غزة والإنفجار السكانى

12 يونيو 2020 - 08:34
ناجى صادق شراب
صوت فتح الإخباري:

قبل الولج إلى تحدى المشكلة السكانية في غزه اشير كيف ان هذا المشكلة هي الأكبر التي تواجه العالم ومنظماته الدولية , وهنا أذكر بالرسالة التي بعث بها خمسة عشر ألف عالم فى مختلف مجالات العلوم الطبيعية إلى مؤتمر الأمم المتحده الذى عقد في برلين عام 2017 أشاروا فيها على القلق الكبير من تزايد عدد سكان العالم ، ويحذرون من التكاثر السكانى ، وأن الإنتقال من الطاقة الملوثة إلى الطاقة الخضراء يحتاج إلى نمو سكانى مضبوط حسب الإحتياجات الإقتصاديه ، وتنامى المطالب المادية المتنامية ، وحسب قدرة الموارد الطبيعية المتاحة لدول العالم لإستيعاب هذه الزياده والإحتياجات.فبلغ سكان العالم في منتصف القرن العشرين مليارين نسمه وصل اليوم إلى ثمانية مليار نسمه والتوقع زيادة الرقم بشكل كبير في العقود القادمه. وهذه المشكلة تصاحبها نمو الإستهلاك الفردى والمشاكل المتعلقة بنقص المياه والطاقة ومشاكل المناخ، وتقلص ألأرض الزراعية وزيادة نسب التلوث البيئي. هذه المقدمة الموجزة توضح لنا خطورة المشكلة عالميا وعلى مستوى دول ومنظمات لها الكثير من ألإمكانات والقدرات.والسؤال ماذا عن هذه المشكلة على مستوى غزه؟ أعتقد ان هذه هي المشكلة الحقيقية التي تفوق قدرات من يحكم ويفكر ان يحكم غزه. فبمقارنة العدد والمساحة تبدو لنا ان غزه قد تشكل صورة مصغرة للمشكلة السكانية العالمية . فالمشكلة في غزه ليست مشكلة حكم ، ولا سيطرة وهيمنه سياسيه فهذه كلها مرهونة بظروف سيسايه قابله للتغير. فاليوم عدد سكان القطاع يتجاوزون المليونين النسمه يعيشون على مساحة كلية تبلغ 340 كيلو متر مربع، ولو طرحنا ما هو مخصص للبناء والسكن والطرق والزراعة والمشاريع الصناعية على قلتها تبدو لنا جسامة وكابوس المشكلة في السنوات القادمة، فلنتخيل كم يعيش على مساحة الكيلو متر مربع، في بعض المناطق الرقم يتجاوز المائة الف ، ما يعنى ان غزه الأكثر كثافة سكانيا في العالم. وخطورة المشكلة تتضح لنا مع فقر الأرض ، فلا موارد طبيعية ، ولا مياه جوفيه، وزيادة نسب التلوث التي تتعدد مصادرها المعروفة وغير المعروفة.وهنا عدد من الملاحظات :الأولى قابلية العدد للزياه بطريقة غير منضبطه ومحسوبه لأسباب تتعلق بزيادة حالات الزواج رغم الفقر والبطالة الذى تعانى منه شريحة الشباب بشكل خاص، والإعتقاد الدينى ان تحديد النسل حرام، وأن الطفل يأتي ورزقه معاه. الملاحظة الثانية ان قطاع غزه يعتبر من اكثر المناطق في العالم إستهلاكا، فالمجتمع الغزى مجتمع إستهلاكى ، وزيادة عدد السكان يعنى زيادة الطلب على الإستهلاك ، وفى الوقت ذاته وهذه الملاحظة الثالثه ضعف وتدنى وتراجع القدرة على تلبية الإحتياجات الإستهلاكية لأسباب كثيره منها ضعف الدخل بل وإنعدامه في الكثير من الحالات، ومن ناحية أخرة ضعف قدرة من يحكم على تحسين ألأداء الإقتصادى وتنمية الموارد الطبيعية لزياده القدرة على الإستجابة . والنتيجة الحتمية إتساع الفجوة بين الحاجة المتزايده بحجم الزياده السكانيه وإنخفاض سلم القدرة وهذا ما قد يعبر عنه بالإحباط واليأس والغربة وإنتشار أفكار العنف والتنظيمات المتشدده التي قد تستغل هذه الحالة للشاب لإستقطابهم في اعمال غير منتجه وزيادة حالات الإنتحار ومحاولات الإنتحار كما نرى في السنوات الإخيرة . والملاحظة الرابعة تحول المجتمع الغزى من مجتمع مدنى معتدل إلى مجتمع مغلق متشدد، وهو ما قد يقود في المدى القريب إلى إنفجار سكانى داخلى يعبر عن نفسه في زيادة حالات الإنتحار والقتل والسرقة. الملاحظة الخامسة تقلص المساحة السكانية ،وإنعدام المشاريع العملاقه لزيادة المساحة على حساب البحر فهذا يفوق القدرات المتاحة والخارجية ، ومن ناحية أخرى غلق الحدود المجاورة . الملاحظة السادسه:ولعل المفارقة الوحيده التي يمكن أن تستوعب الحاجة للعماله ، ومن ثم تقلل من فرص الإنفجار الإنفتاح على إسرائيل بالمساهمة في عمليات البناء والزراعة فيها، وهذا يستوجب إعادة الإعتبار والنظر في ماهية العلاقة مع إسرائيل, والملاحظة السابعة التي قد تدفع وتسرع الإنفجار الإستثمار في إمتلاك السلاح بأى ثمن ، وعلى أهمية القوة العسكرية فأنا أتحد ث عن الإنفاق الذى يأتى على حساب تنمية البنية المدنية والإقتصادية ورفع القدرات الإستخراجية للقطاع حتى يكون قادرا على تلبية الحاجات المتزايده للسكان، وتقلل من فرص الإنفجار السكانى. والملاحظة الثامنه الطبيعة الجيوسياسية والطبوغرافيه لغزه لا تجعل منها منطقة صالحه للعمل العسكرى ، وتعدد الجماعات المالكة له مما يزيد من مخاطر الإقتتال الداخلى عند أي منعطف وتحول سياسى ، وهذا ما حدث فعلا بين حركة حماس وبعض هذه الجماعات المتشدده. فغزة منطقة ضيقه بدون عمق وليست طوليه، وتفتقر للمناطق الهضبية والجبلية ، وهى منطقة منخضه من السهل التحكم في كل منافذها. الملاحظة التاسعة ان خيار الحرب لا يعمل لصالح غزه، وهنا الإنفاق العسكرى الكبير قد ينهار ويدمر في حرب واحده وهذا ما تريده وتعمل عليه إسرائيل، وهو نفس النموذج الذى لجأت إليه الولايات المتحده مع الإتحاد السوفيتى الذى أثقله الإنفاق العسكرى .والملاحظة العاشرة وألأخيره ان مشكلة غزه في الإفتقار للرؤية التنموية الشامله، والتركيز فقط على الرؤية العسكرية. وهذا من شأنه ان يزيد من الأعباء السكانية ، ويقرب من درجة الإنفجار الداخلى. ناهيك ان القطاع بسكانه يعتمدون فقط على الرواتب والمنح والمعونات المالية التي تقدم والتي تهدف قط لتأخير عملية الإنفجار السكانى ، بل تحول سكانه لحالة من التبعية والإعالة. وكما هو معلوم ان قطاع غزه يعانى من نقص حاد في مشاريع البنية التحتية ، ومن مصادر الطاقة كالكهرباء والمياه، ويحتاج إلى الميارات من الدولارات ، وهو امر غير متاح وبعيد التحقق، وقد يتم بالقبول بصفقة القرن. وهذا أحد الإحتمالات المتوقعة . غزة ليست معادلة حكم، وليست معادلة مقاومه فقط. غزة رؤية سكانية ، ورؤية تنمويه ، ومن يريد ان يحكم غزه عليه أن يملك هذه الرؤية التنموية . ومن الخطأ التفكير في غزه من منظور انها حكم لجماعة واحده،ويربط مستقبلها للمراهنة السياسية على ما يمكن ان يحدث في ألإقليم، ويعيد حكم الأخوان مثلا. ولو قارنا الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزه سنجد الفجوة الكبيره بين المنطقتين، في كل المجالات، سواء من حيث مشاريع البنية التحتية ، وفرص العمل المتاحة لأكثر من مائة الف يعملون داخل إسرائيل. وفرص عمل افضل نسبيا، وإنفتاح وتواصل خارجى ملموس يخفف حالة الإختناق . عكس الوضع في غزة التي تعيش داخل صندوق مغلق مفاتيحه ليس بيد أصحابها.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق