«تحت نفس الشمس»

01 مايو 2021 - 10:06
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

فوق نفس التراب
كلنا بنجري ورا نفس السراب
إلا الوطن والإنسانية، فهما المضمون الباقي والأبقى..
لا بد أن يتعافى الجسد يوماً والروح!
لنا ما نشعر به، ونفكر به، القضية ليست متعلقة بجزئية، بل بمضمون...
 نكبر، ونستعيد ما سمعنا وقرأنا وشاهدنا، نعيد التفكير والتأمل، نلتقط ما غاب من قبل، ونتعمق فيما رسخ في القلب والعقل، والحياة هي الحياة، هي نفسها في الجوهر، لكن تختلف أدوات العصر.
هل هو حنينٌ ما يتكرر مع تذكرنا لدلالات العمل الأدبي والدرامي!
ما زلت أتذكر مسلسل «الشهد والدموع»، خصوصاً في الجزء الأخير من الحلقة الأخيرة، الذي جمع ناهد وأحمد، حين رأت أن هناك صعوبة في التئام شمل الأسرة، في حين رد عليها بأنهم هم المستقبل.
أتذكر بشكل خاص مصير حافظ رضوان، أمام أبو العباس المرسي قرب القلعة (حينما زرت الاسكندرية عاد لي المشهد طازجاً)، بعد أن اعتزل المال والجاه، وراح يكنس النفايات برضى ضمير، مكررا عبارة عم جعفر الشهيرة في الدراما: منو له جاي رايح منو له.
رائعة «الشهد والدموع» الخالدة بجزئيه 1983 و1985، والتي ظلت تلهمنا، لأجيال متتابعة، من إخراج إسماعيل عبد الحافظ وقصة سيناريو أسامة أنور عكاشة، وقد دار حول الظلم وما يولده من كراهية وانتقام في نفس المظلوم.
نزاع في البيت، والعالم، بين الأخوة، وبين الجيران، بين الأحزاب في البلد الواحد، وبين الدول، ويدور من الأزل على ما دار عليه دوما.
وفي كل نزاع يظهر، في الأسر أو بين الدول، كنت أكرر:
 «كلنا من ام واحدو اب واحد دم واحد بس حاسين باغتراب»
ذلك هو بعض الشعور بعض الوعي والإنسانية؛ فثمة مجال دائم لاستلهام الأصل الإنساني الواحد، حيث يمكن دوما التصالح، والالتئام من جديد، على كل المستويات الممكنة.
أبدع الراحلان سيد حجاب وعمار الشريعي في أغنية المسلسل، التي عاشت معنا، وعشنا معها، بما مرّ من حياتنا من أحداث:
تحت نفس الشمس فوق نفس التراب  كلنا بنجري ورا نفس السراب
كلنا من ام واحدة اب واحد دم واحد بس حاسين باغتراب
من حنان الحب هل الغل جانا  من مرارة الغل جلجل صوت رجانا
نبكي من الغل اللي بيعكر حياتنا  ولا من الحب اللي هدهدنا وشجانا
يا زمان الغربة ليلك بيحاصرنا وفي ظلامه المر طوانا وعصرنا
بس طول ما الحب بيرفرف علينا الجدور هنمدها ونصنع مصيرنا
ليه بنتغرب في دنيتنا الغريبة؟ ليه نقابل كل شيء بشكوك وريبة؟
واحنا لو عشنا حياتنا بصفو نية...نجمة الحلم البعيد تبان قريبة!
في زمان الغربة دُرنا.. ياما دُرنا ريح بتبدرنا.. وريح تضرب صدورنا
بس طول ما قلوبنا مليانة محبة.. كل هبة ريح هنا تثبّت جدورنا
ليه تفرقنا الأماني والمطامع؟! إيه يفيدني المال إذا ما مال زماني
معان جميلة نحتاجها، حتى نغير مصيرنا القادم، فلن ينفع الغل ولا الحقد، ولا يكون الخلاص فرديا أبداً، وستظل المحبة بوصلة، ودلالات أغنية سيد حجاب الخالدة واضحة، لكن النفوس، هل ستصبح أكثر وضوحاً فعلاً باتجاه خلاص يجمعنا أسرة صغيرة، أو وطن جميل، أو العالم أسرة.
فعندما نتحدث عن المصير، يشكل الحب والحنان والاحترام أساس أي تجمع وتكتل، فكيف أصلا سنستعيد نظامنا الاجتماعي والسياسي في ظل تنازع؟ يمكن تأجيل الانتخابات مثلا، لكن لا يمكن تأجيل التصالح على جميع المستويات..
تقول زينب: كل اللي خرجوا من دار الحج رضوان وافترقوا.. كلنا حنتجمع..اللي داق المرّ واللي خدها من الشهد.
لا بد أن يتعافى الجسد يوما والروح! ولا بد من تصالحية وتسامح، لأن البديل هو استمرار جحيم النزاع المرّ.
كما كانت نهاية المسلسل تصالحية، يمكن أن نبدأ بها المستقبل، فلا أظن عاقلا فعلا يؤمن بلغة الانتقام؛ لأنها ببساطة طاقة سلبية.
أسير في وطني فلسطين، وفي الوطن العربي الكبير، بجملة آمال، منها التسامح، والتعاون، وهكذا، فقد مضت سنوات طويلة، منذ طفولتي، وأنا أرى العكس، فما حصلنا عربيا بعد ذلك الا طمع الآخرين بنا، هان أحدنا على الآخر، فهانت بلادنا.
مرت أخرى، سأجد نفسي مفكرا بخلود الروائع، لماذا فعلا تخلد الروائع!؟
هي الحياة كما هي، ونحن البشر كما نحن، وفي كل زمان ومكان، تنمو منظومات حياة وحكم، يتفاعل الناس فيها وبها ومعها، ولعل تأمل الأسر، وتأمل قيام الحضارات، وتأمل النزاعات أيضا، سنجد تشابها كثيرا في العمق، واختلافا في الأساليب والأدوات، لكن ما معنى الإنسانية؟ وما دور الأدب والفن؟
لا شك أن دور الأدب الفن ليس وعظياً، بل هو دور إنساني إن تمّ، سنضمن التربية على الإنسانية ولو في الحدود الدنيا المقبولة، وهنا يتجلى الوعي في قبول بعضنا بعضا.
تخلد الروائع لأنها تكشف لنا، بل تكشفنا نحن أنفسنا، حتى لا يهتف أحد بأنه المطلق والأكيد؛ إنما نحن بشر، بشريون نحن، تميزنا الإنسانية الواعية.
هو سهل إن أردنا فعلاً، صعب أن تتبعنا خطانا الأنانية، ووقتها لا نخلص أبداً.
هل ستتفق الإرادة هنا وهنا على هدف واحد؟ أم سيظل الانفعال والتحسس من بعضنا هو المسيطر والمستبد بسلوكنا الدري والاجتماعي والسياسي!
«كل اللي خرجوا من دار الحج رضوان وافترقوا..كلنا حنتجمع..اللي داق المرّ واللي خدها من الشهد».
ترى هل قصد المسلسل أسرة الحاج رضوان الممتدة فقط، أم الأسرة العربية من المحيط الى الخليج، بل والعالم أيضا من السماء الى الأرض؟
وهنا مرة أخرى، فإن المجال مفتوح فعلاً على أن يلعب الأدب والفن دوراً إنسانياً وقومياً واستراتيجياً في تكوين الشخصية العربية، لمنحنا الأمل، في التضامن الإنساني، والتسامح، والانتصار لقضايا الإنسان، بحيث تكون الرسالة إنسانية من خلال جماليات درامية وأدبية، لا تعكس حياتنا فقط، بل ترتقي بنا، في ظل ديمومة رائعة، وضرورية.
من البيت، بل من الذات، من ناهد وأحمد، في «الشهد والدموع»، تلك الرائعة من 38 حلقة التي ما زالت خالدة، وحسناً فعل التلفزيون الفلسطيني، في إعادة بث الجزء الخامس من «ليالي الحلمية»، التي كتبها خالد الذكر السيناريست اسامة انور عكاشة، الذي كتب من قبل «الشهد والدموع».
إن إعادة الاعتبار للدراما العربية الجادة، يعني الأمل بإعادة الاعتبار للفن، ليظل الفن جميلا، ونشهد الجديد، ولا نظل في حالة رثاء.
تحت نفس الشمس، وعلى الأرض العربية الواسعة، في هذا الزمان المتصل بماض فيه ما فيه، له ما له، وعليه ما عليه، لعلنا نركض..ونجري خلف الحقائق والفعل والمحبة..يكفي ما سرنا خلف السراب والوهم..يكفي!

[email protected]

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق