عن الصراع على القدس

10 مايو 2021 - 12:36
عاطف أبو سيف
صوت فتح الإخباري:

ليس شيئاً جديداً، أن تظل القدس مركز الصراع وأساس القضية. ما يجري في الشيخ جراح جزء من استمرارية هذه المحورية. وإن كانت ثمة دلالة لذلك فهو حقيقة أن الصراع ليس شيئاً شكلياً، بل هو في جوهر الأشياء. وعليه بالعودة للنقاش حول تأجيل الانتخابات، فإن موضوع القدس ليس مجرد صندوق انتخاب يمكن حمله والركض به في الشوارع. إنه إقرار «بالذوق والعافية» بأن هذه المدينة للفلسطينيين. إنها النتيجة التي يسعى إليها الصامدون في بيوتهم في الشيخ جراح حين يرفضون كل محاولات إزاحتهم وإخراجهم من بيوتهم. وربما لم يكن صدفة توافق وترافق كل هذه الأحداث سوية.
تخيلوا لو أننا مضينا في الانتخابات دون القدس لأن الاحتلال طلب ذلك، واقتلع المستوطنون أهلنا في الشيخ جراح عنوة من بيوتهم، كيف سيكون الحال. يمكن أن يعيد أحدهم العبارات الكبيرة حول أشياء كثيرة، ولكن في المحصلة لم نر في الميدان إلا قادة التنظيمات التي وافقت على التأجيل. ولم يعتقل غيرهم. أليست هذه حقيقة. أما من تنغم وأنشد عبارات مجازية فلم «يشتبك». أيضاً لا شيء يحدث صدفة. لأن الصدفة هي خيانة لقانون الاحتمال وهي تفسير لامنطقي لشيء منطقي. ما يحدث في الشيخ جراح هو جزء من المعركة الكبرى التي تريد أن تنفي الفلسطيني خارج سرديات المكان وتجعل منه مجرد وهم لم يكن موجوداً. المستوطن الذي يقول للفتاة الفلسطينية: إنه إن لم يأخذ أو يسرق البيت سيسرقه غيره.. لا يعبر فقط عن رغبته الجامحة في السرقة أو  إيمانه بنبل ما يفعل. هذا شيء مختلف وهو موجود. لكنه في الحقيقة يقول عبارة يريد أن ينساها من عارضوا تأجيل الانتخابات دون القدس، وهي أنه «يجب سرقة البيت». بمعنى يجب سرقة القدس. إنه يؤكد على أنه سيواصل كل ما يستطيع من أجل أن يسرق البلاد. فهو إن لم يسرق البيت سيأتي غيره ويسرقه. إذاً عملية السرقة ستتم ستتم. أليس هذا ما عناه تحديداً وهو يصر على أخذ البيت. وهذا مشهد مصغر لحالة السرقة الكبرى التي تمت وتتواصل في البلاد. فالمشروع الصهيوني لن يتوقف وكلما رأى أي تخاذل أو تراجع سيتقدم. وعليه فالقصة ليست قصة صندوق انتخابات. هذا ما عنيناه على هذه الصفحة الأسبوع الماضي حين قلنا: من يقبل انتخابات دون القدس، عليه أن يكون مستعداً لقبولها دون الأغوار المرة القادمة، ودون المناطق «ج» في المرة الثالثة. هكذا يمكن فهم حقيقة ما يجري، أما تقزيم الأمر وكأنه مجرد بضع آلاف ستصوت وينتهي الأمر، فهو تسطيح لا يقبله المنطق ولا العقل الوطني.
الأمر الآخر المرتبط بالسابق، يتعلق بكون ما يجري جزء من مشروع أوسع بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر، وهدف إلى محو الوجود الفلسطيني عن هذه الأرض. فمن جهة فإن التاريخ لا يعيد نفسه لأنه لم يتوقف يوماً عن استنساخ الماضي، ومن جهة أخرى فإن ذات المشاهد تتكرر كل يوم في استعادة بشعة لأحداث أكثر فظاعة تمت عام 1948 التي تمر ذكراها الأليمة هذه الأيام. تذكروا أن ما حدث خلال جرائم النكبة للأسف لم يحاكم أحد عليها حتى اللحظة، وظل العالم صامتاً لا يقوى على أي ردة فعل، وكأن ما جرى كان طبيعياً، وهذا بحد ذاته بحاجة لنقاش من أجل الوقوف على ما يمكن فعله من أجل تجريم القتلة حتى لو ماتوا. يبدو هذا مهماً ونحن نشحذ الهمم من أجل تثوير الرأي العام الدولي لمناصرة قضية أهلنا في الشيخ جراح.
السوشيال ميديا والتغطيات الصحافية ساعدت وتساعد، وثمة رأي عام دولي يتكون وسيكون له أثر كبير في تثبيت أصحاب الحق. هذا لم يكن موجوداً خلال جرائم النكبة. لكن يمكن العمل عليه. هناك جرائم لا بد للمحاكم الدولية أن تنظر فيها حتى نتمكن من الوقوف على قبور شهدائنا الذين قتلهم رجال العصابات ونذرف الدموع بحزن وغصة. لا يمكن معالجة الحاضر دون تطبيب الماضي. ولا يمكن أن يسقط الألم بالتقادم ناهيك عن الحق. وعليه فثمة حاجة للعمل بشكل أكبر من أجل التأكيد على أصل الحكاية وتوضيح المشكلة الحقيقة.
مرة أخرى، إن حقيقة ما يجري ليس مجرد اقتلاع بضع عائلات من بيوتها في الشيخ جراح، ولا هي أن ثمة عصابة أو مرتزقة أو مجموعة طامعة تريد أن تأخذ بيوت غيرها. أصل الحكاية هو سرقة البلاد بشكل عام. هناك مشروع استعماري إحلالي كولونيالي يريد أن يمحونا من هذه البلاد. لسوء حظه لم ينجح بشكل كامل عام 1948 وبقي جزء منا هنا، أما من ذهب هناك فظل ينظر بإصرار إلى «هنا». هكذا لم تغب الحكاية. وعليه، فإن ما يجري في الشيخ جراح هو استكمال لما حدث في حي المنشية في يافا قبل ثلاث وسبعين سنة بالتمام والكمال. هذه هي القصة التي يجب أن نستعيدها ونحن نصوغ خطابنا حول ما يجري. وكما أن القصة ليست قصة صندوق انتخابات، فإنها أيضاً ليست مجرد عملية تهجير واستبدال لسكان البيوت بسكان جدد. إنه «ماكرو» لعالم أوسع من الجرائم التي تم ارتكابها خلال قرن من الزمن ولم تتوقف.
ختاماً، هذا صراع لم يتوقف ولا يبدو أنه سيتوقف، وعليه فإن وضع إستراتيجيات وطنية كفاحية؛ من أجل ضمان استمرار صمود أهلنا واستمرار قتالهم من أجل البقاء، يجب أن يتصدر سلم أولوياتنا ضمن النسق العام لصوغ إستراتيجيات وطنية كفاحية شاملة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق