خواطر من واقع تفجير بيروت

15 أغسطس 2020 - 06:56
صادق الشافعي
صوت فتح الإخباري:

لم يكن مفاجئاً لأحد أن يطفو على السطح كل هذا الحب لبيروت، كل هذا الخوف عليها، كل هذا التعاطف معها، كل هذا الاستعداد لمعونتها.
جاء كل ذلك وغيره الكثير المشابه، من مخزون تراكم عبر أجيال عديدة في النفوس والعواطف، وفي العقل والإدراك والوعي أيضاً.
بيروت، لكل الناس وبالذات لأهل البلاد العربية منهم، تتفاعل بعمق مع كثير من «الرمزيات» الحميمة في وجدانهم.
رمزية الحرية، فهي الملجأ لكل مطرود أو مطارد ضيقوا عليه وطنه.
رمزية التعايش بين مكونات اجتماعية فسيفسائية التنوع في وئام وسلام.
رمزية المطبعة التي تطبع لكل كتاب المنطقة فتنشر المعرفة والثقافة.
رمزية التناغم الآسر بين الحديقة والجبل والطقس والسهل والبحر والاستقبال الحميم، والخدمات الراقية التي تجعل منها القبلة الأولى لأي سائح عربي.
رمزية استضافه واحتضان لبنان حصته من لاجئي الشعب الفلسطيني المقتلعين من وطنهم.
رمزية أنه البلد الذي أجبر المحتل الغاصب على المغادرة هرباً من الأراضي التي احتلها بعد وقت قصير بلا شروط ولا معاهدات مفروضة مقيّدة ومهينة.
بعد فاجعة تفجر مخازن النيترات في ميناء بيروت وما أعقب ذلك وارتبط به أو نتج عنه يمكن البوح ببعض الخواطر:
* الحديث عن التغيير الجذري والشامل في الحكم وأجهزته ووزرائه ومسؤوليه ورموزه.. «كلن يعني كلن»، لا يرتبط الآن، ولم يرتبط منذ تشرين الأول الماضي (بداية الحراك الجماهيري)، بأي تحديد ولا آلية تنفيذ ولا بمطالب تفصيلية إجرائية محددة.
لا يمكن لوم الناس حين خرجوا للشوارع ولو بالشكل الموصوف. فقد تكالبت عليهم بلاوي في السياسة والحكم والاقتصاد والعملة والأمن والخدمات و...، وفوق كل ذلك استشراء الفساد، ولم يتبق لهم سوى النزول إلى الشارع.
* لم تتبلور للحراك الجماهيري منذ بدايته وحتى الآن، وحتى بعد فاجعة التفجير في الميناء، قيادة موحدة معروفة ومحددة: لا على شكل مجموعة متجانسة من جبهات أو أحزاب أو تيارات مؤتلفة، ولا بشكل أوسع يضم ممثلين عن الأحياء ورموز وكفاءات وطنية مستقلة.
لم يحصل ذلك على المستوى الوطني العام ولا على المستوى المديني، أو على مستوى الأحياء والمناطق.
يرتبط مع ذلك أو ينتج عنه، أن الحراك لم يبلور له برنامجاً محدداً بأهداف رئيسية محددة وبآليات تنفيذ. وهذا ما أبقى الباب مفتوحاً أمام تفسيرات أو تأويلات للبعض أن الحراك تسيطر عليه وتحركه، من خلف ستار، بعض القوى والجهات ولخدمة أهدافها.
لقد ظلت السمة العامة للحراك الشعبي جماهيرية جامعة ولكنها عفوية بشعارات عامة جداً بلا آلية تنفيذ ولا قيادة محددة.
* لم يحصل أبداً، باستثناء الكلام العام، القليل وغير المحدد أو المرتبط بمطالب التغيير، أن تم التطرق إلى طبيعة النظام القائم والمستقر منذ اليوم الأول للاستقلال والمبني على المحاصصة الطائفية بكل تعددها وتنوعها.
والغريب أن هذه المحاصصة لا تكتفي بالعناوين العامة والأساسية، بل تدخل في تفاصيل تدعو إلى الاستغراب والاستهجان بقدر ما تقود إلى تعميق الخلافات والانقسامات الطائفية.
مؤتمر الطائف ناقش هذا الأمر وربما أقر بعض التعديلات والتفصيلات، لكنه لم يمس الأساس والجوهر وبقيت أسس وركائز النظام الطائفي مستقرة وثابتة.
إن أي حديث أو حوار أو وساطات لحل في لبنان، يوفر للبلد ديمومة الاستقرار والتعايش والسلم الاجتماعيين، لا يمكن له أن ينجح دون التعامل الجاد مع هذا العنوان المركزي، ودون الاتفاق على تعديلات جذرية واسعة عليه ليصبح حقيقة وفعلاً وثيقة النظام السياسي الرئيسة التي تقوم على أساسه الدولة اللبنانية.
إن الحديث عن أي تفاهمات أو اتفاقات أو أي إجراءات لا تقوم على هذا الأساس لن يحقق الحل الجذري، ولن يكون أكثر من مسكنات لن تمنع عودة الانفجار ولا تزيل أسبابه.
إن الحديث مثلاً، عن انتخابات برلمانية دون أن يسبقها الاتفاق على القضية المركزية المذكورة، وإحداث تغييرات جذرية على قانون الانتخابات وبالذات في المواد التي تشكل الأساس الدستوري للمحاصصة الطائفية، ستعيد تشكيل المجلس النيابي على أساس وجوهر نفس التوازنات القائمة.  وأكثر ما يمكن تحقيقه من ورائها هو تغييرات طفيفة، وفي الغالب داخل تمثيل الطائفة نفسها بينما يبقى توازن المحاصصة بين الطوائف على حاله بكل تفاصيله وتبعاته.
* إن الجدل السياسي المجتمعي والإعلامي الذي قام مع بداية الحراك الجماهيري واتسع وتعمق بعد كارثة التفجير في الميناء، أفرز بوضوح لدى البعض ميلاً إلى رمي المسؤولية وتحميلها لطرف أو أطراف بعينها مشفوعة باتهامات متنوعة، بالذات تهمة الارتباط والتبعية إلى جهة أو جهات خارجية محددة.
مثل هذه الميول الاتهامية، لا تقدم شيئاً مفيداً، ولا تساعد في أي تقارب وتعاون على طريق تحقيق الهدف الوطني الجامع، بل هي تعيق تحقيقه، وتبدو مع كل تقدم ومع كل استطالة لها كأن من يتمسك بها إنما يقوم بفتح وإدارة معركته الخاصة ولحسابه الخاص.
بل إن هذه الميول الاتهامية تأتي في تناقض مع المعركة الوطنية العامة، ومتطلباتها التي يجب أن يخوضها لبنان بكل قواه السياسية والمجتمعية للخروج من حال القطوع (بالتعبير اللبناني) الواقع فيها لبنان المجتمع بكل مكوناته وقواه، والدولة بكل هيئاتها ومؤسساتها وأجهزتها.
الشعب اللبناني قادر ومؤهل لتحقيق النجاح في الخروج الآمن والسالم من الحال المذكور.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق