"الرجوب والشاباك".. علاقة لا حدود لها.. جلسات دورية وترتيب أمني مريب.. مؤامرة ضد البرغوثي

23 أغسطس 2020 - 23:30
صوت فتح الإخباري:

عقد المجلس الثوريّ في حركة "فتح" يوم مساء الاثنين (17.08.2020) اجتماعاً في مقره في رام الله لمناقشة أمر جمال الرجوب، وهو ضابطٌ سابق في جهاز الأمن الوقائيّ ومعتقلٌ في سجون الاحتلال منذ عام 2002، ويُمثّل الأسرى في سجن ريمون. جاء الاجتماع بعد رسالةٍ مُفصّلة (حصل متراس على نسخةٍ منها) أرسلها مؤخراً عميدُ الأسرى كريم يونس إلى الحركة، يدعو فيها للوقوف بحزمٍ أمام الرجوب متهماً إياه بأنّه "سقط عميقاً في مستنقع التعاون".

بحسب رسالة الأسير يونس فإنّ نفوذ الرجوب يمتدّ إلى أبعد من سجن ريمون، إذ تجري محاولات فرضه كممثلٍ عامٍّ لحركة "فتح" في السجون، وبصلاحياتٍ واسعة للتدخل في باقي الأقسام. وبحسب الرسالة، فإنّ الرجوب يتعاون مع مصالح وأجندات إدارة السّجون والمخابرات الإسرائيليّة، وأنّ هذه الأطراف باتت تحميه وتعمل على تمكينه أكثر وأكثر.

ما الذي يفعله "ضابط الارتباط"؟

تعرض الرسالة بالتفصيل دور جمال الرجوب داخل السّجن، والذي يتنوع بين الوشاية عن الأسرى ونشاطهم والتعاون مع إدارة مصلحة السجون، وبين جهوده المستمرّة لإفشال أي خطوات احتجاجيّة ضدّها. ليس هذا فحسب، بل عمل الرجوب على استغلال "نفوذه" وعلاقاته للتكسّب والمتاجرة بمعاناة الأسرى.

جاء في الرسالة أنّ الرجوب نسج علاقاتٍ متينةً مع إدارة مصلحة السجون، ويعقدُ جلساتٍ دوريّةً مع الشاباك. بل إنّ علاقته معهم امتدّت إلى مرافقته لضباط من استخبارات السّجون، وآخرين من ضبّاط الشاباك في جولةٍ ميدانيّة في منطقة مستوطنة غوش عتصيون، شمال الخليل. وبحسب الرسالة، فإنّ الرجوب لم يُنكر هذه الجولة، لكنه رفض الإفصاح عن أهدافها. يكشف هذا النوع من الجولات أنّ نفوذ جمال الرجوب تجاوز السجن ليصبح جزءاً من الترتيبات الأمنية خارجه، ما يعني تهيئته للعلب أدوار أبعد وأخطر من حدود المعتقل.

وبحسب رسالة يونس، فإنّ جمال الرجوب متورطٌ بالوشاية على الأسرى، إذ شكّل شبكة من الاتصالات لجمع البيانات من داخل السّجن وخارجه، ثمّ نقلها لسلطات الاحتلال. كما تتهمه رسالة يونس بالتحريض على الأسرى بشكلٍ عامٍ، وعلى أسرى "حماس" بشكلٍ خاصّ، وحثّ الإدارة على اتخاذ إجراءاتٍ ضدّهم، وتفتيش معتقلاتهم.

أيضاً تتهمه الرسالة بالوقوف خلف الوشاية على النائب في الكنيست باسل غطّاس، إذ أبلغ مدير استخبارات السّجون يوفال بيطون بأنّ غطّاس يستغل حصانته البرلمانيّة لتهريب الأجهزة النقالة للأسرى. على إثر تلك المعلومات، نَـصَبَ الشاباك خلال عام 2017 كميناً لغطّاس، وزرع كاميرات سريّة وأجهزة تنصّت في الغرفة المخصصة للقائه بالأسرى، وحُكم عليه بسبب ذلك بالسّجن عامين.

ولم يوّفر الرجوب جهداً في إفشال الإضرابات. مثلاً، أرسل رسالةً إلى أبو مازن، خلال إضراب الكرامة عام 2017، قال فيها إنّ الإضراب "سياسيّ" وهدفه "الانقلاب على أبو مازن" من قبل مروان البرغوثي و"زمرته" على حدّ وصفه. خلال ذلك الإضراب، حرّض الرجوب على الأسرى المشاركين فيه، وطردهم من أقسام السجن بعد عودتهم إليه عقب انتهاء الإضراب.

ولم تكن تلك المرة اليتيمة، فقد سبق أن اتهم عددٌ من الأسرى جمال الرجوب بإفشال بعض النشاطات الاحتجاجيّة، ومنها إضراب عام 2004، وإضراب عام 2012. في الأخير، اعتدى جمال على مجموعة من أسرى "فتح" الذين شاركوا "حماس" في الإضراب، وهدّدهم بقطع رواتبهم إن لم يفكوا إضرابهم، وهو ما حصل في نهاية المطاف.

وعلى صعيد المتاجرة، تقول الرسالة إنّ جمال الرجوب عمل من خلال علاقاتِه على استصدار تصاريح للدخول إلى مناطق الـ1948 لعشرات الأسرى المُحرّرين وأقاربهم (الذين هم في الغالب ممنوعون أمنيّاً، ويستحيل حصولهم على تصاريح)، مقابل مبالغ ماليّة تتراوح بين ألف إلى ثلاثة آلاف شيكل لكلّ تصريح. كما باع الرجوب للأسرى أجهزة نقالة، بأسعار تصل إلى 50 ألف شيكل للجهاز. بل إنّه يتاجر ببيع الدقائق من أجهزة نقالة معه لِمَن يُـريدُ الاطمئنانَ على أبناء عائلتِه، رغم أنّ الفاتورة مدفوعة من قبل السّلطة وهيئة شؤون الأسرى، وذلك بحسب ما ينقله كريم يونس.

في ظلّ كل ذلك، اتخذت مؤخراً الهيئة التنظيميّة المنتخبة في سجن ريمون قراراً بإيقاف الرجوب عن منصبه كممثل للأسرى، بعد أن أخذ كريم يونس المبادرة في محاولة إعادة السّيطرة على الأمور، تدعمه في ذلك قيادات فتحاويّة أخرى مثل: خليل سراحنة. لكنّ جمال الرجوب ردّ على القرار بتشكيل "لجنة تحقيق" لكريم يونس والتهجم على عدد من الأسرى، وقد قامت مصلحة السّجون على إثر ذلك بعزل يونس وآخرين. وفي السياق نفسه، أصدر تنظيم مخيم الدهيشة في "فتح" في يونيو/ حزيران الماضي بياناً تتحدث فيه عن الهجوم الذي شنّه الرجوب على الأسير خليل سراحنة، واتهمته صراحة بالتعاون مع مصلحة السّجون.

استهداف الأسرى في سياقه الأوسع

وإن كانت الرسالة التي كتبها يونس تُركّز على نشاط جمال الرجوب، إلا أنّها تُلقي الضوء كذلك على جانب من الجهود المتواصلة التي تقوم بها قيادات في السّلطة الفلسطينيّة من أجل إضعاف الحركة الأسيرة، وضرب نفوذها، والتضييق على تيار مروان البرغوثي داخل حركة "فتح". وقد شكّل إضراب الأسرى عام 2017، والذي قاده البرغوثي، تكثيفاً لمحاولة إعادة السيطرة على الأوضاع، ومحاولةً لحسر نفوذ جمال الرجوب ومن معه. وللتصدي لهذه المحاولة كان جبريل الرجوب، أمين سرّ اللجنة المركزية لحركة "فتح"، يعمل خارج السّجن بتكليف من الرئيس محمود عباس.

في العام 2014، وبعد سلسلة ضغوط أميركية إسرائيليّة على الحكومة الفلسطينيّة، أُخرجت منها وزارة الأسرى، وحُوّلت إلى "هيئة" منضوية تحت إطار منظمة التحرير. ومن ثمّ عمل جبريل الرجوب على تقويض الهيئة، ولاحقاً "نادي الأسير".

نتيجة لذلك، عُزِل عيسى قراقع في العام 2018 من منصبه كمدير للهيئة، وعُيّن مكانه لواء متقاعد من الأمن الوقائي، وهو قدري أبو بكر، المحسوب على تيار الرجوب. وهي خطوة باركها جمال الرجوب في رسالة من داخل السجن. وكان قراقع قد أيّد إضراب البرغوثي في 2017، واعترض كذلك على قطع مخصصات ورواتب أسرى "حماس" من غزّة. وبعد إقالة قراقع بحوالي 5 أشهر، شهدت الهيئة سلسلة من الإقالات طالت 11 محامياً، قيل في حينه إنّ فحصاً أمنيّاً أجرته الأجهزة الأمنية الفلسطينيّة عنهم أدّى إلى التوصية بعدم تجديد عقودهم، وإنّهم كانوا يقفون عائقاً أمام تنفيذ "مصالح خاصّة" في الهيئة.

بالتزامن مع ذلك، عمل جبريل الرجوب على إنهاء عمل "نادي الأسير" في تمثيل الأسرى قانونيّاً ليحصر ذلك فقط في الهيئة التي ضمن ولاءها. وبما أن "نادي الأسير" جمعية غير حكوميّة، لم يستطع الرجوب عزل فارس قدورة، رئيس النادي، إلا أنّه تدخل لإيقاف الميزانيّة الشهريّة التي تدفعها السّلطة للنادي.

وهكذا في يوليو/ تموز من عام 2018، أوقفت وزارة الماليّة الفلسطينيّة صرف ميزانية تُقدر بحوالي 75 ألف شيكل شهريّاً. نتيجة لذلك، لم يتلق محامو النادي وبعض من موظفيه رواتبهم لشهور طويلة. وقد كان قطع الرواتب هذا مُقدمة للضغط من أجل "إعادة هيكلة النادي وتحديد صلاحياته"، من خلال مفاوضات قادها جبريل الرجوب.

نتيجة لوقف هذه الميزانيّة، وبعد عامين من الضغوط والتضييق، اضطر "نادي الأسير" في يوليو/ تموز الماضي، لإغلاق جميع فروعه في الضفة الغربية، ما عدا فرع رام الله، وفرع قلقيلية (لأنّ المكتبين هناك مملوكان للنادي، ولا تقع فيهما تكاليف استئجار).

جزء من كلّ..

بالتزامن مع انحسار الانتفاضة الثانيّة نهاية عام 2004، بدأت الحركة الفلسطينيّة الأسيرة تشهد تراجعاً على مستوى دورها النضاليّ. بدأ منذ تلك الفترة تقريباً العملُ على تفكيكها، وإخراجها من الفاعلية السياسيّة، والمثابرة على إفشال أي خطوات نضاليّة أو إضرابات جماعيّة تشهدها السّجون. كما بدأ العمل على تفكيك المؤسسات العاملة والراعية لقضايا الأسرى، وصولاً إلى قطع مخصصات الأسرى وإغلاق حساباتهم البنكيّة. كلّ ذلك يجري بالتزامن مع خفوت التضامن الشعبيّ مع قضاياهم.

على مدار تاريخ القضية الفلسطينيّة، تشكّلت طليعة القيادة الوطنيّة للفصائل من جمهور الأسرى المُحرّرين، إذ عادةً ما يتقلدون مراكز قياديّة بعد خروجهم من المعتقل، ومن هنا تكمن خطورة استهدافهم بشكلٍ أساسيّ. ضمن هذا السّياق، تأتي سياسة إضعاف قياداتٍ وتقديم آخرين متعاونين، والتي تمارسها إدارة مصلحة السّجون، وتدعمها قيادات السّلطة في الخارج.

إنّها باختصار صيرورة تحويل القيادة من دورها الوطنيّ إلى دور "ضابط ارتباط"، ثمّ فرضه على الجميع بعد أن يُمَدَّ بسلطة ونفوذ يُمكّنه من إخضاع حالات التمرد والنضال، وكما داخل السجن يجري الأمرُ خارجه. إنّ حالة الوهن هذه التي أصابت الحركة الأسيرة تعبيرٌ مُكثّف عن حالة التشرذم في المشروع السياسيّ ككلّ،  المشروع الذي وجد نفسه خاضعاً لعملية الضبط والهندسة الإسرائيليّة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق