ليس تطبيعا و لكن متغيرات تعصف بالمنطقة

28 أكتوبر 2020 - 07:45
سميح خلف
صوت فتح الإخباري:

لا نفهم من تمرير المصطلحات ولكل مرحلة مصطلحاتها التي تخرج عن التشخيص الحقيقي للمرحلة ، وربما يعود ذلك لارتباط القيادة او النظام السياسي بما سلف وعدم الخروج الى حيز التعامل مع مرحلة جديدة بمعطياتها وحقيقتها و هي من مظاهر الفشل و الهزيمة .

فالتطبيع هو احدى المصطلحات التي غزت عقول السياسيين و الدبلوماسيين وغزت الاعلام ايضا بكل تنوعاته كخطاب يخاطب الشعوب بين من هو رافض للظاهرة و من هو موافق على تلك الظاهرة بدون الرجوع لمعاني المتغيرات التي لها منظور استراتيجي سيقلب كل شيء في المنطقة وهو ايضا من مؤثرات التأرجح و الاستنفارات والاستقطابات في المنظومة الاقتصادية الدولية .


 
ربما احدثت فترة رئاسة ترامب لأمريكا كثير من المتغيرات سواءا على المستوى الداخلي الامريكي او على المستوى الخارجي وتعامله مع الازمات سواءا مع الازمة الايرانية او الكوريا الشمالية او بالنسبة لأنداده الاستراتيجيين الصين وروسيا و التي لكل منها مجال في التفوق على الامريكان نفسهم و امام هذه المتغيرات و الحسابات تأتي منطقة الشرق الاوسط بكل ازماتها في اطار تنظيم القوى الاقليمية في المنطقة تمهيدا لمتغيرات دولية وصناعة الاصدقاء وصناعة الاعداء في نفس الوقت .

عبر القرن الماضي كانت القضية الفلسطينية هي القضية الاولى في منطقة الشرق الاوسط و المنطقة العربية الا ان اواخر القرن الماضي حمل ارهاصات التغيير لما يحدث في القرن الذي يليه وهو القرن الحالي من اتفاقيات سلام بالمعنى الرسمي وليس بالمعنى الشعبي بين حكومات عربية و لم تخرج لحيز التنفيذ على مستوى منظمات المجتمع المدني و المؤسسات الاخرى الشعبية فهي اتفاقيات مقيدة مثل كامب ديفيد ووادي عربة ولكن ايضا في اواخر القرن الماضي دخل الفلسطينيون بمنظمة التحرير بالاعتراف باسرائيل كوجود على غالبية فلسطين وجمدوا الميثاق او حذفوه من دائرة فعلهم وبرامجهم و اعداداتهم كان هذا في 1993 .


 
بعد ايام معدودة ستأتي ذكرى وعد بلفور فلم تعد اللاءات الثلاث موجودة الان بعد سقوط مكان انطلاق تلك الاءات الثلاث في الخرطوم عاصمة السودان العربي ، فلم يعد مجديا ولا مقبولا سياسيا و دبلوماسيا ان يطالب البعض بأن تعتذر بريطانيا عن وعدها ، هذا الوعد الذي انطلق في 2 نوفمبر ، فالمعنيين بالصراع العربي و بإرهاصات التغيير عربيا و فلسطينيا اعترفوا بهذا الوعد و اقاموا العلاقات الدبلوماسية و السياسية والامنية والاقتصادية مع اسرائيل ، اما الفلسطينيون فقد وقعوا في حفرة غائرة العمق ليس من السهل الخروج منها و من خلال اوسلو وتعهدات النظام السياسي بوجود اسرائيل و حفظ امنها والتطلع على علاقات حسن الجوار و التعاون الامني والاقتصادي و الثقافي مع اسرائيل .

القطار تحرك بقوة وبقوة دفع كبيرة قادها الرئيس ترامب لتغيير جوهري في منظور الصراع فلم تعد قضية التحرير هي برنامج للأمة ولم تعد مصطلحات القرن الماضي ان تكون صالحة لهذا القرن ، مثلا "الصراع العربي الصهيوني" و من ثم "الارض مقابل السلام" وربما يختفي مصطلح "حل الدولتين" وربما تظهر ديموغرافيا جديدة في تلك المنطقة لكيانات اخرى اما الفلسطينيون فخيار الدولة الواحدة خيار مستبعد و يبقى المجال مفتوحا للالحاق لقوى اقليمية مجاورة بكونفدراليات او فيدراليات او كيانيات كانتونية سقفها اداري امني ضمن تصور عام بحل اقتصادي للمنطقة يكون الفلسطينيون فيه بلا ايقونة واضحة على الاقل في سنوات كثيرة من هذا القرن .

كثير من الانظمة العربية تحبذ ان يفوز ترامب على جو بايدن ولكن الدولة العميقة الامريكية سواءا فاز هذا او ذاك فلن تسطيع الا الاستمرار فيما وضعه ترامب من تصورات للمنطقة وربما ان ترامب هو الرجل المنفذ لاستراتيجيات الدولة العميقة .

وعندما نقول ان ما يحدث من اتفاقيات وتوافقات و معاهدات بوجود الاب الامريكي للجميع مع اسرائيل ليس تطبيعا بل هي خطوات مهمة تتجاوز التفكير الكلاسيكي لازمات المنطقة التي تراجعت فيها التعريفات و البرامج و المبادرات للقضية الفلسطينية ، فما يحدث الان ليس تطبيع للسلام كما يقولون فالدول التي وقعت على معاهدات مع اسرائيل ليست دول مواجهة وليست في حالة حرب ايضا ولكن بالشعور الاخوي و المنطق العروبي ساعدت الفلسطينيين فقط لا غير ولكن تأتي تلك المعاهدات في رسم خطوط اقتصادية وتكنولوجية و ثقافية و خطوط تجارية في المنطقة بأكملها ليس للفلسطينيين مكان فيها و ما هو معمول في خطوط التجارة الدولية قديما لن يكون الان صالحا مثلا كالمضايق هرمز و باب المندب و قناة السويس فهناك خطط موضوعة وجاهزة لقطار ينطلق من ميناء حيفا و اسدود ليصل لأخر دولة او امارة في الخليج ، منظومة سكة حديد كبيرة للنقل و كذلك قناة البحر الميت التي تربط البحر الاحمر بالبحر الميت وربما ينشأ قناة تربط البحر الميت بميناء حيفا او ما يجاورها ، اذا الاتفاقيات ليست بغرض ما يسمى بالتطبيع بل هي ربط لكل دول المنطقة بمربع اقتصادي متكامل وتكنولوجي ايضا و اوكلت المهمة بالنيابة عن امريكا واوروبا لاسرائيل كقوة اقليمية امنية و اقتصادية مقابل ايران وتركيا و اعتقد بالمفهوم الاقتصادي ان اوروبا هي المستفيدة و الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات من خفض تكاليف النقل و التجارة و الغاز و البترول كبديل للممرات السابقة ، الذين يشجبون التطبيع ويبكون و يتألمون و يصرخون و يشتمون ، التاريخ لا يمكن ان يعود للخلف و عجلات الزمن و عقاربه لا يمكن ان تتجمد على اماني سابقة و الشعب الفلسطيني في ظل تلك القيادة المتجمدة بفصائلها لا يمكن ان يصنعوا جديدا للشعب الفلسطيني فما كان يمكن ان يحققوه الفلسطينيون في الماضي و فشلوا ولم يستطيعوا لعجز قيادتهم و نرجسياتها الكبرى في بناء ذاتها فقط لا يمكن ان يحققوه الان و من المطلوب الان من الفلسطينيين ان يفكروا خارج الصندوق "صندوق الماضي" فاستدعاء السفراء لن يحل ازمة و يجب ان يتعاملوا بواقع جديد من وحدة وطنية ان استطاعوا وان تعترف تلك القيادة بفشلها و تغادر ولتترك الواقع للشعب و طلائعه الميدانية لخلط الاوراق الاقليمية والدولية و المحلية ايضا ليستطيع ان يجد له ايقونة ولو مربع صغير في ظل هذه المتغيرات الجارفة سواءا فاز ترامب او بايدن فالقطار قد تحرك ولا يمكن ان يقف فما كان مهما فيا لسابق اصبح ثانويا و هناك مستجدات و سباق تديره تلك القوى بأيقونتها الاقليمية و القطرية لتجد لها مكان من المصالح و الفوائد في تلك المتغيرات و ربما سنجد قريبا قواعد عسكرية و استغلال للسلة الغذائية في الوطن العربي السودان من خط سكة حديد و شركات عملاقة اسرائيلية تستغل اراضي السودان الخصبة بثرواتها الزراعية والحيوانية والتنقيب عن الذهب و البترول .

اذا الفلسطينيين اين هم من تلك المتغيرات .

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق