«يديعوت»إسرائيل تتدهور: حمل ثقيل، يأس، وإحساس بالضياع

16 يونيو 2020 - 09:37
صوت فتح الإخباري:

بقلم: مناويل ترختنبرغ

تبدو كل الاحتجاجات متشابهة: تكتظ الجموع الكثيرة في الميدان، ترفع اليافطات، وتطلق الصرخات. هكذا في تموز 2011، هكذا في تموز 2020. غير أننا نلاحظ أن هذا ليس اليأس ذاته، ليست هتافات النجدة ذاتها، وليس الغضب منفلت العقال ذاته.
في 2011، دوى نداء «الشعب يريد عدالة اجتماعية» بقوة في ساحات المدن، أما «العدالة الاجتماعية» اليوم فتبدو ترفاً لا أحد يحلم به. بدلاً منه بات الكفاح هو على كسرة الخبز، على العيش، وعلى هواء التنفس.
كان المعطى المخيف في حينه هو معدل الارتفاع في أسعار الشقق، أما اليوم فهو عدد الخاضعين للتنفس الاصطناعي: العشرات مع الأكسجين في المستشفيات، مئات الآلاف مع أكسجين مشكوك فيه.
في حينه كان الشبان خائبو الأمل هم من فعل كل ما هو متوقع منهم (خدموا، تعلموا، عملوا، أقاموا عائلة)، غير أن إرادتهم الطيبة تحطمت أمام نموذج اقتصادي متحجر وانغلاق حس سلطوي. أما اليوم فإن المجتمع الإسرائيلي كله هو الذي يندفع إلى الميادين، كل من خرب عالمه عليه دفعة واحدة. لا، هذا لم يحصل بسبب الفيروس الشرير، بل بسبب فيروس غرور الزعيم الأعلى.
في حينه كان الاقتصاد «الماكرو» (بالمقاييس العمومية) مزدهراً، حتى وإن «الميكرو» (بالمقاييس التفصيلية)، في واقع كل عائلة شابة، «الكوتج» (الجبنة المخثرة) فجأة لم تكن في متناول اليد. أما اليوم فالأمر هو هذا وذاك معاً: الاقتصاد في هبوط حر، الناتج ينكمش، العجز يرتفع، البطالة تستشري، وكل هذه تقع بقوة زائدة على عالم كل فرد، وعالم كل اقتصاد منزلي.
في حينه كانت الأجواء شبه احتفالية، إحساساً بأن ها هو حصل شيء ما – الشبان يأخذون مصيرهم بأيديهم، يشعلون الخيال، يريدون أن يؤمنوا بأن العدالة الاجتماعية قد تخطو هنا أيضاً. أما اليوم فالإحساس هو إحساس ثقل عظيم، إحساس يأس، إحساس ضياع.
رغم خيبات الأمل، نجح الاحتجاج في حينه بإحداث تغييرات غير قليلة: فأرباب المال فقدوا الارتفاع، والخطاب الجماهيري تغير لصالح مواضيع اجتماعية، طبق قانون التعليم المجاني لأطفال 3 – 4 سنوات. ولكن الحكومة لم تغير القرص: صورة «السمين والنحيف» التي ألصقها نتنياهو في حينه كوزير للمالية، أي مواصلة تجويع القطاع العام لصالح القطاع التجاري، واصلت تصدر السياسة. ولهذا فإن خدمات الصحة، والتعليم، والمواصلات، والإغاثة، واصلت التدهور، والكلفات الإضافية واصلت الوقوع على كاهل العائلات.
أعترف بأني في 2011 وقعت في خطيئة السذاجة: آمنت بأنه كانت إمكانية لترجمة الاحتجاج لسياسة اقتصادية – اجتماعية أخرى، تبعث على الأمل. غير أن هذا الإيمان تحطم على صخرة الحقيقة العتيقة: «يمكن أن تأتي بالحصان إلى النهر، ولكنك لا يمكنك أن تجبره على الشرب». بمعنى أنه يمكن رسم الطريق بل حتى دفع الحكومة إلى اتخاذ القرارات، ولكن إذا كانت هذه تتعارض مع المعتقدات أو المصالح السياسية الضيقة لمن يقف على رأس الهرم، فهذا لن يحصل. أما اليوم فالسذاجة ليست خياراً، إذ إن المشكلة ليست في غياب المسارات الحكيمة للتصدي للأزمة، بل في الحكومة المتضخمة، التي تتصرف كحفلة أقنعة تنكرية (بكل معنى الكلمة) في التايتنك الغارقة.
اليوم، بعد أن تدهورنا إلى هاوية لا يمكن تصورها، وحين بات واضحاً لدرجة لا يرتقي إليها الشك أن التدهور لم يكن واجب الواقع بل من فعل الحكومة ومن يقف على رأسها، لا تتبقى سوى إمكانية واحدة: ألا نحاول مرة أخرى اقتياد الحصان إلى النهر، بل أن نغير الحصان، وبسرعة.
علينا ألا ننسى: صحيح أنه في حينه واليوم أيضاً يمسك بالدفة رئيس الوزراء ذاته، ولكن لأسفي الشديد فإنه ليس الشخص ذاته على الإطلاق. في حينه كرس نتنياهو نفسه أساساً لتحقيق مواضيع قومية عظيمة الأهمية – كان يمكن الاختلاف معه في الرأي ولكن لا يمكن الاختلاف على أنه عبر عن قدرات مذهلة لزعيم مجرب، قوي، حاد الرؤية. أما اليوم فالحديث يدور عن شخص مطارد، منقطع، بل وحشي، يكرّس نفسه لهدف واحد فقط: هو بقاؤه بأي ثمن. لا يوجد شيء أكثر خطراً من هذا. والأمر خطير بأضعاف عندما يكون الشخص ذاته هو الذي يصر على أن يقود القارب في المياه العاصفة للأزمة (غير الأمنية) الأخطر التي ألمت بإسرائيل منذ الأزل.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق