ميخائيل ميلشتاين: هل السُلطة الفلسطينية فعلاً على وشك الانهيار؟

24 يونيو 2021 - 13:13
صوت فتح الإخباري:

الدكتور ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان في جامعة تل أبيب وباحث أول في معهد السياسة والاستراتيجية في IDC Herzliya.

يمكن أن يتغير الاستقرار الاستراتيجي في الضفة الغربية بسرعة في مواجهة ثلاثة تغييرات رئيسية: أزمة اقتصادية حادة بشكل خاص ، ويرجع ذلك أساسًا إلى التغيرات السلبية في الاقتصاد “الإسرائيلي” ؛ تغيير جوهري في الوضع الراهن في المسجد الأقصى ؛ واشتباكات عنيفة بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

خلال الاسبوع الماضي برزت عدة تقارير حول القلق الذي يساور الادارة الامريكية في ضوء ما يقال عن تردي اوضاع السلطة الفلسطينية وما تلاه من توجه الادارة الامريكية ل”إسرائيل” للعمل على استقرار الحكم الفلسطيني خاصة من خلال المساعدات الاقتصادية .


 

يضاف هذا التحذير الامريكي لعشرات الانذارات الاستراتيجية التي طرحت في العقد الاخير وكانت تحذر من انهيار حالة الاستقرار القائم في الضفة الغربية الذي قد يعني تحقق عدد من السيناريوهات الخطيرة المختلفة بالنسبة ل”إسرائيل” ومن بينها انتفاضة ثالثة ، موجة عنف على غرار تلك التي رافقت الانتفاضة الثانية ، انهيار الحكم الفلسطيني وقرار على مستوى القيادة باعادة المفاتيح ل”إسرائيل” في ما يتعلق بالسيطرة على الضفة الغربية .


اضيف لمجموعة التحذيرات تحذير اخر في الاونة الاخيرة وهو احتمال اندلاع ” ربيع فلسطيني ” بعد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عقب مقتل ناشط حقوق الانسان نزار بنات على يد اجهزة الامن الفلسطينية . غير ان كل تلك الانذارات الاستراتيجية تبين خطأها واستمرت حالة الاستقرار النسبي على الرغم من سلسلة الاحداث التي كان من المفترض ان تؤدي الى تصعيد واسع النطاق . المعارك العسكرية الاربعة التي دارت في غزة ، نقل السفارة الامريكية الى القدس في ايار 2018 ، ازمة البوابات الالكترونية على ابواب الحرم الشريف عام 2017 ، احتكاكات عنيفة بين الفلسطينيين واليهود في الضفة الغربية ، تداعيات ازمة الكورونا ، والجمود المستمر في العملية السياسية الذي صاحبه عدد كبير من الازمات بين الطرفين وتعطل اثناءها التنسيق المدني والامني بين الطرفين . واخر مثال على ذلك كانت حملة “حارس الاسوار” التي تم فيها الحفاظ على الاستقرار في الضفة الامر الذي تسبب بخيبة امل مريرة عند حماس التي كانت تتطلع لفتح جبهة اخرى امام “إسرائيل”.


 

يعتبر الهدوء النسبي في الضفة ذخرا استراتيجيا بالنسبة لإسرائيل .وهذا ليس بالصدفة ، فهو يستند على صيغة تجمع بين مصالح مشتركة على جانبي الخط الأخضر وبذلك تم تجنب مواجهة عنيفة بين “إسرائيل” والفلسطينيين وكذلك أيضا احتجاجات شعبية فلسطينية واسعة ضد الحكم في رام الله . لهذه الصيغة يوجد عدد من الدعائم :

1- ذاكرة جماعية فلسطينية مصابة بحالة من الصدمة نتيجة المواجهات المريرة في العشرين عاما الماضية التي لا تزال تردع اكثرية سكان الضفة من الدخول في مواجهة مع “إسرائيل” او المضي قدما باحتجاجات داخلية واسعة النطاق .
2- يدرك العقل الجمعي عند الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية انه وعلى الرغم من القيود التي تفرضها “اسرائيل ” والسلطة الفلسطينية فان نسيج الحياة الاساسي لا زال افضل مقارنة بكثير من الدول العربية وقطاع غزة الامر الذي يضع امامهم ثمنا للخسارة في حال توجههم لاستئناف المواجهة .

3- تمسك السلطة الفلسطينية الاستراتيجي بالتنسيق الامني والمدني مع “إسرائيل” – الذي يعتبر عامل اساسي للبقاء بالنسبة للحكم في رام الله -وتجنب المواجهة العنيفة .
4- غياب – حتى الان -“الكتلة الحرجة” الضرورية لتطوير الطاقة التي تسعى للتغيير، ومن بين الاسباب لذلك عدم وجود حركات احتجاجية لها قيادة محددة ، اطار تنظيمي او رؤيا محددة .
5- يسود اليأس والتعب الجماعي بين اكثرية الجمهور الفلسطيني من الايديولوجيات الكبيرة التي كانت في الماضي تقود المنظومة الفلسطينية ( تحديدا المفاوضات السياسية والمقاومة المسلحة ) التي لم تحقق انجازات ملموسة على المستوى الوطني ، وفضلوا بدلاً من ذلك التركيز على تحقيق الذات وتحسين نسيج حياتهم (وهو مفهوم معروف في الخطاب الفلسطيني في صيغة -بدنا نعيش ).
6- جهود متضافرة من السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” للحد من نفوذ حماس على كل المستويات في الضفة وكبح جهودها لاشعال المنطقة .
7- “تصرفات إسرائيل الحكيمة” في العقد الاخير والتي كانت تعكس ادراكا لاهمية الاستقرار وتحسين نسيج الحياة المدنية في الضفة بهدف الحفاظ على الاستقرار الامني في المنطقة .
بالتالي يعتبر وضع السلطة الفلسطينية معقدا : فهي من ناحية تعاني من تردي صورتها امام الراي العام ، بالاضافة الى تدني شرعيتها الداخلية ، تواجه ازمة اقتصادية مستمرة وتعتمد على “إسرائيل” في كل شئ تقريبا ، لكنها من الجانب الاخر بعد ربع قرن على تاسيسها اصبحت حقيقة قائمة وهي الحقيقة الوحيدة التي يعرفها اكثر من نصف الفلسطينيين الذين ولدوا بعد العام 1994 .


 

على الرغم من ان السلطة الفلسطينية تواجه خطرا دائما على مكانتها من الداخل لكنها مستقرة نسبيا وطورت قوة بيروقراطية – وظيفية :
فهي العنوان المركزي للجمهور الفلسطيني ، كما ان صناع القرار فيها لديهم مصلحة عميقة في بقائها باعتبارها مصدر للبقاء الشخصي والسياسي .
لا يوجد بهذا التحليل ما ينبغي ان يجعل “إسرائيل” تشعر بالهدوء . من الممكن ان يتغير الاستقرار الاستراتيجي في الضفة بسرعة في ضوء ثلاث متغيرات مركزية : ازمة اقتصادية حادة جدا ، تحديدا بسبب المتغيرات السلبية في الاقتصاد الاسرائيلي ، تغيير جوهري في الوضع القائم في الحرم الشريف ، وصدامات عنيفة بين السكان اليهود والفلسطينيين في الضفة .


يتطلب هذا الامر من “اسرائيل” الابقاء على حالة من اليقظة وتطوير نظام استدلالي معقد يشير الى التغيرات المحتملة في الضفة ، ولكن الامر ايضا يحتاج الاستمرار ايضا بصيانة الوضع القائم عبر تقديم المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين ، تحسين نسيج الحياة للجمهور الفلسطيني ( تحديدا للجيل الشاب ) وتقوية السلطة في رام الله خاصة أجهزة الأمن الفلسطينية .


لن تستطيع خطوات كهذه تقديم حل طويل المدى للنزاع “الاسرائيلي” الفلسطيني لكنها تستطيع توفير ه.

ملاحظة: كلما ورد في هذا المقال يعبر فقط عن موقف ورؤية كاتبه فقط

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق