في إسرائيل المعارضة لن تبقى سلمية !

07 يوليو 2021 - 08:34
عبد المجيد سويلم
صوت فتح الإخباري:

إذا قُدِّرَ أن تتشكل حكومة جديدة في إسرائيل، وأن تحظى بثقة ومصادقة «الكنيست»، وبدأت فعلاً بممارسة مهامها، فإن سؤال بقائها واستمرارها أمرٌ مشكوك فيه إلى درجة كبيرة.
عوامل وأسباب تفجيرها وانفجارها كبيرة وكثيرة ـ كما أوضحنا في مقال سابق ـ وكما أجمع على هذا الأمر معظم المراقبين والمتابعين للشأن الإسرائيلي من جانبنا، ومن جانب إسرائيل، وحتى من هؤلاء المراقبين والمتابعين في العالم ومن الإقليم.
الخليط المكوّن لهذه الحكومة لا يتفق، ولا يتوافق على شيء سياسي جوهري واحد، وكل قضية في الشأن السياسي الخاص بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني كفيلة بتفجير هذه الحكومة، ونسفها بالكامل، إذا ما وُضعت هذه القضية موضع الممارسة والتطبيق، مع أن هناك درجة معينة من الاتفاق والتوافق على بعض القضايا، أو بعض الأجزاء منها ضمنياً وليس تطبيقاً على الإطلاق.
ولنأخذ على سبيل المثال قضية «الضمّ»، لتوضيح معنى الاتفاق والتوافق الضمني، وكيف أن هذا التوافق إن كان له من قيمة فهو في بقاء هذا التوافق مضموراً، وخارج نطاق الممارسة الفعلية، وخارج نطاق التطبيق!
بينيت مع «الضمّ»، وكذلك ساعر، وإلى حد معين ليبرمان، ومع «الضمّ» الفوري، ولكل الضفة إذا لزم الأمر، ولكامل منطقة «ج» والأغوار على أقل تقدير!، باعتبار القدس منتهية بالنسبة لهم. بالمقابل فإن لابيد وغانتس مع «الضمّ» ولكن للكتل الاستيطانية تحديداً بالنسبة للابيد، ولجزء فقط من المنطقة «ج»، وليس كل المنطقة بالنسبة لغانتس!
وفي حين يميل حزب «العمل» إلى «ضمّ» متوافق عليه، وفي إطار مشروع سياسي للحل، وبالتوافق مع القيادة السياسية الفلسطينية وليس عنوة أو خارج نطاق الحل السياسي.
حزب العمل هنا هو أقرب إلى «الضمّ» في اطار ما يسمى تبادل الأراضي منه إلى «الضمّ» القسري من جانب واحد.
أما بالنسبة لحزب «ميرتس»، فإنهم ضد «الضمّ»، ولا يرونه «مشروعاً»، ويجب وبالضرورة أن يكون جزءاً من الترتيبات والحلول، وبما لا يؤثر على قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعلى أن تكون القدس الشرقية عاصمتها.
فما دامت قضية «الضمّ» قائمة كأحد متطلبات التسوية مستقبلاً، ولم تدخل إلى حيّز التطبيق المباشر، وليست جزءاً من سياسة الحكومة المنتظرة، فهي مسألة مسكوت عنها، ومؤجلة إلى حين، وليست قضية ملحة أو عاجلة وليست على جدول الأعمال فإنها ستبقى كذلك إلى أن تأتي ساعة الانفجار المؤكدة عند انتقالها إلى السياسة المباشرة.
هذا بالنسبة لهذه الحكومة، وهناك عشرات القضايا الأخرى التي سيتم تجنب الخوض فيها بهدف المحافظة ما أمكن على بقاء هذه الحكومة، والتعامل بحذر شديد، وبعموميات غامضة، ودون الاضطرار إلى الدخول في أي بعد تطبيقي لها.
ومع أن ساعر وبينيت وليبرمان سيجدون صعوبة كبيرة في تجنب الخوض فيها، إلا أن «المعارضة» الإسرائيلية لهذه الحكومة هي التي ستحاول فرضها عليهم، وهي التي «ستجبرهم» عند درجة معينة على تحديد سياسات فعلية وتطبيقية لها.
كل هذا وارد ومتوقع وممكن بل ومنتظر أيضاً.
إلى هنا ليس في ذلك أي جديد نوعي أو خاص، وليس هناك ما هو خارج المألوف.
الجديد النوعي هنا هو سياسات المعارضة الإسرائيلية لهذه الحكومة بالذات، وفيما إذا كانت سياسات هذه المعارضة ستبقى في دائرة «المعارضة الديمقراطية»، وفيما إذا قبلت هذه المعارضة بالإبقاء على معارضتها داخل ومن خلال اللعبة الديمقراطية؟
أزعم هنا أن اللعبة الديمقراطية ستتنحّى جانباً، وأن معارضة هذه الحكومة «ستتطور» شيئاً فشيئاً وبالتدريج إلى أشكال «غير مشروعة»، ومن خارج ما هو متعارف عليه كجزء من اللعبة الديمقراطية، وصولاً إلى أشكال معينة من العنف والتهديد المباشر به، وربما وبما يصل إلى درجة الترجيح لما هو أقرب لبدايات حرب أهلية، تبدأ مصغرة، ولكنها لن تلبث أن تتحول سريعا إلى حرب أهلية بكامل المواصفات والمقاييس!
هنا دعوني أوضح!
المشهد السياسي الإسرائيلي الذي يضع نتنياهو في مقاعد المعارضة ـ إذا حظيت هذه الحكومة بالمصادقة عليها، هو مشهد خارج المألوف السياسي الاسرائيلي على مدى أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، وهو مشهد صال فيه نتنياهو وجال، وغيّر في الواقع الحزبي، وفي الخارطة السياسية الى درجة أنه وصل إلى قناعة بأنه الملك المتوّج فيها وعليها.
عبث وتجبّر وتكبّر، ولعب وتلاعب بما وصل فعلاً إلى حدود تجاوز معها الكثير من ممارسات الحكام الدكتاتوريين في العالم كله.
تخطى كل الصعاب والعراقيل، واستطاع في ظروف مستحيلة أحياناً أن يجد الحلول، وتقمص عن جدارة غالباً دور الساحر ولاعب الأوراق الثلاث.
نتنياهو ذئب، ولكنه جريح، ولعبة الجلوس «الهادئ» في مقاعد المعارضة العادية والمألوفة لم تعد تناسبه، هذا إذا لم نقل إنها تلحق به الضرر المباشر [هنا علينا أن نتذكر جيداً المحاكمات المكثفة القادمة]، ولعبة الجلوس «الهادئ» قد تودي بحزب الليكود وتحوله إلى حزب متوسط القوة أو ربما أقل قليلاً من المتوسط.
المستوطنون والفاشيون الجدد لا يمكنهم هم أيضاً، الجلوس الهادئ في المعارضة المألوفة، لأن إسرائيل في ظل حكومة كالتي تحاول الحصول على مصادقة الكنيست في غضون أسبوع واحد فقط لن تتمكن من السير قدماً وبالوتيرة «المطلوبة» نحو «الضمّ» والاستيطان ومخططات الاقتلاع والهدم والممارسات العنصرية السافرة والمفضوحة، وهو ما سيشجعهم على «التمرد» الكامل على «رتابة» الجلوس الهادئ في مقاعد المعارضة.
أما الأحزاب الدينية، فحدّث ولا حرج.
هؤلاء اسودت الدنيا كلها في عيونهم، وقد يفقدون صوابهم بالكامل، ويذهبون إلى مناطق جديدة، ومساحات جديدة من التهور والانفلات، وهم يرون بأم أعينهم خسارات الميزانيات، أو بعضها، والتي تشكل لهم في الواقع الرأسمال الوحيد، والاستثمار الأوحد.
مقابل الذئب الجريح، وأحزاب فاشية، وعتاة مستوطنين، وأحزاب دينية توشك على انهيارات كاملة، وليكود مهدد بالتقلص وربما الضمور، يوجد في إسرائيل ثعلب ماكر هو لابيد.
لقد أعدّ طبخته على نارٍ هادئة، وأتى على نفسه قبل أن يأتي على الآخرين، وآثر وضحّى فعلاً من أجل نجاح خطته المحكمة، وهو يخطط إلى ما بعد هذه الحكومة، وأغلب الظن فإنه يفكر مليّاً وبكل هدوء بوراثة الليكود، وربما بوراثة حطام اليمين كله، والتحول إلى الحزب الأول في أول انتخابات قادمة.
فكيف سيسمح نتنياهو للثعلب الماكر الجديد بالتربع على عرش إسرائيل؟ لكل هذه الأسباب المعارضة لن تبقى سلمية غالباً.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق