عشر سنوات على ثورة 25 يناير

27 فبراير 2021 - 06:33
عبير بشير
صوت فتح الإخباري:

لا تنفصل ثورة 25 يناير التي مر عليها عشر سنوات بالتمام والكمال، عن ثورة 23 يوليو، بل كانت استمرارا طبيعيا لها. وقوة الثورات فيما تثيره من تفاعلات، لا سابق لها في بنية مجتمعاتها وتغيرات عميقة في النفسية العامة. ولا شيء يولد من فراغ، والثورات لا تهبط على مجتمعاتها من كواكب مجهولة.. أنجزت أم أخفقت، انتصرت، أم انهزمت فهذه سيرورة الثورات قبل أن تصحح مسارها من جديد.
وليس بوسع أحد أن ينكر الأثر الهائل الذي خلفته ثورة يوليو، رغم الأخطاء الجوهرية التي ارتكبتها فهي ألهمت ثقافة وفناً ووعياً جديداً بقيم العصر الاجتماعية والتحررية، لا مثيل له في التاريخ الحديث كله. وأفضل تعريف للناصرية أنها «المشروع الوطني المتجدد».
وبينما قوة ثورة يناير، كانت في الأحلام التي أطلقتها والتغييرات التي أحدثتها في الشخصية المصرية فللأحلام قوة النفاذ إلى المستقبل.. تلك حكمة التاريخ.
وبقدر قوة وعنفوان ثورة يناير من حيث اتساع الحشد والتعبئة، كان في المقابل ضعف هائل حيث ما بدا أنه فراغ قيادي سهل اختطاف الثورة المحقة على يد جماعة الإخوان المسلمين.
صحيح أنه في ثورة يناير جاء التغيير من خارج السياق السياسي، الذي همشت منابره وتكلست أحزابه وتصحرت حقوله، وجرى تشجير الحياة السياسية إلى حدود غير مسبوقة تحت ضغط المليونيات ووسائل الاتصال الحديثة، وطرحت قضية العدالة الاجتماعية بصورة جديدة على الرأي العام. إلا أن الشرعية الثورية تعثرت بفداحة، فلم تأخذ مداها، ولم تقف على أرض صلبة، وبقيت تحلق في فضاء رحب، ولم يكن لثورة يناير أي مفاهيم واضحة ومبادئ معلنة ولا بنى تنظيمية مستعدة لتسلم مسؤولية الحكم.
ولكن في كل حال، لم تكن ثورة يناير، فعلا تآمريا، على الرغم من أن كل أجهزة مخابرات العالم كانت حاضرة وبقوة في ميدان التحرير، بفعل محورية بلد مثل مصر، فلا رمي أقوى الحجارة ينجح في هدم منزل، إلا إذا كان المنزل مبنيا من زجاج، وصحيح بأن الحجارة تحدث أضرارا وأعطابا بالغة في المنزل، ولكن الذي يتكسر هو الزجاج.
وإذا كانت الثورة الفرنسية 1789 هي الأولى في سلسلة ثورات شعبية تحررية تلقائية تعاقبت في العالم على مدى قرنين وربع قرن. فإن ثورة 25 يناير هي إحدى أهم حلقات الجيل السادس من هذه الثورات، وأهم ما يجمع بين الثورات من هذا النوع هو مسارها المتعرج الذي يمتد لفترة طويلة من الزمن عبر خطوات إلى الأمام وأخرى إلى الوراء، وفي ظل صراع شديد بين الثورة والقوى المضادة لها.
ولم يكن الحراك الثوري الذي جرى في يناير، حراكا نمطيا على شاكلة الثورة الفرنسية، إنه «حراك مركب»، تداخلت فيه عناصر عدة منها: الجيلي، والطبقي، والمكاني، والجهوي، والديني، حراك اتخذ أشكالا مبدعة من الاحتجاج في ظل لحظة معرفية وتقنية يسرت للطليعة الرقمية الشبابية أن تؤمن تغييرا غير مسبوق وفريدا. حراك في مواجهة عقود من التكلس السياسي، ومن ثم لابد أن تكون مهمتها الأولى هي تجديد الجمهورية العادلة التي دشنتها ثورة يوليو، وتجديد يعالج تناقضات واختلالات جمهورية يوليو بتجلياتها المتعاقبة.
لقد كانت المعادلة قبل يوليو 1952، تتكون من ثلاثة عناصر هي: القصر والباشوات والإنجليز. في هذا السياق، تبلورت طبقة وسطى مدينية بازغة حداثية التوجه. لعبت هذه الطبقة دورا نضاليا من أجل الاستقلال الوطني وتحقيق المواطنة في بعديها السياسي والمدني.
وشكل حريق القاهرة في يناير 1952 إنذارا أخيرا بأن كل ما فوق المسرح السياسي يوشك على الانهيار، فقد سادت الفوضى وعمليات النهب والتخريب، وفرضت الطوارئ ونزل الجيش المصري إلى الشارع، لأول مرة في التاريخ المصري الحديث.
ومن ثم حدث التحول الكبير وهو التحول إلى الجمهورية في مصر مع يوليو 1952، وتفكيك المعادلة السياسية الثلاثية القائمة. فلقد رأت قوى التغيير، التي ينتمي قوامها الرئيسي إلى الطبقة الوسطى، أنه آن الأوان لإحداث تحولات كبرى سواء في بنية الجسم الاجتماعي أو في النظام السياسي أو في منظومة الإنتاج الوطني.. ولا يمكن أن تتحقق هذه التحولات إلا في ظل نظام جمهوري يحقق بحسب المفهوم السياسي اليوناني القديم: «الجمهورية العادلة»، والرئيس العادل حتى لو كان مستبدا. وكانت يوليو الثورة مرحلة تثبيت قواعد التغيير المرجو وإصلاح ما أفسدته ـ خلال الأربعينيات ـ «برجوازية كانت تلعب خارج الحلبة»، بحسب تعبير صلاح عيسى.
وبدأت يوليو تقيم دولتها وعينها على الطبقة الوسطى وما دون. فأقامت بنية اقتصادية هائلة مثلت قاعدة إنتاجية غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر في إطار رأسمالية الدولة وفي ظل شعارات اشتراكية جسدها الميثاق نظريا والتأميم ماديا.
هذه المشهدية، كانت على تناقض صارخ، مع خشبة المسرح عشية ثورة يناير، حيث ظنت النخبة الاقتصادية الجديدة والقطط السمان في عهد حسني مبارك، أنها باتت تمتلك مستقبل مصر، وكانت النتيجة هي الوصول بمصر إلى مجتمع الخمس واحتكار الثروة في أيدي القلة وغياب التوزيع العادل للثروة العامة للبلاد.
كانت النهايات محتومة، لكنها طالت واستغرقت وقتاً طويلا، فقد نجح حراك يناير في خلخلة البنية السياسية المصرية، ونجحت بإحداث اختلالات في منظومة علاقات القوة التي تحكم نظام مبارك.
فبقوة الصور ورسائلها بدا مبارك غير قادر على ممارسة صلاحياته، وبأي قراءة موضوعية مات النظام إكلينيكيا العام 2005، وهو العام الذي أجريت فيه انتخابات رئاسية قيل إنها تعددية، وبرلمانية شهدت صفقات انتخابية مع جماعة الإخوان.
ولخص «مشروع توريث الجمهورية» من الأب إلى نجله أزمات النظام كلها ووضعه مباشرة أمام النهايات المحتمة، كان ذلك المشروع تعبيرا عن سطوة رجال الأعمال المتنفذين في صلب القرارين الاقتصادي والسياسي.
بحكم خبرته المباشرة، لم يكن الرئيس حسني مبارك يجهل حقائق القوة، غير أنه لم يكن حازما في وقف مشروع التوريث وترك التفاعلات تمضي إلى نهاياتها المحتمة .... إنها لعبة التاريخ المفضلة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق