"أمـيركـــــا أولاً": انـتـصــــارات وخسـائـــــر

23 أكتوبر 2020 - 12:13
صوت فتح الإخباري:

بقلم: جيل باري

كرر دونالد ترامب كلمة «السيادة» 21 مرة في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 أيلول 2017. أكد الرئيس الأميركي الجديد على المسار المحدد خلال الحملة: «أميركا أولاً».  ليس ذلك مجرد شعار، بل صورة لرؤية العلاقات الدولية التي تقوم على الأحادية، وغياب التواصل، وإعادة النظر في العلاقات مع الحلفاء والأنظمة الاستبدادية، وتجاهل الخلافات السياسية السابقة. يقول ترامب: «بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة، سأضع أميركا دائمًا في الصدارة. وأنتم كذلك كقادة لبلدانكم، نصّبوا دولكم دائما في المقام الأول، ذلك ما يجب فعله».
عندما يتعلق الأمر بالشأن العالمي، تتسم نظرة دونالد ترامب بالقتامة نسبيا. فهو يعتبر أن شركاء الولايات المتحدة يستغلون التحالفات بشكل منهجي ويسيئون توظيف «إحسان» الولايات المتحدة. في مقابلة مع مجلة «نيوزويك» في سنة 1987، قال رجل الأعمال ترامب: «أكره أن أعتمد على أصدقائي. أنا لست شخصًا يمنح ثقة للآخرين. أريد فقط أن أعتمد على نفسي».
إنّ ترامب من أتباع النسبية الذين يقللون من شأن الطابع الاستثنائي لأميركا. كما لاحظ المؤرخان تشارلي لادرمان وبريندان سيمز، فإن دونالد ترامب، المولود سنة 1946، قد عايش ثلاث مآزق عرفها التاريخ الأميركي؛ أولا في كوريا عندما كان طفلًا، وفي فيتنام في شبابه، وفي إيران عندما انخرط في عالم الأعمال. وفي الوقت الذي كانت فيه القوة الأميركية، وخاصة العسكرية، ساحقة، غذّت هذه المآزق موقفًا لدى الرأي العام مفاده أن كل عقبة هي بالضرورة نتيجة فشل في القيادة.

كرة مدمرة
عرفت السياسة الخارجية لدونالد ترامب انقطاعات عديدة. وقد أوفى وعده حقا في التشكيك في الاتفاقات التي أبرمها سلفه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما أو قبل تلك التي سبقت الإدارة الديمقراطية على حدّ تعبيره خلال الحملة الرئاسية. أحبط ترامب مشروع إنشاء منطقة تجارة حرة بين البلدان المطلة على المحيط الهادئ بمجرد وصوله إلى مكتب البيت الأبيض. إثر ذلك، ألغى مشاركة الولايات المتحدة في اتفاقية باريس للحدّ من الاحتباس الحراري بعد أشهر قليلة وكذلك اتفاقية تسوية حول الطاقة النووية الإيرانية. وفي وقت لاحق، سيحين دور معاهدات الحد من التسلح المبرمة مع روسيا.
كانت التعددية، هي الضحية الجانبية الرئيسية التي دعستها هذه الكرة المدمرة، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية في تموز، في خضم وباء كوفيد-19. تجلى ازدراء ترامب للأمم المتحدة في سنة 2019 من خلال تعيين السفيرة، كيلي كرافت، التي تفتقر إلى الثقل السياسي ولا تتمتع حتى بدرجة وزير التي كانت حاصلة عليها سلفها، نيكي هايلي.
ما زاد الطين بلة هو تصاعد التوتر مع حلفاء واشنطن، وخاصة الأوروبيين. ما فتئ دونالد ترامب يردد بكل ثبات في شباط: «أوروبا عاملتنا معاملة سيئة للغاية. لقد أنشئ الاتحاد الأوروبي بالفعل حتى يعاملون بشكل سيئ للغاية (...) كان هذا أحد الأسباب الرئيسية لتأسيسه».
فُرضت عقوبات على ألمانيا بسبب «الديون المعدومة» المزعومة لحلف الناتو وتمّ تقليص عدد الجنود الأميركيين المنتشرين على الأراضي الألمانية إلى الثلث، رغم أنها المرساة الرئيسية للقوات الأميركية في أوروبا. تعرضت كوريا الجنوبية لابتزاز وذلك باستغلال موقع واشنطن الاستراتيجي. يقول ترامب في سنة 2018 خلال إحدى زياراته النادرة للقوات المنتشرة خارج الولايات المتحدة وفي العراق تحديدا: «نحن منتشرون في جميع أنحاء العالم. نحن منتشرون في بلدان لم يسمع عنها غالبية الناس».

استراتيجية الرجل المجنون
وقال بنيامين حداد، من مؤسسة المجلس الأطلسي البحثية الواقع مقرها في واشنطن: «لقد أثبت دونالد ترامب أن سياسته متوقعة للغاية، وذلك من خلال نشر سياسة خارجية قومية وأحادية الجانب، لا يمكن وصفها بأنها انعزالية لأنها هذا المفهوم يعود إلى القرن التاسع عشر». وبشكل مثير للاشمئزاز، يتفاخر دونالد ترامب بمبلغ 2 تريليون دولار الذي وقع ضخه في البنتاغون، بفضل إنكار الجمهوريين لعقيدة الميزانية المتوازنة.
لكن هذه القوة العسكرية التي وقع مضاعفة سلطتها ليست سوى قوة رادعة. وقد مكنته الظروف المناسبة من الوفاء بأحد التزاماته الأخرى، فقد كان أول رئيس منذ رونالد ريغان لم يُشرك بلاده في صراع واسع النطاق، بسبب «الإرهاق» الأميركي بعد عقدين من الزمان من «الحروب التي لا نهاية لها».
بسبب الافتقار إلى نموذج مثالي ينبغي الالتزام به، أصبح «الضغط الأقصى» هو رد فعل واشنطن. في مقابلة له مع صحيفة لوموند، استخلص المفكر والعالم السياسي روبرت كاغان الدروس من هذه الاستراتيجية قائلا: «لطالما وقع اختصار النقاش حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة في كثير من الأحيان إلى المعارضة بين الاشتراكية الدولية والانعزالية. ومع ذلك، هناك بديل آخر وهو الأحادية الحقيقية. في الوقت الحالي، أصبحت الأحادية واقعا، وهو ما يقودني إلى فكرة «القوة العظمى المارقة» التي تشير إلى أميركا النشطة جدًا والقوية جدًا، والتي لا تفكر سوى بنفسها».
في محاولة لكبح طموحات كوريا الشمالية النووية، انتهج دونالد ترامب في فترة معينة المسار الكلاسيكي المتمثل في العقوبات الدولية إلى جانب التصعيد الكلامي. ويقول بنيامين حداد إنه «اعتمد في البداية ‹استراتيجية الرجل المجنون› ضد بيونغيانغ» من خلال التهديد من نفس منصة الأمم المتحدة «بتدمير» نظام كوريا الشمالية بالكامل»، لكن هذا النظام «فهم لعبته جيدًا».
بعد تصاعد التوترات التي أججتها التجارب النووية والباليستية التي قامت بها كوريا الشمالية، فُتحت قناة دبلوماسية بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون. أتاح ذلك عقد ثلاثة اجتماعات قمة ووضع رئيس الولايات المتحدة خطواته الأولى على الأراضي الكورية الشمالية في المنطقة منزوعة السلاح، ولكن دون أي نتيجة.

عزل الولايات المتحدة
بلغت استراتيجية «الضغط الأقصى» ذروتها مع إيران، على حساب عزلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، التي عكسها عجزها عن إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي رُفعت بموجب الاتفاق النووي الإيراني، بشكل آلي.
ودفعت مطالب واشنطن إلى طرح تساؤلات حول أهدافها: مفاوضات جديدة أو تغيير نظام؟ لكن، لم يسفر عن استراتيجية العقوبات القاسية هذه سوى ركود اقتصادي هائل، واستئناف طهران لأنشطة تخصيب اليورانيوم من جانب واحد، وتعزيز الجناح المتشدد في إيران. وقد أظهر الأسلوب ذاته نتائج مماثلة في فنزويلا، على الرغم من الدعم الدولي الذي حظيت به الولايات المتحدة في جهودها للإطاحة بنيكولاس مادورو.
على الرغم من الأساليب المتناقضة تمامًا، إلا أن هذه السياسة الخارجية أظهرت أوجه تشابه بين تلك التي اتبعها باراك أوباما، والتي من بينها نية وقف التدخل في مسارح الحروب في أوروبا والشرق الأوسط، دون تطبيق ذلك.
ومع ذلك، اعتمد الرئيسان وسائل متعارضة كليا، خاصة في الشرق الأوسط. فقد أعطى دونالد ترامب الأولوية لبناء محور عربي إسرائيلي في مواجهة إيران على حساب الاصطفاف غير المسبوق وراء الدولة العبرية. وقد تحقق ذلك من خلال سلسلة من «القرارات»، بدءا بنقل السفارة الأميركية بصفة أحادية إلى القدس، وهي قرارات ربما تكون قد «قبرت القضية الفلسطينية»، بحسب بنيامين حداد. وسيكون هذا الأمر الإرث الأكثر ديمومة لرئاسته.
على عكس تصريحات دونالد ترامب، هناك تشابه على مستوى التعامل مع القضية الصينية بينه وبين سلفه. «مع دونالد ترامب، تسارع إدراك التنافس الاستراتيجي مع الصين. لكن في عمود نشره في نهاية فترة ولايته، ذكر أوباما بوضوح أن الشراكة العابرة للمحيط الهادئ تهدف إلى احتواء الصين، على الرغم من أن الرئيس الديمقراطي لم يتخل عن أمل التقارب السياسي مع بكين الذي حافظت عليه الإدارات السابقة»، حسب بنيامين حداد، الذي أضاف أن شي جين بينغ الذي يترأس البلاد سنة 2020 يختلف كثيرا عن الرئيس الذي تولى السلطة في بكين سنة 2013.
يذكر ستيفن والت، الذي يدرّس العلاقات الدولية في كلية كينيدي بجامعة هارفارد والذي يدافع عن مقاربة «واقعية» للسياسة الخارجية: «وعد ترامب بالعمل بشكل أحادي الجانب في مجالات التجارة والأمن. وقد فعل ذلك بالتأكيد في كلا المجالين، وبشكل أكثر إثارة للدهشة مما وعد. لسوء الحظ، ألحقت إدارته غير الكفؤة للشؤون الخارجية والداخلية أضرارا جسيمة بمكانة أميركا العامة. فقد باتت الولايات المتحدة أقل شعبية وموثوقية وتُعتبر أقل كفاءة، لا سيما مقارنة بموقفنا في العام 2016».  
في غضون أربع سنوات، تضررت صورة الولايات المتحدة، على الرغم من أن دونالد ترامب أقسم أن بلاده «تحظى بالاحترام مجددا». ويتابع ستيفن والت: «ما زالت الولايات المتحدة الدولة الأوسع نفوذا في العالم، لكن موقفنا العام أضعف. سينتهي بنا المطاف بمبدإ «أميركا ثانيا»، وليس «أميركا أولا» إذا استمرت هذه الاتجاهات».

المصدر: لوموند

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق