أردوغان يستذكر جرائم الأرمن قبل ثلاثة عقود.. فماذا عن إبادتهم؟

27 فبراير 2021 - 08:52
صوت فتح الإخباري:

استنكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجمعة، المجزرة التي ارتكبتها القوات الأرمنية بحق الأذريين في إقليم ناغورني قرة باغ قبل 29 عاما، في تصعيد لفظي تزامن مع تصويت النواب الهولنديين على اقتراح للاعتراف بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرمن وهي قضية تثير غضب أنقرة على الدوام.

وقال أردوغان في تغريدة على تويتر “أستذكر بالرحمة أشقاءنا الأذريين الذين قتلوا بوحشية في خوجالي قبل 29 عاما”، مؤكدا أن بلاده “ستواصل دعم النضال المحق لأذربيجان”.

في 26 فبراير 1992، ارتكبت وحدات من الجيش الأرمني، مجزرة في منطقة خوجالي بإقليم ناغورني قرة باغ الأذري راح ضحيتها 613 شخص وأصيب 487 بجروح بالغة، وهو عدد لا يمكن مقارنته بضحايا المجزرة العثمانية في حق الأرمن والتي راح ضحيتها بين 15.000 وحوالي 30.000 شخص بحسب تقديرات المؤرخين لكن أردوغان مصّ على عدم توصيفها بإبادة جماعية.

ولا يزال ملف إبادة الأرمن ملفا مقلقا لتركيا التي تتهم عددا من الدول والحكومات باستخدام تلك القضية التاريخية لممارسة الضغوط عليها.

وتملك الجاليات الأرمنية في الخارج وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة نفوذا ولوبيات قادرة على ممارسة الضغط ما جعل القضية التاريخية للأرمن تطفو كل مرة لتثير تجاذبات وتوترا ليس في علاقة أنقرة ببعض العواصم فقط ولكن في الداخل التركي أيضا.

وتطالب أرمينيا، تركيا بالاعتراف بما جرى خلال عملية التهجير عام 1915، على أنه “إبادة عرقية”، وبالتالي دفع تعويضات وهو ما ترفضه تركيا حيث يمثل الملف خطا أحمر خاصة لدى الأحزاب القومية المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.

رجب طيب أردوغان: أستذكر أشقاءنا الذين قتلوا بوحشية في خوجالي قبل 29 عاما

وأثار تبني مجلس النواب الهولندي الخميس قرارا يدعو الحكومة إلى الاعتراف بتعرض الأرمن للإبادة الجماعية إبان الحكم العثماني غضب الحكومة التركية حيث وصف المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أقصوي قرار البرلمان الهولندي بأنه “محاولة باطلة لإعادة كتابة التاريخ بدوافع سياسية”.

وقال جويل فورديويند عضو حزب الاتحاد المسيحي الذي طرح الاقتراح “من الملح أكثر من أي وقت مضى أن تتحدث الدول بوضوح عن الماضي من أجل تعزيز المصالحة”.

وكان النواب الهولنديون اعترفوا بالإبادة الجماعية للأرمن في تصويت عام 2018، وهي خطوة أثارت غضب أردوغان.

ومن المنتظر أن تنضم هولندا إلى عشرات الدول التي وصفت قتل ما يناهز 1.5 مليون أرمني في الفترة ما بين 1915 – 1917 على يد جيش الإمبراطورية العثمانية “بالإبادة الجماعية”.

وترفض أنقرة إطلاق صفة “الإبادة العرقية” على أحداث 1915، بل تصفها بـ”المأساة” لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيدا عن الصراعات السياسية وسياسة التوظيف.

وتعترف تركيا فقط بسقوط حوالي 500 ألف قتيل خلال السنوات الأخيرة من السلطنة العثمانية، إلا أنها تقول إنهم سقطوا ضحية تجاوزات حصلت في الحرب العالمية الأولى نافية أي نية تركية لارتكاب إبادة جماعية للأرمن.

وتقدم حكومة أردوغان ثلاثة تأكيدات في ما يتعلق بتسمية الإبادة الجماعية. الأول هو أن المؤرخين لم يقوموا بعد بمراجعة مستودع هائل من الوثائق في الأرشيفات الأرمنية والعثمانية.

وتتمثل الحجة الثانية لتركيا في أن معظم الذين قاموا بتحليل هذه القضية من الهواة وغير المؤرخين، ولكن ما لا يقل عن عشرة مؤرخين مرموقين كتبوا بإسهاب عن الإبادة الجماعية للأرمن، وفي السنوات العشر الماضية نُشرت العديد من الكتب التي بحثت بقوة في هذه القضية.

ويتمثل تأكيد تركيا الثالث في أن تسمية الإبادة الجماعية غير مدعوم بالأدلة المتاحة وهو التأكيد الأكثر إثارة للريبة على الأرجح، حيث إن هناك اتفاقا بالإجماع تقريبا في الأوساط الأكاديمية حول ما حدث للأرمن في عام 1915.

واعترفت 30 دولة بـ”الإبادة الأرمنية” من بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولتوانيا وبلغاريا وهولندا وسويسرا واليونان والأرجنتين وأوروغواي وروسيا وسلوفاكيا والنمسا والولايات المتحدة.

ويقول تنار أكجام أستاذ دراسات الإبادة الجماعية للأرمن بجامعة كلارك الأميركية إن الإنكار لا يتعلق فقط بمنهج أيديولوجي للماضي، كما أن المطالبة بالاعتراف بالجرائم التاريخية ليست مجرد تعبير عن إدانة أخلاقية في ما يتعلق بالأحداث الماضية.

وأردف “إن الإنكار هيكل، لا يمكن للمرء ببساطة أن يحيله إلى الأعمال الوحشية السابقة. لقد أدى هيكل الإنكار إلى السياسات الحالية وما زال يفعل ذلك. وفي هذا الصدد، سيكون من المناسب والمعقول مقارنة الإنكار التركي بنظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا”.

وأكد أكجام أن اعتراف تركيا بالفظائع التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية شرط مسبق لشعبها حتى يتمكن من العيش في سلام وهدوء، ليس فقط مع بعضه البعض ولكن مع الآخرين في المنطقة.

وترى الحكومة التركية أن الملف مجرد ورقة تمارسها بعض القوى الدولية لفرض ضغوط عليها لكن مراقبين يرون أن أنقرة لن تقبل أبدا بالاعتراف بمصطلح الإبادة الجماعية لأنه سيشكل معضلة حقيقية وسيدفعها إلى تقديم المزيد من التعويضات إضافة إلى الملاحقات القضائية الأرمنية لتركيا ويفتح الباب أمام إعادة الممتلكات الأرمنية وهو أمر تعتبره أنقرة خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه.

ويشير مراقبون إلى أن المسألة لا تهم فقط الجانب المادي عبر التعويضات المالية أو حتى ترميم بعض الكنائس الأرمنية والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية بل سيصل الأمر إلى المطالبة بالأراضي التي تعرف بأرمينيا الغربية حيث جبل أرارات الذي يعد رمزا وطنيا للأرمن وهذا أمر لا يمكن أن تقبل به تركيا.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق