قراءة النصوص وأهميتها في إتقان اللغة

22 نوفمبر 2020 - 07:24
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

أعادني النظر في تسع ترجمات لقصة (كافكا) «التحول» إلى خريف ١٩٨٧ وشتاء ١٩٨٨ وتعلمي الألمانية في حينه، وإلى تجربتي المريرة في الامتحان النهائي، حيث لم أوفق في اجتيازه واضطررت إلى إعادته بعد شهر.
أنفقت ستة أشهر في تعلم الألمانية، وهي فترة غير كافية للتمكن من قراءة نصوص أدبية، فالإلمام بالنحو وإتقانه لا يمكنان من قراءة نص أدبي أو كتابة مقال كتابة سليمة متينة خالية من الركاكة والضعف، فالكتابة تتطلب أكثر من معرفة أساسيات اللغة.
إنها تتطلب قراءة نصوص أدبية وغير أدبية مصوغة صياغة أنيقة.
ولسوف أنفق سنوات ثلاثاً أخرى أقرأ فيها الكثير من المقالات والقصص وبعض الروايات، ولكني لم أتمكن من ترجمة نصوص أدبية لأدباء ألمان أو كتبوا بالألمانية، وجل ما استطعت ترجمته ونجحت هو دراسات أدبية أو مقالات سياسية، وغالباً ما كانت تمت إلى تخصصي بصلة، ولو طلب مني أن أترجم غيرها مما لا يمت إلى تخصصي لوجدت صعوبة بالغة.
وأنا أقرأ ما كتبه جورج طرابيشي عن حياته وتعلمه اللغة وإتقانه لها، عرفت أنه ترجم العديد من كتب (هيغل) مثل «المدخل إلى علم الجمال» و»الفن الكلاسيكي» و»الفن الرومانسي» و»الفن الرمزي» وأكثر كتب (فرويد) عن الفرنسية لا عن لغتها الأم الألمانية، وقد قال إنه أتقن الفرنسية كتابة وقراءة ولكنه لم يتقنها محادثة، مع أنه أقام في فرنسا خمسة عشر عاماً.
ويقرّ بأن الترجمة عن ترجمة خيانة مزدوجة، ولكنها في حالته، حيث ترجم عن الفرنسية لا عن الألمانية، كانت ضرورية للقارئ العربي، فالترجمات عن الألمانية، يوم أقدم على الترجمة، كانت قليلة جداً لقلة المترجمين عن الألمانية مباشرة، ولا أعرف ماذا يقول الألمان عن ترجماته كونها تمّت عبر لغة وسيطة.
في تتبع ترجمات قصة (كافكا) المذكورة لاحظت أن أكثرها تم عن الإنجليزية - ثمة ترجمة عن التشيكية - وأقلها عن الألمانية، وحين تتبعت ترجمة الصفحة الأولى لاحظت اختلافاً واضحاً بينها ولم ألحظ تطابقاً حتى بين الترجمات الثلاث التي تمّت عن الألمانية.
ماذا سنلاحظ لو أخذنا سطرين من كل ترجمة من الترجمات التسع؟
وأعود إلى تعلمي الألمانية.
عندما تقدمت إلى الامتحان الشفهي الذي سيقرر النتيجة أراد الممتحن مساعدتي فسألني عن تخصصي واختار لي نصاً من نصوص (برتولد بريخت) القصيرة «قصص السيد كوينر»، وبدلاً من أن يسعفني النص في اجتياز الامتحان أوقعني فيما لا تحمد عقباه.
لقد كان نصاً قصيراً مربكاً ذا دلالة رمزية مكثفة، عدا أن صياغته معقدة من حيث دقة كاتبه في الاعتماد على الضمائر.
ظل نص (بريخت) في مخيلتي ولم يبارحها، وفي ٨/ ١١/ ١٩٨٨ - أي بعد خمسة أشهر - اشتريت كتاب «قصص السيد كوينر» لأقرأ النص من جديد وأفهم بهدوء معناه، ومرت سنوات وظل النص يراودني وفي نفسي شيء منه، وأزعم أنني حتى الآن غير راضٍ عن فهمي وترجمتي له، ولهذا لم أجرؤ على نشرها.
وأنا أقرأ عن ترجمات قصة (كافكا) عدت إلى ترجمتي قصة (بريخت) «طريقة ضد القوة» وقرأتها فلم أرضَ من جديد عنها وحمدت الله أنني لم أنشرها.
انظروا كيف بدت ترجمة أول سطرين من ترجمة «التحول»:
«ما إن أفاق غريغور سامسا، ذات صباح، من أحلامه المزعجة، حتى وجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة».
«استيقظ «جريجور سامسا» ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم».
«ذات صباح، استيقظ غريغور سامسا من نومه، وكان مسترسلاً في حلم مزعج، فوجد نفسه وهو على سريره، قد تحول إلى حشرة ضخمة».
«إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة».
«عندما استيقظ غريغور سامسا من نومه ذات صباح عقب أحلام مضطربة، وجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة».
«ذات صباح استيقظ «جريجور سامسا» من نوم عكرته الأحلام المزعجة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة مرعبة».
«ذات صباح أفاق جريغور سامسا من أحلام مزعجة ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة رهيبة».
«آفاق رشيهورش سامسا صباح ذات يوم من أحلام مزعجة ليجد نفسه مستلقيا عن الفراش وقد تحول إلى حشرة متوحشة..» (عن التشيكية).
ولم تكن الحشرة متوحشة ولا مرعبة ولا رهيبة، فقد تعامل معها أهل البيت بهدوء.
لو كانت المساحة تتسع لأدرجت الصفحة الأولى كاملة من كل ترجمة، ولربما اتضح الأمر أكثر، ولكن... .

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق