دلالات لقاح «سبوتنيك في»

14 أغسطس 2020 - 06:52
هاني عوكل
صوت فتح الإخباري:

لماذا كل هذه الجلبة مع أول لقاح أعلن تسجيله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد فيروس «كورونا» الذي أحدث إرباكاً شديداً في العالم إلى درجة أنه أثر على اقتصادات الدول القوية والضعيفة وأخضعها لتغيرات كبيرة في سوق العمل وفرض اتباع استراتيجيات صحية جديدة.
اللقاح الروسي هو الأول من نوعه الذي يعلن عنه ضمن عدد من اللقاحات التي تخضع للتجريب، وثمة أصوات كثيرة حول «سبوتنيك في» تنوعت بين التشكيك في كفاءته وقدرته على مقاومة الفيروس، وبين الترحيب به والسعي للحصول عليه واعتباره إضافة نوعية في سبيل فرملة انتشار كوفيد 19.
لو أن دولاً أوروبية أو الولايات المتحدة الأميركية هي من أعلن عن اللقاح لما كان استنفر العالم وأبدى تخوفاته كما يحصل الآن مع روسيا، لكن يبدو الأمر مفهوماً في إطار جملة من القضايا من بينها التنافس الشديد بين الدول الكبرى على تسيّد النظام الدولي، والطب والدواء جزء من هذه المنظومة.
لا شك أن التوصل للقاح في ظل هذه الأزمة العالمية التي يشهدها العالم هو أمر مهم للغاية، لأن الدواء أياً كان إذا ثبتت كفاءته يحسب للدولة التي اخترعته، هذا إلى جانب أنه «الدجاجة التي تبيض ذهباً»، لأن الدول بالتأكيد ستتسابق للحصول على ملايين اللقاحات لحماية مواطنيها.
بالتأكيد ثمة دلالة للإعلان الروسي عن اللقاح بهذا الاسم «سبوتنيك في»، حيث إن اسم اللقاح مستوحى من «سوبتنيك» الذي هو أول قمر صناعي يسبح في الفضاء من إنتاج الاتحاد السوفيتي عام 1957 في حقبة الحرب الباردة التي شهدت تنافساً مع الولايات المتحدة الأميركية على تسيد العالم.
بوتين أعاد استحضار هذا الاسم في أذهان الناس للتأكيد على أن بلاده دولة متقدمة وتحظى بمكانة مهمة في النظام الدولي. غير أنه بصرف النظر عن توقيت إعلان اللقاح الروسي، إلا أن هذا الأخير لم يخضع لكافة التجارب السريرية ويبدو أنه سيخضع للتجربة الثالثة قريباً.
هذا يعني أن روسيا أرادت أن تسبق غيرها من الدول وخصوصاً الولايات المتحدة في مسألة الإعلان عن اللقاح، ليس من باب التنافس الدولي فحسب، وإنما للحصول على مزايا بيعه والاستفادة المادية، علماً أن هناك العديد من الدول التي تسابق الزمن في سبيل إنتاج لقاح يخضع «كورونا».
منظمة الصحة العالمية دعت روسيا إلى مشاركتها في تفاصيل اللقاح وإجراء مراجعات عنه، وفي ذات الوقت أعلنت عن وجود ستة لقاحات تخضع للمرحلة الثالثة من التجارب الطبية على البشر، ومن غير المستبعد أن نسمع في الأيام أو الأسابيع المقبلة عن تسجيل لقاحات جديدة أميركية وبريطانية وصينية.
لا يهم أي مواطن كان مصدر اللقاح طالما أنه ينقذ البشرية من لعنات «كورونا»، وفي ظل اليأس من سرعة انتشار الفيروس تستعجل الكثير من الدول الحصول على اللقاح الروسي وبعضها تحت أي ثمن كان، لكن اللقاح لن يكون متاحاً ومتداولاً في العالم إلى مطلع العام المقبل.
هذا يعني أن شركات الأدوية ومن خلفها الدول الكبرى ستضغط بقوة لتسجيل لقاحات ضد كوفيد 19، وكذلك ستسعى لتسويقه وتوزيعه قبل موعد طرح اللقاح الروسي، لأن الهدف يتجاوز تقليل الخسائر البشرية إلى مسألة تعظيم الأرباح وتحقيق إيرادات مالية كبيرة.
ثم إن مجرد الإعلان عن لقاح ضد «كورونا» سيخلق حالة من الراحة بين الدول والمجتمعات، لأنه قد يعني مقدمة نهاية الفيروس، كما أنه سيدفع العديد من الدول للتوسع في فتح اقتصاداتها وأسواقها والعودة الطبيعية للنشاطات التجارية، وسيؤثر هذا إيجاباً على الحركة الإنتاجية على مستوى العالم.
في خضم هذا التنافس في التكنولوجيا والقوة والطب وعلى الجغرافيا.. إلخ، يغيب العرب مرةً أخرى عن ترك بصمة في أي من المجالات المذكورة، وإلى هذه اللحظة لم تسجل لدى منظمة الصحة العالمية لقاحات عربية تخضع للتجارب الطبية، وكل ما في الأمر أن البيئة العربية تشكل حواضن لاختبارات اللقاحات الغربية.
مع الأسف يتخلف الكثير من العرب عن اللحاق بركب التنمية، وليست جميع الدول على نفس المسطرة، لكن بالمجمل ثمة هوة كبيرة بين العرب والغرب وحتى أهل آسيا. إلى هذه اللحظة يستهلك العرب كل ما يأتيهم من الغرب والشرق وينتظرون بفارغ الصبر من الأخير إنتاج اللقاحات لشرائها.
إذا ظل العقل العربي يراوح مكانه ويرزح تحت الجهل والتعطيل وغياب الإرادة، فلا عجب أن تسبقنا كل دول العالم وتتقدم علينا في مجالات كثيرة، بينما يتدهور حالنا من سيئ إلى أسوأ تحت وقع الخلافات الداخلية بين الدول نفسها وبينها وبين أخواتها ومن حولها.
[email protected]

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق