لأجلك يا قدس: محمود شقير و"حليب الضحى"

18 إبريل 2021 - 10:35
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

آخر ما قرأته لمحمود شقير هو قصصه القصيرة جدا «حليب الضحى» (٢٠٢١)، وهو ليس أول إصدار له في هذا النوع الأدبي، ففي ١٩٨٥ أصدر «طقوس للمرأة الشقية»، وغدا اسمه مرتبطا به.
صارت القصة أشبه ببيت الشعر المنفرد أو بالبيتين القائمين بذاتهما أو بالمقطوعة الشعرية، واقتربت حجما من فن (الإبجرام) الذي جسده أحمد مطر في لافتاته، ما دفعني مرة إلى اقتفاء خطا طه حسين في كتابه «جنة الشوك» الذي قدم له بكتابة عن خصائص «الإبجرام» وكتب نماذج نثرية منه، ويبدو أن (الفيس بوك) و(تويتر) وما شابههما شجعوا على شيوع الكتابات القصيرة، فما عاد لدى كثيرين من القراء رغبة في قراءة النصوص الطويلة.
كيف نفسر إذن ميل شقير وكثيرين إلى كتابة الرواية؟
الأمر يستحق وقفة متأنية حقا. أهي الجوائز مثلا؟
عموما فإن ما يثيره المرء هو:
- ما مدى تلقي هذا الجنس الأدبي قراءة ونقدا وإعادة طباعة؟ وما مدى علوقه في الذاكرة؟ وما مدى الاستشهاد به في مناسبات اجتماعية أو سياسية أو دينية - إن ناسب مضمونه اللحظة أو الفكرة المخوض فيها أو الموضوع المتحدث عنه؟ هل يمكن إنجاز ذلك كما هو الأمر في الشعر، أم أنه - أي نوع القصة القصيرة جدا - لافتقاده الوزن والقافية يخفق فيما نجح الشعر فيه؟
كثيرون من كتاب المقالات أو من الخطباء أو حتى من المثقفين يستشهدون بأبيات من الشعر، فهل يمكن أن تكون «القصة القصيرة جدا» في قادم الأيام مثل الشعر، أم أنها تكتب، مثل قصيدة النثر، لتقرأ؟
أسئلة كثيرة تثار حول القصة القصيرة جدا وفاعليتها ويمكن أن تسعفنا دور النشر أو الكتاب أنفسهم بإحصائية عن رواجها، علما بأن قسما من المتابعين لها سيقول، إن مجالها هو وسائل التواصل الاجتماعي لا الكتاب الورقي.
هل دارت الأسئلة السابقة في أذهان كتاب القصة القصيرة جدا ومنهم شقير نفسه؟
وأنت تقرأ «حليب الضحى» سيخطر ببالك مقولات نطق بها بعض الشعراء والنقاد وبعض كتاب القصة القصيرة؛ مقولات مثل وحدة الديوان أو وحدة المجموعة القصصية.
منذ أواسط ٨٠ القرن ٢٠ صار محمود درويش يصدر الديوان المكتمل وتخلى، تقريبا، عما كان يقوم به سابقا من جمع قصائد متنوعة معا في كتاب. من «ورد أقل» إلى «لماذا تركت الحصان وحيدا؟» إلى «سرير الغريبة» إلى «حالة حصار» أنت تقرأ ديوانا يضم قصائد متجانسة تتمحور حول موضوع واحد وتتشابه في شكلها البنائي، فهل ينحو شقير المنحى نفسه في مجموعاته القصصية القصيرة جدا؟ وهل كان الأسبق في هذا الجانب عندما أصدر «طقوس للمرأة الشقية» التي تمحورت حول المرأة واقتربت كلها في بنائها؟
إنني عموما أثير أسئلة وأمعن النظر في الأمر أكثر مما أقدم إجابات.
هل اختلفت «حليب الضحى» عن «طقوس للمرأة الشقية» في وحدة موضوعها وترابطها؟
أحد تعريفات كلمة بنية هو «الصلة بين»، فهل ثمة صلة بين القصص القصيرة في المجموعة؟
تنقسم المجموعة إلى أربعة أقسام تتصدرها اقتباسات لسلفادور دالي وجلال الدين الرومي وإميل سيوران، وليس اقتباس تلك الأقوال غير مفكر فيه، ويفترض أن يتأمل المرء فيها ويقرأها في ضوء ما تلاها.
في القصص هنا، لا يوجد سارد واحد يسردها كما في «طقوس للمرأة الشقية»، وإنما هناك ساردون، ومع تعددهم فأظن أنهم في النهاية هم الكاتب نفسه، فلا مستويات لغوية إطلاقا تعكس اختلاف بيئاتهم مثلا، وإن تنوع المكان ما بين القدس ويافا وأريحا.
كما لو أن القصة مقطوعة شعرية غنائية. وما يعزز أن القصص صادرة عن شقير أنه غير قادر على نسيان موضوعه المحبب، وهو القدس، وأعماله السابقة التي تحضر إشاراته إليها وإلى شخوصها. يصدر «حليب الضحى» بسطر من «ظلال العائلة»: نظرت ليلى إلي بعينها الباقية، ابتسمت وقالت: نتبنى طفلة «وفكرة التبني تحضر في «حليب الضحى»، وهو يهدي مجموعته «إليها مرة أخرى ومرات.. إلى القدس وأخواتها الأخريات» و»إلى حفيدتي الخامسة عشرة: ريتا». والإهداء يذكر بإهداء درويش قصيدته «تحت الشبابيك العتيقة» (١٩٦٧)، وما يذكر بدرويش أيضا بعض قصص المجموعة في أسلوب كتابتها وفي بعض موضوعاتها. وأنت تقرأ بعض القصص تتذكر ديوان «حالة حصار» (٢٠٠٢) أو هذا ما تذكرته أنا.
الكتابة تطول والمساحة محدودة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق