واللا»قطار التطبيع: رغبة في كبح "الإخوان المسلمين" وليس "حبّاً لإسرائيل"

01 يناير 2021 - 09:11
صوت فتح الإخباري:

بقلم: إيلي بوديه وليمور لافي
يثير توقيع اتفاقات السلام بين إسرائيل وبعض الدول العربية حديثاً نقاشاً في العالم العربي حول السؤال عمّا إذا كانت هذه الاتفاقيات مباحة وفق الشريعة الإسلامية. فقد حلّل أحد الفقهاء الكبار في دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، «اتفاقات أبراهام»، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية تخوّل الحاكم صلاحية عقد الاتفاقات الدولية، وفق ما يرتئيه، بينما استنجدت شخصية دينية أخرى بفتوى كان أصدرها مفتي المملكة العربية السعودية السابق، الشيخ عبد العزيز بن باز، في التسعينيات، على خلفية توقيع اتفاقيات أوسلو، حلّل فيها التصالح مع اليهود، إن كان الأمر في صالح المسلمين.
في المقابل صدرت فتاوى مضادة عن المؤسسة الدينية في ليبيا وعن رابطة علماء فلسطين في قطاع غزة، اعتبرت «اتفاقات أبراهام» خيانة للأمة ومقدساتها، وخدمة مجانية للعدو، وخروجاً عن الشرائع الإسلامية. وفي السودان، التي أعلنت هي الأُخرى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، نُشرت فتاوى متضاربة من جانب هيئتين دينيتين متنافستين، الأولى تحلل، بينما الثانية تحرّم. وفي سلطنة عُمان، الداعمة للتطبيع بالذات، أصدر المفتي، مؤخراً، فتوى شرعية تعارض الاتفاقات.
في العربية السعودية، التي لم يتضح بعد ما إذا كانت ستنضم إلى الاتفاقات مع إسرائيل أم لا، لم يتفوه فقهاء الدين بشأن التطبيع، لا مدحاً ولا ذمّاً، لكنهم أصدروا سلسلة من التصريحات الأُخرى التي تدل على تغيير ما في الموقف حيال إسرائيل. أبرز تلك التصريحات هو الذي صدر عن المفتي السعودي الذي كان قد حرّم، قبل ثلاث سنوات، أي مسّ بالإسرائيليين في «الحرم القدسي الشريف»، وأعلن أن تظاهرات التأييد للفلسطينيين التي تجري في العالم العربي «لا فائدة منها»، وأن حركة «حماس» «تنظيم إرهابي».
كان شطب تعابير معادية للسامية ولإسرائيل من منهاج التدريس في العربية السعودية خلال السنة الفائتة بمثابة علامة إضافية على التحول الحاصل في الموقف من إسرائيل. كما انضم إلى هذا التوجه خلال الأسابيع الأخيرة إمام الحرم المكّي الذي نوّه، في خطبة الجمعة، بمعاملة النبي محمد الحسنة لجاره اليهودي. هذه كلها وغيرها تشكل مؤشرات إلى تهيئة الأرضية والأجواء لإقامة علاقات مع إسرائيل، أو لتقبل الاتفاقات المعقودة بينها وبين دول أخرى في المنطقة على الأقل.
ثمة مؤشر إضافي آخر قد يدل على التقارب مع إسرائيل هو الفتوى التي صدرت عن هيئة كبار العلماء السعودية والتي تقرّ بأن حركة «الإخوان المسلمين»، المعروفة بمواقفها المعادية للسامية وبمعارضتها لاتفاقية السلام مع إسرائيل، هي «تنظيم إرهابي».
صعد «الإخوان المسلمون» إلى سدة الحكم في مصر سنة 2012 من خلال انتخابات ديمقراطية إثر سقوط الرئيس حسني مبارك، ثم تم إقصاؤهم عن الحكم بانقلاب عسكري بعد سنة واحدة فقط. منذ ذلك الوقت، يعاني «الإخوان» قمعاً غير مسبوق من جانب نظام السيسي، بالرغم من أن التيار المركزي في هذه الحركة يدعو إلى نبذ العنف.
تجاوز الانقسام السياسي بين مؤيدي «الإخوان» ومعارضيهم حدود الدولة المصرية وخلق استقطاباً إقليمياً. في الطرف الأول، معسكر المؤيدين، الذي يضم تركيا وقطر، بينما تقود السعودية المعسكر المناوئ، الذي يضم مصر والإمارات والبحرين، علماً بأن هذه الدول الأربع أعلنت حركة «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً منذ بضع سنوات. بناء عليه، فإن التأييد الذي تسبغه المؤسسة الدينية السعودية، ثم الإماراتية في إثرها، على هذا الإعلان في هذه الأيام بالذات قد يرجح الاعتقاد بأنها خطوة مؤيدة لإسرائيل.
لكنّ اختيار هذا التوقيت تحديداً لا يرتبط بموجة التطبيع الجديدة وبرغبة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في رسم صورة معتدلة له فقط، وإنما الدافع الأساسي هو محاولة منع حركة «الإخوان المسلمين» من رفع رأسها ثانية على ضوء التبديل الرئاسي في الولايات المتحدة، ذلك أن السعوديين يخشون كثيراً من إقدام الرئيس المنتخَب، جو بايدن، على إعادة إحياء «الإخوان» من جديد.
من المحتمل، أيضاً، أن يكون إعلان المؤسستين الدينيتين السعودية والإماراتية، الآن، معداً لتشجيع الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، على الإعلان بنفسه أن «الإخوان المسلمين» تنظيم إرهابي أجنبي، قبل أن يسلّم مفاتيح البيت الأبيض في كانون الثاني 2021، وهو الإجراء الذي يدفع ترامب نحوه منذ زيارة السيسي إلى واشنطن سنة 2019.
مع ذلك تعارض أوساط مختلفة في الإدارة الأميركية هذا الإجراء بادعاء أنه سيضرّ بعلاقات الولايات المتحدة مع الدول التي تشارك فيها حركة «الإخوان المسلمين» في الحكم بصورة شرعية، مثل تونس، وسيعمق من الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة ذاتها. ومن شأن خطوة كهذه أن تقضي على جميع أنشطة «الإخوان» في الولايات المتحدة، وأن تشجع دولاً أُخرى على اتخاذ هذا الإجراء، في مقدمها دول الاتحاد الأوروبي.
ينبع اختيار التوقيت الحالي أيضاً من الرغبة في استغلال موجة الاعتقالات والتحقيقات الجارية خلال الأسابيع الأخيرة في كل من فرنسا والنمسا ضد عناصر الإسلام السياسي، وفي مقدمها حركة «الإخوان المسلمين»، منذ العمليات الإرهابية الأخيرة في مدينتي فيينا ونيس. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن عدداً من العمليات الإرهابية وقعت في السعودية، مؤخراً، ضد أهداف مختلفة مرتبطة بفرنسا.
خلال زيارته الأخيرة إلى باريس، في منتصف كانون الأول الحالي، تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عن وحدة المصير بين مصر وفرنسا في الحرب ضد إرهاب «الإخوان المسلمين». من جانبه أبدى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، تعاطفاً مع المشاعر المعادية للإسلامويين ومنح السيسي وسام شرف. وقد تجاهل ماكرون تماماً دعوة البرلمان الأوروبي دول الاتحاد إلى إعادة النظر في علاقاتها مع مصر في ضوء التدهور الخطر الحاصل في موقف السلطات من حقوق الإنسان.
تحت ضغط السيسي وبن سلمان ومحمد بن زايد انضم، الأسبوع الماضي، «الأزهر»، مؤسسة الإفتاء الكبرى في مصر خصوصاً والعالم السنّي عموماً، إلى الحملة ضد «الإخوان المسلمين». فبعد أن كان وزير الأوقاف والمفتي المصريان قد عبّرا عن تأييدهما للفتوى السعودية، أعلن «الأزهر»، في ما يشكل سابقة إفتائية، أن الانضمام إلى عضوية «الإخوان المسلمين» والحركات المتطرفة الأخرى محرّم دينياً. هذه الفتوى هي المرة الأولى التي ينزع فيها «الأزهر» الشرعية الدينية عن حركة «الإخوان المسلمين»، ومن هنا تنبع أهميتها. فقد كانت دار الإفتاء التابعة لـ «الأزهر»، ورغم أن السيسي قد كلفها منذ بداية ولايته الرئاسية باستئناف الحوار الديني من خلال شجب التطرف الإسلامي وتشجيع التسامح والاعتدال، قد امتنعت بصورة حازمة ومثابرة عن وصم «الإخوان» كتنظيم إرهابي، مثلما أحجمت عن وصم تنظيم «داعش» بأنه تنظيم كافر.
بالرغم من وقوف «الأزهر» إلى جانب السيسي وتأييد الانقلاب العسكري ضد «الإخوان المسلمين»، إلاّ إن الفجوة بينهما تتسع باستمرار، ويحاول السيسي على الدوام قصقصة جناحيّ «الأزهر» في مقابل تعزيز قوة ومكانة مؤسسات دينية أُخرى. ولهذا تثير الفتوى الأخيرة أصداء واسعة، نظراً لكونها أيضاً المرة الأولى التي يخضع فيها «الأزهر» لضغوط السيسي، وينحو نحو تشويه صورة «الإخوان» والحركات الأصولية بوجه عام.
مع ذلك، لم يذهب «الأزهر» في هذا المنحى حتى نهايته، ولم يعلن عن «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً، كما فعلت المؤسسات الدينية في السعودية والإمارات، وهو ما يمكن أن يدل على أن «الأزهر» لم يكن راضياً تماماً عن القرار الذي ربما يكون قد فُرض عليه عنوة.
على أي حال، يبدو أن موجة الفتاوى الصادرة عن المؤسسات الدينية في السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر ضد «الإخوان المسلمين» لا تنبع من محبة إسرائيل، وإنما من كراهية «الإخوان» ورغبة زعماء هذه الدول في دق مسمار آخر في نعش هذه الحركة. وقد أعلن فقهاء شريعة بارزون في العالم الإسلامي السني: نعم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، لا للتصالح مع «الإخوان المسلمين».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق