هكذا خدعت إسرائيل الولايات المتحدة بشأن مفاعل «ديمونا» (1-2)

20 يناير 2021 - 09:48
صوت فتح الإخباري:

بقلم: أفنير كوهين ووليام بار*
«إسرائيل لديها برنامج لإنتاج الأسلحة النووية».. هكذا أبلغ وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كينسجر، دبلوماسيين أميركيين، العام 1965، عندما كان لا يزال أستاذا بجامعة هارفرد، بناء على «ترجيح» خلص إليه، لكنه كان يفتقد الدليل الدامغ على تحققه، لكنه بات، في العام 1969، وبعدما أصبح مستشارا للأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، على علم فعلي ببرنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي، الذي بات حقيقة واقعة.
ومن خلال وثائق أميركية رُفعت عنها السرية، مؤخرا، يظهر أن ثمة عملية «خداع» تعرضت لها وكالات الاستخبارات الأميركية في منتصف ستينيات القرن الماضي، تقف وراءها كل من إسرائيل وفرنسا، وعلى إثرها تمكنت إسرائيل من امتلاك السلاح النووي عبر تطوير قدرات مفاعل «ديمونا» في صحراء النقب.
بدأ بالعمل ببناء المفاعل في العام 1958 بمساعدة فرنسا، واستمر العمل فيه ما بين سنتي 1962 و1964، لكن الهدف المعلن من إنشائه كان «توفير الطاقة لمنشآت تعمل على استصلاح منطقة النقب»؛ ما يعني استخدامه للأغراض المدنية السلمية حصرا.
في تلك الفترة، سادت حالة من عدم اليقين معرفة حكومة الولايات المتحدة بالبرنامج النووي الإسرائيلي، وبينما كثرت الشكوك حوله لم يكن لدى واشنطن أبدا دليل قاطع على أن إسرائيل كانت تسعى إلى امتلاك قدرة عسكرية نووية.
وبحسب الوثائق، فإن كبار المسؤولين الأميركيين، آنذاك، كانوا في حيرة بشأن التوجه المستقبلي للمجمع النووي الإسرائيلي في «ديمونا»، خاصة بعدما أفاد أحدث تفتيش أميركي سابق للمجمع، في 30 كانون الثاني 1965 (قبل يومين فقط من إحاطة كيسنجر للدبلوماسيين الأميركيين) بأنه لم يُعثر على «أنشطة متعلقة بالأسلحة» في «ديمونا».
وتعود زيارات التفتيش الأميركية للمجمع النووي الإسرائيلي إلى عهد الرئيس جون كينيدي، الذي كان حريصا بشدة على منع انتشار السلاح النووي، وجعل من أولوياته أن يقوم العلماء الأميركيون بزيارة مجمع «ديمونا» بانتظام؛ للتحقق من الشكوك بأن الإسرائيليين يهدفون إلى تطوير قدرات الأسلحة النووية.
ضيوف لا مفتشون
بدأت مثل هذه الزيارات في أيار 1961، لكن التوترات بشأنها بدأت تتصاعد في ربيع وصيف العام 1963، عندما تعامل كينيدي أولاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ديفيد بن غوريون، ثم خليفته، ليفي إشكول.
مارس كينيدي ضغوطا لإجبار الإسرائيليين على قبول زيارات علماء أميركيين إلى «ديمونا» مرتين سنويا، وبحلول أواخر صيف العام 1963، وافق إشكول، الذي أصبح رئيسا للوزراء في 26 حزيران، على أن يجري استقبال العلماء الأميركيين كـ»ضيوف زيارات علمية» وليس «كمفتشين».
وعندما حان وقت زيارة كانون الثاني 1964، كان بناء مجمع «ديمونا» إما مكتملا أو على وشك الانتهاء، ووصل مفاعله إلى درجة حرجة، حسب تقدير علماء الفيزياء، ولذا فقد كانت هذه الزيارة محورية في التقييم المستقبلي للبرنامج النووي الإسرائيلي.
استغرقت الزيارة 11 ساعة على مدى يوم واحد، وبعد ذلك أبلغت لجنة الطاقة الذرية الأميركية المخابرات الأميركية بأن فريق التفتيش «يعتقد أنه تم تفتيش جميع المنشآت المهمة في هذا الموقع».
وجاء ذلك استمرارا لمسلسل استعداد الفريق الأميركي لقبول الرواية الإسرائيلية، والذي بدأ بالفعل في الزيارة الأميركية الأولى لـ»ديمونا» في أيار 1961، حيث أفاد الفريق آنذاك بأنه يعتقد أنه «لم يتم إخفاء أي شيء عنه».
وكان تقديم خطة «ديمونا» الظاهرية (للاستخدامات النووية السلمية) متسقا مع تعهدات قدمها بن غوريون لكينيدي خلال اجتماع لهما في نيويورك، ومنذ ذلك الحين، واصلت الفرق الأميركية النظر إلى «ديمونا» على أنها مشروع علمي مدني بالأساس.
وفي كانون الثاني 1964، خلص تقرير الفريق إلى أن مجمع «ديمونا» يفتقر إلى المرافق الضرورية لإنتاج البلوتونيوم وإعادة المعالجة اللازمة لبرنامج الأسلحة النووية، وأفاد بأن «إسرائيل لن تتمكن، بدون مساعدة خارجية، من إنتاج أول أجهزتها النووية إلا بعد عامين أو 3 أعوام من اتخاذ قرار (سياسي) بذلك».
وفي أواخر أيلول من العام ذاته، صدرت تعليمات إلى القائم بالأعمال الأميركي في تل أبيب، بمقابلة رئيس الوزراء، ليفي إشكول؛ بغرض تحديد موعد الزيارة الأميركية المقبلة إلى «ديمونا»، لكن إشكول تعاطى مع الطلب الأميركي برد مختلف هذه المرة.
لم يستجب رئيس الوزراء الإسرائيلي للطلبات الأميركية على الفور، وبعث برسالة شخصية إلى الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون جونسون، عبر المستشار الرئاسي ماير فيلدمان، يطلب فيها تأجيل زيارة «ديمونا» التالية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المزمع إجراؤها في تشرين الثاني 1965، أي تأجيل الزيارة الأميركية لمدة أكثر من عام.
برر إشكول مطلبه آنذاك بمخاوف من أن يؤدي تسرب أخبار الزيارة إلى تقويض موقفه السياسي الداخلي في إسرائيل، باعتبار أن الزيارات الأميركية تمثل انتهاكا لـسيادة إسرائيل، مؤكدا أنه «لا توجد إمكانية لتحويل (ديمونا) إلى أغراض عسكرية في فترة قصيرة جدا».
أثار طلب إشكول الشكوك في واشنطن، وفي 23 تشرين الأول 1964، وجه مستشار الأمن القومي الأميركي، ماكجورج بوندي، وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية (CIA) ولجنة الانتخابات الأميركية لتقييم الآثار السياسية والتقنية للطلب الإسرائيلي.
وفي مذكرة مشتركة، لم تقبل الهيئات الثلاث تبرير إشكول، واعتبره مسؤولو وزارة الخارجية في ذلك «ذريعة» لإخفاء شيء ما، خاصة أن التقييم الفني لفريق التفتيش الأميركي يرتكز إلى خلاصة مفادها أن «إسرائيل تفتقر إلى مصنع فصل كيميائي لإنتاج البلوتونيوم، وإنشاء مصنع كهذا يتطلب قرارا سياسيا جديدا على أعلى مستوى، وسيحتاج إلى نحو عامين».
ولذا أوصت مذكرة الهيئات الثلاث بأن لا يتم السماح بتأجيل عملية التفتيش الأميركية في «ديمونا»، وهو ما عقدت الإدارة الأميركية بشأنه «مواءمة» للسماح بزيارة جديدة للفريق العلمي الأميركي إلى المجمع النووي الإسرائيلي، لكن دون صدام مع إشكول عبر رفض مطلق لطلبه.
اقترح هذه المواءمة وكيل وزارة الخارجية الأميركية آنذاك، أفيريل هاريمان، عارضا على الإسرائيليين صفقة تقوم على السماح بزيارة الفريق الأميركي لـ»ديمونا» مجددا مقابل تنازل الولايات المتحدة عن الالتزام الإسرائيلي بفتح المجمع النووي للزيارة كل 6 أشهر (في ضوء خلاصة التقرير الفني لاحتياج القدرات النووية العسكرية أكثر من عامين)، والتعهد بعدم نقل نتائج زيارة الفريق الأميركي إلى الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، إلا بعد انتخابات تشرين الثاني 1965.
وفي 6 كانون الأول 1964، أبلغ إشكول الإدارة الأميركية بأنه حدد عطلة نهاية الأسبوع في 30 كانون الثاني 1965 تاريخاً لزيارة فريق التفتيش الأميركي التالية.
وبرر رئيس الوزراء الإسرائيلي، آنذاك، عدم الموافقة على زيارة فورية للفريق الأميركي بصعوباته السياسية الداخلية وخلافته المتزايدة مع بن غوريون، وطمأن الإدارة الأميركية بالتأكيد على خلاصة مفادها: «لا يمكننا بناء سلاح نووي في غضون شهرين».
وإزاء ذلك، طلبت وزارة الخارجية الأميركية «بروتوكولا محددا ومحكما» لزيارة كانون الثاني، يتضمن استمرارها ميدانيا لمدة يومين، على أن يتمتع الفريق الأميركي «بالوصول الكامل» إلى مفاعل «ديمونا» والمرافق الأخرى للمجمع النووي الإسرائيلي، بالإضافة إلى سجلات التشغيل الخاصة به، وأن يكون قادرا على إجراء قياسات مستقلة حسب الضرورة؛ للتحقق من تطور إنتاج المفاعل منذ الزيارة السابقة، والتحقق من موقع استخدام البلوتونيوم أو مادة أخرى قابلة للانشطار في المفاعل.
عن «هآرتس»

*أفنير كوهين محاضر في دراسات منع نشر السلاح النووي، ووليام بار محلل في أرشيف الأمن القومي بجامعة «جورج واشنطن» ومدير مشروع التوثيق النووي للأرشيف.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق