«عرار» وقصيدة بين أمس واليوم

20 فبراير 2021 - 08:12
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

«هي فعلاً عبقرية، حين استطاع شاعر عربي قبل 8 عقود أن يجمل رؤيته الناقدة والنقدية لمنظومة الحكم والإدارة، في بلادنا، من منظور التزام وطني وتنويري، عبر نص صادق صادم، تآلفت فيه روحه الذاتية المحبة للحياة، مع روحه الطموحة للتجديد والحداثة».

«إن الزمان ولا أقول زماني» من القصائد المشهورة للشاعر مصطفى وهبي التل، وكثيراً ما عاد إليها الباحثون في موضوع النقد السياسي الحديث والمعاصر في الشعر العربي، وفي الوقت نفسه، يعود إليها المهتمون بالغزليات والخمريات. تدور القصيدة عن شاعر وأديب عربي أردني، يعمل موظفاً، درس الحقوق، ويحمل أفكاراً تقدمية، ويتميز بالحس الوطني والقومي والانتماء للقضية الفلسطينية كقضية أردنية وعربية، إضافة إلى ميله للسرور وبما هو مسبب له من ندماء ورفاق وشراب وجمال، شعراً وشعوراً.
هو إذاً موظف حكومي، يعيش حقبة الضياع والاستعمار، ويشعر بأن رأس الأولويات هو الحرية السياسية، والحفاظ على الأرض - العرض، والارتقاء الفكري والاجتماعي والثقافي، وليس تمضية الوقت في الأعمال الإدارية بسبب الحاجة للراتب. إضافة إلى ميله للسرور والندماء والمرح والشعر الحقيقي الصادق والمعبّر لا التقليدي المفتعل، كأنه بذلك يثير الانتباه إلى الالتزام بقضايا الشعب، والالتزام تجاه شعوره، أي التعبير عن نفسه من الداخل بصراحة في ظل تحدي الواقع المحافظ والمتكلس. كأنه لم يتغير الكثير، فقط ازداد الحال سوءاً اجتماعياً وسياسياً، وطنياً وقومياً، بل وعالمياً وإنسانياً؛ ودخلت القضية العربية والفلسطينية مراحل سيئة.
لنعد الآن إلى الأربعينيات، وشاعرنا العربي الأردني وهو يبوح عن همومه من جهة، وهموم وطنه وأمته من جهة أخرى، دون أن ينسى هموم من توجه لها بالخطاب واللجوء والتغزل والتضامن الإنساني، تلك التي هي ملاذه وملجؤه، والتي أهلها محلّ نقده الاجتماعي، والتي من خلالها نفذ إلى النقد السياسي.
أبيات باح بها الشاعر، وشكا تغير الحال، على المستوى الشخصي، الذي ركّز هنا عليه، كيف تحول من حياة المرح والسرور مع الرفاق والإبداع الشعري، إلى حياة موظف مشغول بأمور إدارية غير مهمة، ما أثر على قريحته الشعرية، فصار يشكو التكلف الشعري والأدبي، وكأنه يرفض (يهدم) الأسلوب التقليدي:

إن الزمان ولا أقول زماني
بين الطوابع والرسوم رماني
وأحال لذاتي وساوس حاسب
يهذي بضرب ثلاثة بثماني
فانظر إلى الندمان كيف تفرقوا
بعدي وكيف علا الغبار دناني
وإلى قريضي كيف أصبح تافهاً
وإلى بليغ القول كيف عصاني

بالاطلاع على ما يتبع من أبيات، يكمن الشوق لما يتجاوز الحرية الشخصية إلى الحريات العامة والتحرر الوطني والقومي، وكأنه يريد حسم هذه الأمور من البداية، رابطاً بين حرية الذات والمجموع، فلا خلاص فردياً حقيقياً من دون خلاص الجماعة. بعد هذا التمهيد، صار المجال قد تهيأ لنقده السياسي الحاد والجارح. وبفهم سياق تمضية أوقاته، وما يحيط به أثناء مجلس الشراب، نجده يبدأ بمن حوله، فيخاطب «الحسناء النورية»، ومن خلال ذلك يصب جام نقده وغضبه على قومها لسبب اجتماعي، وقومه لسبب وطني وسياسي، جامعاً بينهم تعاملهم مع «الحمية»، ورابطاً بذكاء نظرة المستعمر تجاهه بما يمثل الشعب، وباتجاهها بما تمثل من جماعة النور، إنهم سواء في عين الحاكم الأجنبي.
وهو يتحدث عن شجنها النفسي والاجتماعي الذي يثير شجنه السياسي والوطني. ومرة أخرى ينطلق منها، من الحسناء النورية، لينتقد أهلها الذين يتاجرون بها، لينفذ إلى نقده الوطني، شاكياً القيود، رابطاً بين الحرية والكرامة اجتماعياً وسياسياً ووطنياً وقومياً.
وهو النقد الاجتماعي والسياسي الثاني، الذي يربط فيه بين حرية المرأة وحرية الوطن.
نقد النظام القضائي: ولم يكد يفرغ للغزل في هذه المحطة القصيرة، حتى يعود ناقداً وناقماً، ويبدأ ذلك بنقد النظام القضائي:
يا بنت تحقيق العدالة ركنه
ولع القضاة براحة الوجدان
ثم ينتقل إلى نقد المؤسسات الدينية وأساليب الوعاظ:
ويريك فقه الشيخ أقوالاً بها
ما أنزل الرحمن من سلطان

فهو هنا ينتقد الوصاية الدينية، وكأن الوعاظ يحملون مفاتيح الجنة والنار، في إشارة نقدية عميقة لأسلوب الترهيب، معظماً الله الرحمن الرحيم.
نقد النظام السياسي: لقد منحه نقده للمؤسسات الدينية طاقة وشجاعة للنقد السياسي مرة أخرى، حيث تطورت جرأته:
للّه قومي كيف عكر صفوهم
طيش الشيوخ وخفة الشبان
وتسوّل المتزعمين حقوقهم
من زمرة الأذان والغلمان
وهنا ثمة نزعة دينية حزينة، وكأنه في يأسه من المجتمع والساسة يلجأ إلى الله، فاكتست الأبيات بنزعة دينية حزينة، لعل هناك من يصحو وينتبه، وضع استحقاقات الإنقاذ، والذي صار صعباً بسبب ما صنعته العصابات الصهيونية على الأرض من تهويد واستيطان.
وحتى نجمل، فقد تحور نقد نظام الحكم العربي لدى مصطفى وهبي التل بما يلي»

- النظام الثقافي والفني:
«وإلى قريضي كيف أصبح تافهاً
وإلى بليغ القول كيف عصاني».
- النظام السياسي: نقده السياسي الذي ورد في موضعين من القصيدة.
- والنظام الاجتماعي وبشكل خاص واقع المرأة. والتي قرن فيه بين النقدين السياسي والاجتماعي باستفاضة وتفصيل كما مرّ.
عانى الشاعر طويلاً بسبب نظراته في السياسة والحكم وتحرر، لكنه لم ييأس فسعى لاستنهاض الشعب، وتوجيه نظره إلى المستقبل، في ظل العدل والتطوير، خصوصاً وهو يحيا عصر النهضة في مطلع القرن العشرين الذي فتح عينيه عليه.
لقد كان عرار كاتباً شعبياً لا شعبوياً، ينتصر للشعب لا للنخب، نصير الحقوق لا امتيازات الحكام والقضاة وكبار الموظفين.
لم تمض بضع سنوات حتى تم تنفيذ استلاب فلسطين ما هو أبعد من وعد بلفور، وللأسف ما زلنا نتلقى الضربات، منذ النكبة فالنكسة، التي توالدت نكسات سياسية واجتماعية وثقافية، بشيوع السلفية ثقافة وفكراً، وسيادة الشعبوية، والتي صارت بيت قصيد الربيع العربي المشوّه، الذي ما زلنا نتساءل: لم تم اليوم؟ ومن الذي حدد أخضره زمانياً ومكانياً؟ إنه سؤال أخلاقي قومي، يعيدنا إلى قراءة مسيرة النهضة العربية، التي لم تمض كما تشتهي سفن التنوير فضعنا سياسياً وقومياً وقطرياً واجتماعياً، فما زال زمن عرار الذي شكاه حاضراً بيننا.. ولكن للأسف، يقطف المجتمع العربي ثمار السطحية في الفنون والتعليم والإعلام بشكل عام، وتتجلى الثمار في تنشئة جيل وراء جيل، يركض وراء الاستهلاك والكوميديا الرخيصة المفتعلة وما يواكبها من طعام سريع وحب أكثر سرعة.
ولأن الوعي الاجتماعي هو أحد وسائل وشروط بناء وعي سياسي وفكري، فإننا بحاجة لنقد المضامين الاجتماعية التقليدية في الحياة والفن، مع الانتباه إلى أن قضية المرأة تقف على رأس أولويات الوعي الاجتماعي في الأدب والفن، ذلك أن النظم السياسية التقليدية تميل، بل تتحالف مع قطاع الفن التقليدي ورجال الدين الذين يستخدمون الوعظ والإرشاد الديني أسلوباً في التعامل مع الجمهور عبر وسائل الإعلام وفوق منابر المساجد التي احتلها إما الإسلام السياسي أو موظفو الدولة التقليديون. ونحن ننتقل في هذا الوطن الكبير، بين المؤسسات، والغبار يزكم أنوفنا، نتذكر عرار الذي تجلت عبقرية رؤيته تجاه الأمس واليوم في قصيدة!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق