أكاديميون: نظام العشائر في القطاع قوة مؤثرة لحل المشاكل بديلاً عن السلطة

10 أغسطس 2020 - 12:13
صوت فتح الإخباري:

لا يكاد يختلف اثنان في محافظات غزة حول ازدياد مظاهر العشائرية والعائلية حتى باتت تشكل قوة مؤثرة ومهيمنة.

وخلال الأشهر الماضية باتت العشيرة والعائلة بتفرعاتها المختلفة تلعب أدوارا رئيسية على حساب القيم والتوجهات المدنية ما يهدد بتقويض كثير من المنجزات التي حققتها المؤسسات المدنية على مدار السنوات الماضية.

يؤكد الدكتور حسام أبو ستة أستاذ علم الاجتماع في جامعة الازهر ارتفاع وتيرة النزعة العشائرية في المجتمع الفلسطيني والتي تحمل عدة مؤشرات طفت على السطح بشكل كبير منها اللجوء للعائلة أو القبيلة للحماية، ولحل المشكلات وفق النظام القبلي المتعارف عليه خاصة في القضايا المتعلقة بما يسمى الشرف والقضايا الحقوقية مثل حق الميراث.

ويشير أبو ستة إلى أن بعض العشائر والعائلات باتت تصدر البيانات في مناسبات خاصة وعامة تتبنى فيها مواقف مختلفة من القضايا المجتمعية ما عزز من دور القبيلة على حساب القانون وعلى حساب القيم المدنية.

ومن المؤشرات على الاستقواء بالعشيرة او العائلة ميل جماعات مؤثرة فيها استخدام مصطلح الدولة لتعريف عشيرتها والتدليل على قوتها مثل دولة عشيرة ....

وتحدث أبو ستة عن لجوء العديد من العشائر والجماعات للمشايخ والقبائل لحل مشكلاتها على حساب الدولة وأركانها مثل القانون والشرطة ما ساهم أحياناً في إعطاء الفرصة لأشخاص غير مؤهلين وليس لديهم خبرة في اعتلاء سدة الحكم العشائري ليساهموا في تشويه سمعة القضاء العشائري.

كما تشمل مؤشرات تنامي دور العشيرة ازدياد الروابط والملتقيات والتشكيلات داخل نفس القبيلة والتي تحمل أسماء متشابهة مثل هيئة شيوخ ... وملتقى العشيرة ... ورابطة شباب.

ويعتقد أبو ستة بوجود خطر واضح من تنامي قوة العشيرة التي باتت تنافس وجود وهيبة الدولة التي أصبحت الدولة أضعف من أن تحل قضية يمكن أن يحلها شيخ أي قبيلة.

الاعتراف بوجود ازدياد في التوجهات العشائرية لا يقتصر على المثقفين فقط بل يشمل السياسيين الذين يؤكدون أهمية التصدي لهذه الظاهرة رغم اعترافهم بدور العشيرة والقبيلة في المجتمع الفلسطيني.

ويقول نافذ غنيم نائب امين عام حزب الشعب، إن الواقع العشائري في المجتمع الفلسطيني ليس امرا جديدا او طارئا حيث ان تركيبة المجتمع الفلسطيني الاجتماعية تقوم على العشائرية والعائلية.

وأضاف: هذا واقع موضوعي وليس نقيصة لكن المشكلة كيف يتفاعل هذا الواقع مع قضايا الوطن والمجتمع؟ وهل هو رافعة لوحدة الوطن والشعب والانتصار للقضايا السياسية والتاريخية لشعبنا ام العكس وعندما تتحقق الاولى كما جرى على مدار مراحل الثورة الفلسطينية وانتفاضات شعبنا المتتالية فهذا نعمة لشعبنا وقضاياه اما ان اتجه نحو التعصب والانحياز الاعمى لمصالح العشيرة والعائلية على حساب وحدة الشعب والوطن والمس بمقتضيات المجتمع المدني وسيادة قانونه وتكريس حضوره، فإن ذلك يصبح نقمة مجتمعية.

ويؤكد غنيم ان الاحتلال الإسرائيلي حاول اللعب على هذا الوتر في العديد من المراحل بهدف ضرب وحدة المجتمع الفلسطيني لكنه فشل، لافتا الى ان واقع الحال الآن ينذر بالقلق بسبب تنامي ظاهرة العشائرية في الاتجاه السلبي سواء كان ذلك في الضفة الغربية او قطاع غزة حيث.

وقال لـ"الأيام"، إن حكومة الاحتلال الاسرائيلي تراهن على تقسيم الضفة الى جيوب عائلية تحكمها العائلات الكبرى جنوب ووسط وشمال الضفة الغربية، وذلك لشطب السلطة الوطنية والدور السياسي لمنظمة التحرير ومشروعها الوطني ولافتا الى انها تمارس في قطاع غزة ذات الدور حيث انها لم تكتف بالتقسيم الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة جراء حالة الانقلاب وتداعياتها الكارثية بل تريد القضاء المبرم على اي حركة او مشروع سياسي لصالح النفوذ العشائري والعائلي.

ويشير إلى أن الواقع المتردي والذي تراجعت فيه سلطة القانون وضوابط المجتمع المدني وجدت العشائرية والعائلية ذاتها وتسلل الفراغ القانوني والاحساس بالأمن الجماعي والفردي للجماعات والافراد فصار من الطبيعي الاحتماء بالعشيرة والعائلة ومأسسة هذا الدور عبر الروابط وغيرها حتى بات الانتماء العائلي يطغى في الكثير من الاحيان على الانتماء السياسي والتنظيمي لدرجة انها وصلت الى داخل الحزب الواحد والمؤسسة الواحدة.

ويعتقد غنيم أن إسرائيل تجد ضالتها السياسية والأمنية في هذا المناخ والواقع الكارثي منوها الى أن الأحداث الاخيرة في رفح ومقتل الأسير المحرر جبر القيق وتداعيات ليست في منأى عن ذلك.

وتابع: إسرائيل تحاول فتح العديد من الملفات التي تعتبرها ذخرا استراتيجيا انطلاقا من واقع العشائرية والعائلية وفي لحظة من الهشاشة المجتمعية وضعف النظام السياسي لم يسبق لها مثيل داعيا الى اعادة الاعتبار لقوة ووحدة النظام السياسي وتعزيز سيادة القانون وتجديد شرعية الهيئات التمثيلية للشعب الفلسطيني عبر الانتخابات وتعزيز سيادة المجتمع المدني في مفاصل الحياة الفلسطينية كافة.

تنامي قوة العشيرة شمل قطاعات متعددة تناضل منذ سنوات لتثبيت حقوقها مثل القطاع النسوي الذي يؤكد الناشطون فيه انه القطاع الأكثر تضررا.

وتقول الناشطة النسوية زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة في غزة، إن النساء في المجتمع الفلسطيني والعالم العربي تعاني كثيرا بسبب سيطرة المفهوم القبلي والعشائري على كافة الصعد سواء على المستوى الاجتماعي والسياسي اضافة الى الأحزاب والتنظيمات السياسية مؤكدة ان الثقافة العشائرية متجذرة للأسف في وعي الناس بغض النظر عن نظرتهم الثقافية.

وزادت: خلال واقع الحياة تفاجأت من أناس محسوبين على تنظيمات وأساتذة جامعات يدافعون عن العشيرة والعائلة وعندما نتحدث عن ضرورة تغيير قانون معين ويعترض أحد شيوخ العشيرة او القبيلة على القانون نجد ان الجميع يعترض مثله ولا يجرؤ أحد على اعلان مخالفة موقفه وان فعل يصبح شخصا مخالفا لرأي العشيرة.

وتؤمن الغنيمي ان النساء يدفعن ضريبة احكام العشيرة غير الصائبة التي يتم خلالها لي عنق الحقيقة او الدين لتدفع النساء الثمن خاصة في حالات قتل النساء حيث يتم التنازل عن حقوقهن ببساطة على عكس ما يحصل في حال كان الضحية رجل.

بدوره، يتحدث الدكتور سمير مدللة عميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة الازهر عن الجوانب السلبية للعشائرية خاصة الاستقواء على العائلات الصغيرة او الضعيفة من خلال أخذ حقها بيدها بعيدا عن القانون ما يولد شعورا بعدم بالأمان في مجتمع لا يسوده القانون.

واستدرك: هناك من يغذي ظاهرة العشائرية التي تقتل مؤسسات الدولة المدنية التي تعني احترام حقوق الانسان والحق في التعبير عن الرأي منوها الى إمكانية مواجهة هذا الامر قبل استفحاله أكثر في المجتمع الفلسطيني.

وطالب السلطة الوطنية الحاكمة بتكريس القانون ومعاقبة من يستغل العشيرة ويعتدي على الآخرين من خلال تطبيق عقوبات رادعة حتى يسود القانون كما فعلت الكثير من الدول التي واجهت العشائرية بتطبيق القانون على الجميع لافتا الى أهمية ان تقف العشائر الى جانب الدولة من خلال الحفاظ على مؤسساتها.

وتابع لـ"الأيام": على السلطة والمؤسسات الحاكمة ان تحد من سلطة العشيرة وسطوتها بتطبيق القانون وان يكون لكل عشيرة حدودها لأن سطوة العشيرة تخيف العائلات الصغيرة.

وينتقد مدللة تسلل الفكر العشائري الى بعض المثقفين والأكاديميين والكتاب من أبناء العشائر الذين يعتبرون العشيرة مكونا أساسيا ولا يخرجون عن طوعها لأنها تحميهم وتوفر الدعم لهم لدرجة انهم يخرجون من مكانتهم الاكاديمية او الثقافية ويلجؤون الى عباءة العشيرة.

من جهته، يؤكد سمير زقوت نائب مدير مركز الميزان لحقوق الانسان في غزة: "ان العشيرة هي نقيض الدولة بمفهومها الحديث والتي تطمح لإقامة نظام سياسي ديمقراطي يعزز من كرامة الافراد وفق مبادئ المواطنة".

وقال زقوت، ان العشيرة تقف على النقيض وتحاول تقويض أي أساس ثقافي اجتماعي لإقامة نظام سياسي ديمقراطي يعمل مع الافراد بشكل متساو ويساوي بينهم امام القانون وبكل شيء.

وأضاف: العشيرة هي نقيض سيادة القانون الذي يشكل أحد اهم مبادئ النظام السياسي الديمقراطي وهي أيضا نقيض فكرة وجود سلطة تشريعية وقضائية وتنفيذية وبالتالي بدلاً من احتكام الناس الى القانون واحترام سيادة القانون يسود حكم العشيرة او قرار كبير العشيرة ما يتناقض مع وجود الدولة.

ويعتقد زقوت ان العشائرية خلال الانتفاضة الأولى وما قبلها شهدت تراجعا كبيرا لحساب الانتماء للحزب السياسي وهذا الامر الذي عبر عن نفسه عبر مؤشرات كثيرة بما في ذلك تصفية العملاء، حيث نفذ الكثير من المناضلين حكم الإعدام في عملاء من افراد عائلاتهم وبالتالي غلبوا انتماءهم الحزبي وقرار الحزب على انتمائهم العشائري.

ونوه الى ان السلطة الوطنية ارتكبت خطأ كبيرا حين اعادت الاعتبار للعشيرة من خلال مجموعة من القرارات والتشريعات التي اقرتها وخاصة تأسيس ديوان العشائر وتخصيص الأموال له مؤكدا ان قانون الانتخابات الذي أجريت بموجبه اول انتخابات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عمل على تقوية التوجه للعشيرة او المنطقة لأنه اعتمد نظام الدوائر ما جعل المرشحين يعودون الى عشائرهم وقبائلهم للنجاح في الانتخابات على عكس التمثيل النسبي الكامل ونسبة حسم منخفضة ما يعزز اندفاع الناس نحو الأحزاب على حساب العشيرة ويخدم التنوع.

وزاد: بعد نجاح النواب في دوائرهم انصب اهتمام عدد كبير منهم حول كيفية مساعدة أبناء العشيرة والبحث عن توظيفهم لاعتقادهم ان وجودهم في هذا الموقع ومستقبل حياتهم السياسية مرتبط برضا العشيرة او غضبها.

المجتمع الفلسطيني تاريخيا وحتى في اوج الثورة والانتماء الحزبي او تغليب الحزب على انتماء العشيرة لم يتنكر الموروث والتراث والفلكلور وعلى العكس من ذلك هذا كان يدفع للمزيد من التمسك بالتراث والفلكلور ولكن في سياق اجتماعي ثقافي وليس في سياق سياسي أو قانوني.

وينتقد غالبية المعارضين للتوجه العشائري دوره المتنامي في القضاء باعتباره يقوض دور السلطة والقضاء المدني الأمر الذي يرفضه رجل الإصلاح أبو سلمان المغني رئيس الهيئة العليا لشؤون العشائر في محافظات غزة الذي يؤمن ان القضاء العشائري قضاء موروث في المجتمع الفلسطيني وهو مجتمع قبائلي عشائري لا يمكن ابدا ان يتخلى عن عشائريته وعن القضاء العشائري.

وقال: القضاء العشائري يعتبر ركيزة من الركائز الأساسية لحل المشاكل لأنه أقل تكلفة وأسرع وأنجح من القضاء القانوني مؤكداً انه ليس بديلا عن القضاء القانوني مشددا على ضرورة ان يكون القضاء العشائري قضاء مستقلا تماما حتى لا يفقد مصداقيته وقراره المستقل.

وعن الدعوة لاعتماد القانون المدني بعيدا عن سلطة العشائر قال المغني انه لا يرى أي ازدواجية على الإطلاق بين القضاء المدني والقضاء العشائري لأن كليهما يصب في خدمة المواطنين ويساهم في إحلال السلم والأمان المجتمعي.

وأشار إلى ان رجال الإصلاح يرسلون بعض القضايا الى القضاء المدني عندما يعجزون عن إيجاد حل عشائري بسبب عدم وجود اثباتات لافتا الى ان القضاء والشرطة تحول بعض القضايا للحل العشائري. 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق