"هآرتس"الإسـرائـيليـون كـلّهـم مـسيحـانيـون ..

07 سبتمبر 2021 - 06:35
صوت فتح الإخباري:

بقلم: اساف هرئيل
على مدى 15 عاماً أبحث، كعالم في الانثروبولوجيا، في الاستيطان والمسيحانية. كجزء من البحث سكنت في غوش قطيف في فترة الانفصال، وبعد ذلك في الون شفوت في الضفة الغربية. أحد استنتاجاتي الأساسية هو أننا جميعنا مسيحانيون.
أي جميع اليهود الذين يعيشون في الفضاء الإسرائيلي – الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر: متدينين وعلمانيين، يمينا ويساراً. جميعنا مسيحانيون؛ لأننا نجسد في الحقيقة بمجرد وجودنا هنا وحدة سياسية غيرت وجه اليهودية؛ من تطُّلع روحاني قديم للخلاص إلى مكان رغبة وتحقيقها. هذه الوحدة تميز بين اليهودي وغير اليهودي.
من أجل فهم لماذا جميعنا مسيحانيون سنبدأ بجولة انثروبولوجية قصيرة في أوساط المستوطنين والفلسطينيين. توجد لهذه الجولة عدة أهداف. أولا، هي تمثل كيف يتم خرق المعرفة الانثروبولوجية، وكيف أن هذه المعرفة تنبع من تجربة انسانية بكل مركباتها، من خلال طمس الحدود بين البعد الشخصي والبعد العلمي.
هذا هو مصدر قوة ومصدر ضعف التفسير الانثروبولوجي. إضافة إلى ذلك، هذه الجولة يمكن أن تقابل القراء بمسيحانية سهلة التشخيص – مسيحانية المستوطنين. وهي تظهر ايضا أنه يوجد لهذه المسيحانية اشكال مختلفة، في النظرة للفلسطينيين على سبيل المثال. يوفر هذا اللقاء نقطة انطلاق ثابتة، منها يمكن التحرك إلى اماكن قريبة اكثر واقل تماهيا مع المسيحانية. بدأت هذه الحركة في التقدم بفكرة الأنا التي تفتح ثغرة لمعانٍ أوسع من المسيحانية.
هدف الجزء الثاني من المقال هو تسليط الضوء على الجوانب الاقل وضوحاً في المسيحانية العلمانية.
هنا نبدأ في وصف سريع لمفهوم المسيحانية، ونلقي نظرة خاطفة على رحلتها المتعرجة منذ التقائها مع الصهيونية وحتى هذه الأيام. سنفعل ذلك من خلال النظر إلى تجلياتها في السياسة وفي الثقافة الشعبية، وسنظهر أن معنى هذا المفهوم مر بتغيير دراماتيكي على مر السنين.
آمل بأنه في نهاية المطاف سيكون من الأسهل رؤية أن المسيحانية اليهودية لا تقتصر على المستوطنين فقط. هذا الفهم مهم بشكل خاص، الآن، حيث إنه للمرة الاولى يعتمر يهودي متدين قبعة منسوجة يشغل منصب رئيس الحكومة في إسرائيل.

الأمل والأمل
في يوم الاثنين، 4/10/2010، جاء نحو 200 شخص إلى منطقة قفراء قرب الشارع المؤدي الى يتسهار. وقد تظاهروا ضد اغلاق كنيس في بؤرة استيطانية في مستوطنة معاليه شومرون، التي تبعد 15 كيلومتراً غرباً. الى الأسفل وخلف الشارع الرئيس على مدخل قرية بورين شوهد بوضوح سبب إجراء المظاهرة هنا بعيدا عن الكنيس، وهو وجود مسجد. العدد ذاته من المتظاهرين الفلسطينيين تجمع عند مدخل القرية، قرب مكان الصلاة الاكبر والاكثر وضوحا، وكانت المئذنة محاطة بالسقالات حيث يتم إجراء ترميمات.
توقفت شاحنة مع رافعة في الاعلى، في حقل قرب يتسهار. استخدم صندوق الشاحنة منصة مرتجلة مع كراسٍ وطاولة ومنبر للخطباء. حملت الرافعة لافتة كبيرة كتب عليها "يهدمون كنيسا، ويرممون المسجد". كُتبت اللافتة باللون الاحمر وهو اللون الشعبي المعروف للافتات المستوطنين. هذا منطقي. دماء، كرمز، هي وسيط ناجع جدا بين الشخصي والسياسي، بشكل خاص في واقع الالم والخوف والغضب والكراهية.
في فجر اليوم ذاته، على بعد ساعتي سفر نحو الجنوب، تم تدنيس مسجد في بيت فجار، حيث تم إحراق السجاد والمصاحف وكتبت شعارات مسيئة بالعبرية على الجدران. والى جانب نجمة داود باللون الأسود كتب "الثأر، المراحيض" وبعض الكلمات البذيئة. وكتب ايضا "ليهدم المسجد". شخص ما فهم رسالة المظاهرة في يتسهار (التي تم النشر عنها قبل بضعة ايام). بعد تدنيس المسجد كان في البريد الالكتروني الجماعي لمستوطنة الون شفوت نقاش غير عادي. توجد بيت فجار على بعد بضعة كيلومترات من الون شفوت، لكن الانطباع هو أن المسافة بينهما هي سنوات ضوئية. اليهود بشكل عام لا يدخلون القرية. يوجد الكثير جدا من العداء، الذي استمر مئة سنة تقريبا، على الاقل منذ اقامة مغدال عيدر، وهي مستوطنة تم تدميرها في اضطرابات 1929 وتمثل بداية غوش عصيون.
باستثناء فترات العنف الفلسطيني المتقطعة فإن الحياة في الون شفوت سارت بشكل هادئ جدا، بالتأكيد اكثر مما هي في يتسهار. البريد الالكتروني الجماعي يؤيد هذا الهدوء. قواعده تتجاهل الجوهر السياسي للمستوطنة و"تريد تجنب نقاش سياسي واعلامي واخباري". فجأة نجد بياناً: "صباح اليوم تم احراق مسجد في بيت فجار... نقوم بتنظيم نشاط احتجاجي... سنطلق صوتا واضحا للسلام والجيرة الحسنة... ضد تدنيس المقدسات".
مظاهرة لمستوطنين للتضامن مع فلسطينيين هي حدث استثنائي. وكانت الردود في الون شفوت مختلفة. عدد ممن ردوا سارعوا إلى نفي المسؤولية اليهودية. كتب أحد السكان: "إحراق المسجد لا صلة له بنا. ليست لنا أي علاقة. نقطة. لا يخطر ببالي أن شخصا يهوديا قد فعل ذلك". شخص آخر سأل، دون التطرق الى الكتابات المسيئة بالعبرية: "هل يعرفون بالضبط أن هذا كان احراقا متعمدا؟". كان هناك ايضا نفي وجود مؤامرات مثل: "لن استغرب اذا تبين أن هذا كان استفزاز من قبل الفلسطينيين". وكانت هناك ايضا بيانات مؤيدة للمظاهرة مثل: "يجب الاحتجاج عندما نرى العنف والظلم". خفت النقاش الافتراضي بسرعة بعد أن تقرر بأن الاحتجاج يخرق النظام. في اليوم التالي عاد روتين الحياة.
مظاهرة المستوطنين ضد تدنيس المسجد تم تحديدها في يوم الثلاثاء الساعة الرابعة، بعد يوم على المظاهرة في يتسهار، في مفترق طرق الكتلة. كان من السهل جدا الوصول الى هناك. ذهبت مشيا على الاقدام على بعد مسافة قصيرة من بوابة الدخول الجنوبية لالون شفوت. ولمزيد من الامن، من خلال الحماسة وصلت مبكرا. كان المكان فارغا من المتظاهرين. عرفت أن بعثة من الحاخامات والنشطاء المحليين قد زارت في ذلك الوقت بيت فجار. زيارة كانت عملا دينيا من اجل السلام وقررتُ المشاركة فيها.
سافرتُ إلى بيت فجار، على بعد دقيقتي سفر من مفترق غوش عصيون. ولكني أُجبرت على التوقف في الشارع قبل دخول القرية لأن عشرات الشباب الفلسطينيين تجمعوا هناك. عدد منهم في أعمار العاشرة وعدد منهم اطفال حقا. كانوا منهمكين في اقامة حاجز من الحجارة والاطارات. عربة صغيرة خشبية مستعملة وضعت وسط الشارع، وقد رآني عدد منهم من بعيد واشاروا لي بالاقترب. القبعة المنسوجة التي اعتمرها أظهرتني كمستوطن. خفتُ وحافظتُ على مسافة آمنة من أجل الهرب عند الحاجة، وأنا أنتظر مشاهدة ماذا يحدث عندما تخرج البعثة اليهودية من القرية.
لم اتمكن من الانتظار لأن الشباب بدؤوا بشتمي باللغة العربية واللغة العبرية. وقاموا باشعال الاطارات التي أطلقت الدخان الاسود والكثيف. وعندها رشقوني بالحجارة واقتربوا بسرعة مني اكثر مما توقعت. بالضبط عندما أردت الهرب جاءت وحدة صغيرة من الجنود مع ضابط، وبدؤوا باطلاق النار والغاز المسيل للدموع على الشباب المتظاهرين، وغادرتُ المكان.
في هذه الاثناء جاء إلى المفترق مراسلون، وبعد فترة قصيرة انضمت ايضا البعثة اليهودية التي عادت من بيت فجار. بالاجمال كان هناك حوالى 20 مستوطنا و10 فلسطينيين. وقد حملوا لافتات بالعبرية والعربية. "السلام هو اسم الله"، "كل رجال الجبل يريدون العيش بكرامة"، "ارض السلام – مستوطنون من اجل السلام في البلاد". مرت سيارات إسرائيلية وفلسطينية من هناك وأطلق عدد منها الصافرات، ربما بسبب الحركة وربما كنوع من التضامن.
مستوطن مع لحية مثيرة للانطباع أعلن في مكبر الصوت بأن المظاهرة ستبدأ في أي لحظة. فقط نحن ننتظر بضع مئات من الشباب الفلسطينيين الذين سيأتون من بيت فجار. هذه رسالة تخريبية لأن احتمالية مجيء بضع مئات من الفلسطينيين فجأة من بيت فجار هي فكرة مخيفة بالنسبة لعدد من المستوطنين. ايضا هذه كانت أمنية منفصلة عن المواجهة العنيفة. في وقت متأخر عرفت أن البعثة اليهودية غادرت في شارع جانبي، ولم تكن على علم بما يحدث على المدخل الآخر للقرية. على أي حال، لم يكن هناك مكان لبضع مئات من الاشخاص.
لم يأتِ الشباب الفلسطينيون، وبعد بضع خطابات قصيرة تفرقت المظاهرة. حسب القصص المؤثرة والمليئة بروح الشعب للمستوطنين الذين قاموا بزيارة بيت فجار فان الذروة كانت قبل ذلك بكثير. فقد وصفوا شوارع فارغة من الناس، وكيف ارتجفت اجسادهم من التأثر والخوف امام آلاف الفلسطينيين الذين احاطوا بهم. وقد تحدثوا عن مشاعر القرف والاشمئزاز والحزن عند رؤية المسجد المقدس الذي تم تخريبه من اليهود. بعضهم تحدثوا عن الزيارة وكأنهم مروا بتجربة تجلٍّ ديني. عند سماع قصصهم، الرومانسية بدرجة ما، ندمت لأنني لم أنجح في الانضمام اليهم. عدت الى شقتي الصغيرة في الون شفوت وخلعت القبعة وأكلت ودخنت، وفي نهاية المطاف جمعت ما بقي لي من القوة كي أكتب بشكل منظم عن احداث اليوم.
المظاهرتان ظهرتا غير مهمتين مقارنة بالمظاهرات الضخمة التي جرت قبل خمس سنوات في 2005 عندما حارب المستوطنون من اجل مصير تجمعاتهم في قطاع غزة. لقد خسروا. قامت الدولة بتدمير المستوطنات هناك. سرّع هذا الحدث العنيف اجراءات تغيير، وأدى الى تنوع اجتماعي اكبر في السكان المستوطنين. هكذا، في مظاهرتين فحصتهما، شارك مستوطنون يتشابهون بايمانهم بقداسة البلاد ويرون في عهدنا كتبشير بالخلاص، لكنهم ايضا يختلفون جوهريا في مقاربتهم بخصوص النشاطات التي يجب اتباعها من اجل تبكير الخلاص.
المظاهرتان الصغيرتان تريدان تحقيق المستحيل، كما يبدو، وتعكسان رغبة عميقة لتغيير كبير في النظام الاجتماعي، خاصة بالنسبة للفلسطينيين. ولكن هذه المظاهرات لم تمثل انقطاعا عن الواقع، بل دليل على أمل كبير يوفر للمستوطنين الدافعية والشجاعة من اجل مواجهة ما يرونه كعيوب في هذا العالم. والاستعداد للوقوف امام الذي يبدو غير معقول للعين ينبع من مسيحانيتهم، من ايمان يهودي مليء بالامل بمستقبل محتوم، وبالكمال الروحي بين جميع بني البشر، ومن الايمان بالخلاص.
"البلاد بركان"، كتب غرشوم شالوم قبل مئة سنة تقريبا. حررت الصهيونية من قلب اليهودية تيارا ملتهبا من النشاطات والمعاني المسيحانية التي يتم الشعور بها ايضا بعيدا من وراء البحر والنهر. لا يمكن وقفها بالقوة، بل بكارثة فظيعة وخراب. ولكن لأننا جزء من هذا التيار، يمكن التأثير على توجهاته المختلفة وتقليص الفروق ايضا بين اليهود انفسهم وبين اليهود وغير اليهود. لذلك، مطلوب، قبل أي شيء آخر، الاعتراف بالواقع، بالخير والشر. المسيحانية مغروسة فينا وفي المكان. وقد حان الوقت لإدراك ذلك.

 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق