إسرائيل على كف عفريت التشكيل الحكومي

04 مايو 2021 - 10:35
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

رغم ما تتمتع به من قوة عسكرية، وحتى من قوة اقتصادية، ورغم ما تتلقاه من دعم سياسي غير محدود من قبل الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، منذ تأسيسها، إلا أن  دولة إسرائيل، تبدو في كثير من الأحيان كما لو كانت «دولة» هشة، وذلك بسبب ما تظهر عليه من تناقضات في كثير من المجالات، فهي وإن كانت «دولة ديمقراطية» من حيث نظامها السياسي، إلا أنها في نفس الوقت دولة احتلال لأرض الغير، تحتل شعباً آخر وأرضه، كذلك هي دولة تمييز عنصري داخلي، حيث لا تمنح المساواة بين مواطني الدولة، لدرجة تجاوز العرف والتقليد، في عدم السماح للعرب من مواطنيها بالعمل في مؤسسات الأمن والجيش، كذلك في منع ممثليهم المنتخبين من تولي أي مناصب وزارية، إلى حد تقنين هذا التمييز بما سمي بقانون القومية.
وإسرائيل التي تشكلت على شاكلة الغرب الرأسمالي في ظل الحرب الباردة، تقع جغرافيا في الشرق الأوسط، الذي تتبع معظم دوله أنظمة حكم استبدادي، وهي إضافة إلى «التجميع السكاني» القسري، الذي سارت عليه، فإنها ما زالت تفتقد الهوية الخاصة، فلا هي دولة غربية ديمقراطية مدنية، كما هو حال دول الغرب الأوروبي، ولا هي دولة شرق أوسطية تماما، نظرا إلى أنها مغلقة أبوابها أمام الجيران، الذين ما زالت تضع الحواجز بينها وبينهم، رغم سعيها السياسي لعقد اتفاقيات التطبيع الرسمي، إلا أن اندماج إسرائيل، خاصة على الصعيد الشعبي في المنطقة، يبدو أمرا بعيد المنال.
المهم أن أحد المظاهر الجديدة، التي تجعل من دولة إسرائيل أشبه ببيت العنكبوت السياسي، هو صعود نجم الحاكم المستبد، على أكتاف اليمين، والذي تحول مع مرور الوقت إلى نقطة ضعف في النظام السياسي الحاكم منذ إقامة الدولة وحتى اليوم، وها هي إسرائيل وطوال عامين، تعجز عن تشكيل حكومة مستقرة، رغم ذهابها إلى أربع جولات انتخابية متتالية، أفرزت تفوقا كل مرة لليمين بشكل عام، لكن الانقسام ما زال يتمحور حول شخص بنيامين نتنياهو، الذي ينقسم حوله الفرقاء، خاصة وأنه يواجه القضاء في تهم فساد، من الطبيعي أن يلفظه معها نظام حكم ديمقراطي شفاف، لكن من الواضح أن النظام السياسي الإسرائيلي ليس كذلك، لذا فإن تجليات الأزمة ما زالت قائمة، تراوح مكانها.
ساعات قليلة وتنتهي مهلة التكليف التي منحها رئيس الدولة لنتنياهو، دون أن ينجح في التوصل إلى تشكيل حكومي، بما يضع إسرائيل أمام احتمالات منها الاحتمال الأصعب وهو الذهاب مجددا إلى انتخابات أخرى، حتى لو كانت انتخابات تقتصر على انتخاب رئيس الحكومة فقط، بشكل مباشر، وحتى هذا الاحتمال الذي يعتبر آخر ورقة في جعبة الليكود، رغم أنه على الأغلب لن يمر، فإنه خيار جربته إسرائيل من قبل، وتخلت عنه، نظرا لأنه ينتقل بها من خانة الدولة المحكومة بنظام الحكم البرلماني، لنظام الحكم الرئاسي، الذي هو أقل ديمقراطية، ويلائم الدول العريقة في ديمقراطيتها، والقديمة في تشكيلها، أكثر مما يلائم الدول حديثة العهد، أو التي تنتمي للعالم الثالث، حيث تقاليد الاستبداد المجتمعي راسخة أكثر.
المهم أن الفرقاء يلغون في إسرائيل بعضهم على بعض، فجل ما يسعى إليه قادة الليكود، هو منع تحويل وجهة التكليف للمعسكر المناوئ لنتنياهو، لذا فقد فكروا أيضا بطلب مهملة الأسبوعين الإضافية من رئيس الدولة، لكن مثل هذا الطلب يحتاج إلى أن يرفق بمستجد يقنع رئيس الدولة بوجود فرصة أمام الرجل المكلف للنجاح في المهمة، وقد فكر للحظة نتنياهو في استغلال حادثة التدافع في جبل الجرمق، لتبرير مثل ذلك الطلب.
يتداعى الوقت، وتبدو إسرائيل بهذا الوضع دولة أكثر خطورة، دولة غير مسؤولة تماماً، ولعل ردها على الطلب الفلسطيني الخاص بإجراء الانتخابات خاصة في القدس، خير دليل على ما نذهب إليه، كذلك إطلاق حرية ممارسة البلطجة والإرهاب الميداني لقطعان المستوطنين، ليمارسوا الاعتداءات على المواطنين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية، كل هذا يدل على فوضى الدولة الإسرائيلية، العاجزة عن تشكيل حكومة مسؤولة.
لابد من التذكر هنا، بأن اليمين الإسرائيلي بكل تلاوينه، ما هو إلا عدو للحقوق الفلسطينية، وللمصلحة الوطنية الفلسطينية، وحيث إنه رافض لوجود اتفاقيات أصلاً بين إسرائيل و (م ت ف)، فإنه دون ضغط من الخارج لا يمكن له أن يوافق على إجراء انتخابات فلسطينية من شأنها أن تنهي الانقسام الداخلي، وأن تزيد من قوة الجانب الفلسطيني، خاصة في هذا الوقت، الذي تكافح فيه إسرائيل ضد السعي الدولي العودة للعمل بالاتفاق النووي مع إيران.
أي أن طلب أوروبا وأميركا من إسرائيل الموافقة على إجراء الانتخابات الفلسطينية، يدفعها إلى قبول المطلب الإسرائيلي، بالتراجع عن مباحثات فييّنا، وهذا أمر مستحيل، لذا ما كان ممكنا توقع أن تنجح أوروبا في دفع إسرائيل للموافقة على الانتخابات الفلسطينية خاصة في القدس.
المهم اليوم، ومع تواصل العجز الداخلي الإسرائيلي عن تشكيل الحكومة، فإن إسرائيل تصبح أكثر خطورة، وربما هي أجبن من شن حرب منفردة على إيران، لكن الخاصرة الضعيفة هي فلسطين، غزة والضفة، وحيث أن المغامرة العسكرية في غزة ما زالت خاضعة لحسابات الأمن، فإن الضفة خاضعة لحسابات التطرف السياسي، لذا فهي على كف عفريت التطرف والإرهاب الاستيطاني/اليهودي، وإذا كانت القدس خاصة في ليالي رمضان، مثل برميل بارود، فإن الضفة كلها تمور بنار متأججة، ما أن تشتعل حتى تنطلق جولة غير مسبوقة من المواجهة، لن تقتصر على مواجهة الفلسطينيين لجنود الاحتلال وحسب، بل إن جماعات المستوطنين المسلحين والعدائيين، ستنخرط في حرب مفتوحة، بهدف التقاسم الميداني رسمياً لأرض الضفة ومنع حل الدولتين، وتحقيق المطلب اليميني الإسرائيلي بضم المستوطنات أو ما يعادل 60% من الضفة الغربية.
مختصر القول، هو أن تضييق إسرائيل المتواصل على الفلسطينيين، يدفع إلى مواجهة حادة لا مفر منها، ولا أحد يعلم مداها، وما ستحدثه من فوضى في عموم المنطقة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق