيسا للجهاز وعلى اشد المختلفين فكريا وسياسيا معه عبد الفتاح القلقيلي «أبو نائل» أطال الله عمره نائبا له، ذلك على رأس خليط من المثقفين وأصحاب الاجتهادات المتباينة التي كانت تعج بها حركة فتح.
وحين عقدت «فتح» مؤتمرها الثالث تبلور إجماع على الإفادة من كفاءة التوأمين كمال عدوان وماجد أبو شرار، فانتخب الأول عضوا في اللجنة المركزية وكان الأصغر سنا بين الكبار التاريخيين والمؤسسين، وانتخب ماجد أمينا لسر المجلس الثوري ما جسد اهم تفاعل بين الأجيال، جيل المؤسسين الذين يسمون التاريخيين وجيل الصاعدين الذين سيصبحون تاريخيين بعد سنوات.
حين وقع الانشقاق الفادح الذي كاد يودي بـ»فتح» والثورة الفلسطينية وكان قادة الانشقاق بمعظمهم من أصدقاء ماجد سألني كثيرون: لو انه كان على قيد الحياة حين وقع الانشقاق فمع من سيكون مع أصدقائه أم ماذا؟
لم يكن الأمر لغزا يمكن أن يحير أي إنسان عرف ماجد عن قرب.
كان جوابي مستمدا من تفاصيل سيرته من البداية فقد كان يحكي عنها بأسلوبه ولغته البسيطة المسماة بالثالثة بين لهجته الدوراوية وما علق عليها من كلمات غزية. كان يحكي ذكرياته في سني طفولته الأولى في دورا ثم سهرات الشاطئ في سن الشباب المبكر على رمال بحر غزة.
ثم ذكرياته في قرى الظاهرية وعي الكركية وغيرهما ممن عمل فيها مدرسا ثم حياته في السعودية ككاتب وصحافي تعرف على «فتح» التي تفرغ فيها نهائيا فيما بعد، ويحكي عن ارتحاله معها حيثما شاءت أقدارها أن ترتحل.
كان بالنسبة لي ولغيري من أصدقائه الكثير أو زملائه الذين عملوا معه عن قرب أو بعد كتابا مفتوحا سطوره واضحة وجمله غير ملتبسة سهل القراءة ودقيق التعبير عن شخصيته.
رجل كهذا لم أتردد في الإجابة الفورية عن السؤال الذي نشأ حوله بعد استشهاده ووقوع كارثة الانشقاق.. قلت وأقول وسأواصل القول: ما كان ماجد ليقبل به أو يهضمه مهما كانت ذرائع الذين قاموا به، بل واذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ... ما كان للانشقاق أن يتم لو كان ماجد على قيد الحياة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق