«معاريف»موت "حل الدولتين": الفلسطينيون يهمسون بـ"خطة جديدة"

27 ديسمبر 2020 - 08:44
صوت فتح الإخباري:

بقلم: جاكي خوجيي
في القدس مكان أيضا لعاصمة فلسطينية، هكذا أعلن رئيس «أزرق ــ أبيض»، بيني غانتس. قال ذلك لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية. في مقابلة أُجريت معه، ونشرت في نهاية الأسبوع الماضي. لم يكتفِ غانتس بذلك، بل أشار الى أن القدس لن تقسم. وإذا ربطنا شطري هذه المقابلة، نفهم ما قصده غانتس. ضمن أمور أخرى، منْح الفلسطينيين عاصمة في إحدى البلدات المجاورة، أبو ديس مثلا.
للحظة، أعادنا غانتس بتصريحه هذا الى الأيام التي كانت فيها القضية الفلسطينية في مركز جدول الأعمال السياسي. أما اليوم، فعندما يقال سلام، أو تطور سياسي، يقصد دبي. وبالفعل فإن أحدا لم يهتز في أعقاب أقواله، بمن فيهم الفلسطينيون، وبالتأكيد اليسار الناعس.
مؤرخ يعود في المستقبل الى هذه الأيام، سيتعين عليه أن يبحث بالشموع عن النقاش العلني عندنا في القضية الفلسطينية. تلك التي هي بحد ذاتها حقيقة عجيبة. هذه المسألة لا تذهب الى أي مكان. وهي ستواصل التأثير علينا جميعنا: كارهيها والمتعاطفين معها. وفي هذه الاثناء، في داخل أنفسهم، يعيش الفلسطينيون أزمة حادة. فقد ضربتهم ولاية ترامب ضربة قاضية. جاءت «كورونا»، وفرضت سلم اولويات جديداً، ودحرتهم أكثر فأكثر الى أسفل السلم. ولم يعد أحد من المتعاطفين مع المسألة الفلسطينية في العالم متفرغا لها. الاتحاد الاوروبي مشغول بشؤونه، وتركتهم الدول العربية لمصيرهم على قارعة الطريق. صحيح أن بايدن قد يبدي نحوهم ودا، ولكن قبل أن يدخل الى أعماق المسألة توجد أمامه مسائل اكثر اشتعالا في العلاقات الخارجية، وعلى رأسها التهديد الصيني، أزمة المناخ، كوريا الشمالية، وروسيا. توفي صائب عريقات، وبعد رحيله لا يوجد من يقاتل في سبيل حل الدولتين مثلما يعرف هو كيف يفعل. وأبو مازن في أواخر أيامه.
وهكذا ينقضي المجد. «م.ت.ف»، التي تصدرت في الماضي جدول أعمال العالم العربي، فشلت في مهمتها التاريخية في إقامة دولة مستقلة، وتجد صعوبة، اليوم، في أن تقرر جدول أعمال حتى لعامليها أنفسهم. قبل بضعة أسابيع أعلنت حنان عشراوي اعتزالها الحياة السياسية. وبمغادرتها، دعت الى احداث ثورة في صفوف «م.ت.ف» والسلطة. هي ابنة 74 عاماً، وفي السنوات الطيبة  لـ»اوسلو» اعتبرت رمزا. فقد كانت ممثلة لجيل الزعماء الشباب، نقي اليدين، وذي الكفاءات. وباعتزالها أخذت معها أيضا ما تبقى من تفاؤل.
الأمل، بتعابيره المختلفة، هو ذخر آخذ في التقلص لدى الفلسطينيين في السنوات الأخيرة. وبشكل غير مفاجئ، فإن شريحة الزعماء النشطة، الجائعة وذات القدرات، ستجدونها، اليوم، في «حماس» بالذات. في غزة، في تركيا، في قطر، وحتى في السجن. في كل واحدة من قواعد الحركة، حيثما توجد ستجدون شخصيات مناسبة ظاهراً لتمسك بلجام الزعامة. هذا صعب قوله، اليوم، عن «م.ت.ف».
يدفع هذا الواقع الفلسطينيين لإعادة احتساب المسار من جديد، وهذا ما يجري في الاسابيع الاخيرة في قيادة السلطة. في رام الله يفهمون بأن الكفاح لإقامة دولة مستقلة في مناطق 67 عاصمتها القدس الشرقية، انتهى بالهزيمة، الا اذا ما وقعت معجزة. وهم يعترفون بذلك في الغرف المغلقة، وان لم يكونوا عبروا عن ذلك علنا. صحيح أننا خسرنا ورقة مظفرة، يقولون لأنفسهم، ولكننا بقينا على أرضنا. اذا كانت إسرائيل صفت حل الدولتين بوساطة المستوطنات، فلدينا خطة عمل ثانية – دولة واحدة لليهود والفلسطينيين من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط. وهم يعرفون بأن هذه ليست خطة مثالية ولكنها الأفضل بحكم الظروف. هذه هي الفكرة الآخذة بالتبلور لانعدام البديل لدى أصحاب القرار في رام الله. ومن أجلها ينوون الكفاح.
هم لم يصوغوا بعد لأنفسهم مبنى الحكم في الدولة المستقبلية، وكيف ستدار الحياة الى جانب اليهود. هذا سابق لأوانه. وهم يعرفون جيداً أن إسرائيل لن توافق على أن توطن ولو فلسطينيا واحدا. ولكن من يضمن لهم (لليهود)، أن يبقى الوضع الحالي الى الأبد. فهم منذ، الآن، يتحدثون عن الضم. وقد فرضوا منذ، الآن، سيطرتهم على كامل الارض. غدا، قد يأتي زعيم إسرائيلي يعلن عن ذلك رسميا. محافل رفيعة المستوى في رام الله تعتقد أنه ستمر سنوات اخرى، ربما عقد، ربما ثلاثة، فتتغير الظروف لصالحهم، بشكل يسمح لهم بأن يطالبوا ويحصلوا على المساواة. او بلغتهم: يجري النزاع منذ مئة سنة. فليجر 20 أو 30 سنة اخرى. وهم يؤمنون بأنه في نهايته سنكون مواطنين متساوي الحقوق في دولتنا.
وللمفارقة فإن الضم الذي اقترحه بنيامين نتنياهو قبل أكثر من سنة ينسجم مع خطتهم المستقبلية. في حينه رفضه «المتطرفون» إذ اعتقدوا أنه يقوض دولتهم المستقلة التي ستقوم على اراضي 67. ولكن مع اختفاء هذا الحلم، فإن الضم قد يكون نعمة بالنسبة لهم. يحتمل أن يطالب الفلسطينيون في السنوات القريبة القادمة فقط بضم «المناطق» الى إسرائيل بل يبسط السيادة الإسرائيلية على الضفة كلها. معظم الجمهور الفلسطيني يريد ذلك، فهم معنيون بأن يكونوا مواطنين في دولة إسرائيل.

دبلوماسية الثناء
فاجأ ضابط كبير في هيئة الأركان في مقابلة مع موقع الاخبار السعودي «ايلاف»، حين سُئل عن نصر الله، فقال للصحافي مجدي الحلبي، ان نصر الله ذخر لإسرائيل. ولو كان مريضا لبعثنا له بطبيب وأدوية بل وكشف الضابط الكبير الذي لم يذكر اسمه بأن ايران عرضت على زعيم «حزب الله» أن يتولى منصب قاسم سليماني، مسؤول الحرس الثوري الكبير الذي قتل بنار أميركية في العراق قبل سنة. رفض نصر الله، على حد قول الضابط، لأنه وطني لبناني.
نادراً ان تمتدح إسرائيل اعداءها. ونادراً اكثر أن تكون هذه هي الكلمات التي يختارها المتحدث. تصوروا أن يمجد نصر الله رئيس الاركان بصدق على قرار اتخذه أو يصف رئيس شعبة العمليات او قائد المنطقة الشمالية او رئيس شعبة الاستخبارات بالوطني.
ينبغي الافتراض بأن هذه لم تكن زلة لسان. فضباط هيئة الاركان خبراء في مثل هذا النوع من المقابلات. كما أن المنصة اختيرت بعناية.
يوجد جوابان محتملان للسؤال لماذا منحت تل أبيب نصر الله مداعبة تحبب. الايام هي أيام توتر إقليمي. ترامب لا يزال هنا. وللإيرانيين حساب مضاعف معهم. الأول، بأنه قتل سليماني، والثاني باشتباههم بأن رجاله شاركوا في السر في قتل العالم النووي فخري زادة. وعلى حد فهمهم إسرائيل قتلته، وينبغي الافتراض بأنهم غير مخطئين. عندما تُذكر إسرائيل نصر الله والجمهور اللبناني بأنه في لحظة حاسمة رفض هجر الوطن لصالح مغامرات خطيرة في خدمة الجمهورية الاسلامية، فإنها على حد نهجها، تعزز اختياره.
جواب ممكن آخر يتعلق بالمفاوضات بين إسرائيل ولبنان على ترسيم الحدود. فحقول الغاز التي اكتشفت في أرضية البحر بين الدولتين تستوجب ترسيم الخط. وذلك كي نعرف بدقة نصيبنا من هذا الكنز وما هو نصيبهم. قيادة «حزب الله» لا تدير المفاوضات عمليا. وهذه توجد في يد حكومة لبنان والرئيس ميشيل عون. ولكن بوسعها أن تؤثر عليها، بل أن تحرفها عن مسارها اذا لم تعجبها النتيجة. فمثلا، ممارسة الضغط على المفاوضين او معارضة العروض التي تطرح. المحادثات، التي تدار بوساطة أميركية، اصطدمت بمصاعب بالفعل. واذا ما نجحت فستمر خمس سنوات على الاقل الى أن يتمتع لبنان، الجائع لكل دولار، بالغاز الطبيعي.
من أجل ان تنضج الاتصالات، فإن على المشاكس في السياسة اللبنانية أن يسمح بذلك دون عراقيل. ينبغي الافتراض بأن الطاقم الإسرائيلي يأخذ هذه المشكلة بالحسبان، بل يعطيها جوابا في اتصالاته غير المباشرة مع الوفد اللبناني. ولكن دبلوماسية الثناء لن تضر اصحابها أبدا. تعالوا نعلن أن نصر الله وطني، فلعل ذلك يقلل دوافعه ليركل الدلو. عن ذلك يقول بتهكم المثل العربي: «اذا كنت تريد شيئا من الكلب فقل له الحاج كلب».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق