تهديد .. اعتقالات .. اطلاق نار لمن يحارب الفساد :

بالتفاصيل _ مروة فرح ودعاء المصري من ضحايا محاربة الفساد في المحكمة الدستورية

08 يونيو 2020 - 06:18
صوت فتح الإخباري:

منذ التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، تنتظر الموظفتان في المحكمة الدستورية العليا مروة فرح ودعاء المصري، استلام نص قرار الحماية الممنوحة إليهما من هيئة مكافحة الفساد على خلفية تقدمها بشكويين عن شبهات فساد في محل عملهما، رغم مطالبتهما المتكررة، لرئيس هيئة مكافحة الفساد ورئيس المحكمة الدستورية، للحصول على وثيقة القرار.

انقلبت حياة الموظفتين رأساً على عقب، منذ التقدم ببلاغ إلى الهيئة، التي ما إن تفتح موقعها الإلكتروني حتى تفاجئك موسيقى تدعو للاسترخاء مثل تلك الموجودة في بهو الفنادق، تعقبها كلمة تتحدث عن الرؤية القائمة على مجتمع فلسطيني خالٍ من الفساد يقوم على أسس النزاهة والشفافية والمساءلة.

لكن ما إن جربت مروة ودعاء العمل وفق ما سبق حتى بدأت سلسلة من "الإجراءات العقابية" كما تصفانها، إذ أصدر رئيس المحكمة الدستورية قراراً بتشكيل لجنة تحقيق خارجية لهما بتاريخ السابع من يونيو/ حزيران، ليكون من قرّر تشكيل لجنة التحقيق، مع المبلغات، هو نفسه المشتكى عليه !!.

وذلك بالرغم من أن المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا تقول بأن "الأمين العام للمحكمة الدستورية هو المسؤول عن الإشراف على كافة أعمال الموظفين وكافة الأمور المتعلقة بالشؤون الإدارية والمالية للمحكمة تحت إشراف رئيس المحكمة"، وهو ما يخالف قانون المحكمة الدستورية ومسألة الحياد، بحسب ما يوضحه محامي الدفاع عن الموظفتين عصام عابدين.

وأكد عابدين في الإطار ذاته أنه لا يوجد في قانون الخدمة المدنية المعمول به ما يوصف على أنه "لجنة تحقق" التي شكّلها رئيس المحكمة، قبل تشكيل لجنة التحقيق للموظفتين، وكلف ابن شقيقته ومدير مكتبه يحيى فحماوي برئاستها.

اللافت أن الإجراءات العقابية بحق الموظفتين بدأت منذ أن علم رئيس المحكمة الدستورية بتوجههما لهيئة مكافحة الفساد وتقديم الشكاوى، والكلام للمحامي عابدين الذي أضاف مستنكراً، وحتى قبل أن تغادرا مقر هيئة مكافحة الفساد في التاسع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي بدأت تلك الإجراءات، في انتهاك صارخ لقانون مكافحة الفساد ونظام حماية المبلغين والشهود بشأن سرية الإجراءات.

وتنص المادة (22) من القانون على أنه "تعتبر الإجراءات المتخذة للبحث والتحري وفحص الشكاوى والبلاغات المقدمة بشأن الفساد من الأسرار التي لا يجوز إفشاؤها إلا بقرار من المحكمة". فيما تنص المادة (7) من النظام الحماية على أن "تعامل طلبات توفير الحماية بسرية تامة".

نشرت هيئة مكافحة الفساد بياناً للرأي العام بتاريخ الحادي والثلاثين من مايو/ أيار الماضي، قالت فيه إنها وفرت الحماية الوظيفية للمبلغتين مروة فرح ودعاء المصري، وإنها خاطبت المحكمة الدستورية بما يفيد منع اتخاذ أي إجراء إداري بحقهما، بسبب تبليغ الموظفتين الهيئة بشبهات الفساد.

لكن الإجراءات المتخذة استمرت منذ بدأت بحق الموظفتين في اليوم ذاته لتوجههما لهيئة مكافحة الفساد، وهو ما وثقته معدة التحقيق عبر مطابقة تواريخ توجه دعاء المصري ومروة فرح إلى الهيئة اعتباراً من الخامس عشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي حتى التاسع والعشرين من الشهر نفسه، وحتى تاريخ صدور القرارات الإدارية بإلغاء أي تكليف بحق الموظفتين وإرجاعهما إلى وظيفتيهما الأصليتين في التاريخ الأخير المذكور.

لكن حتى الوظائف الأصلية لم تعد على أرض الواقع كما كانت قبل خطوة الإبلاغ، وفق ما تقول مديرة دائرة المنشورات الدستورية دعاء المصري لصحيفة "العربي الجديد": "منذ الثلاثين من ديسمبر الماضي وأنا محرومة من عملي فعلياً، أذهب إلى مكتبي، ومهامي كمديرة منشورات تُكلف بها زميلاتي، وجهاز الحاسوب الخاص بي أغلقه موظف مختص بالتقنيات، كان قد أرسله رئيس المحكمة لإغلاقه وسحب البيانات والمعلومات المتوفرة، ويوم الاثنين الموافق التاسع والعشرين من يونيو/ حزيران تسلمت قراراً بالإيقاف عن العمل أنا وزميلتي مروة فرح".

"لم يُنفذ قرار الحماية لا قبل صدور بيان هيئة مكافحة الفساد ولا بعد صدوره، ولم يتوقف التنكيل بحق الموظفتين من قبل رئيس المحكمة الدستورية، بل تعداه إلى مضايقات شخصية، تعرضت لها إحدى الموظفتين في المحكمة الدستورية من بعض موظفي المحكمة"، وفق ما جاء على لسان عضو فريق الدفاع عصام عابدين.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وتصاعد الاستهداف، بحسب المحامية راوية أبو زهيري عضو فريق الدفاع، إذ استدعت النيابة العامة بتاريخ الرابع والعشرين من يونيو الموظفتين، للتحقيق معهما في ملفين تحقيقيين، بناءً على رسالة موجهة من النائب العام إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا لتأمين مثولهما في سرايا النيابة العامة في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية.

 

 

وجاء استدعاء النيابة العامة للموظفتين للتحقيق، بحسب عابدين، بناءً على شكويين جزائيتين؛ الأولى مقدمة  من مدير مكتب رئيس المحكمة الدستورية، يحيى فحماوي، وتحمل الرقم (2006/2020)، والثانية مقدمة من محمد الحاج قاسم رئيس المحكمة الدستورية العليا تتعلق  بالملف التحقيقي رقم (2007/2020)، وبتهم جزائية واردة في قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات وهي:

1. الافتراء خلافاً للمادة 210 من قانون العقوبات.

2. أخذ ونزع محفوظات ووثائق خلافاً للمادة 204 من قانون العقوبات.

3. الذم بواسطة النشر عبر وسائل تكنولوجيا المعلومات خلافاً للمادة 45 من قرار بقانون الجرائم الإلكترونية بدلالة المادتين 189 و358 من قانون العقوبات.

4. إفشاء معلومات سرية في غير الأحوال المنصوص عليها من خلال الدخول بوجه غير حق موقعاً إلكترونياً خلافاً للمادة 4 من قرار بقانون الجرائم الإلكترونية.

 

 

تعلّق دعاء المصري في إفاداتها قائلة لـ "العربي الجديد": "المخالفات الإدارية والمالية التي أبلغنا حولها وتمحورت إفادتي لهيئة مكافحة الفساد حولها، تتعلق بعضها بصلاحيات ممنوحة لمدير مكتب رئيس المحكمة الدستورية يحيى فحماوي، فهو على سبيل المثال ممثل قطاع العدالة وهو مدير مكتب، يجب أن تكون مهامه تنسيقية لا أكثر".

وأضافت أن "بعض الصلاحيات الممنوحة لفحماوي تعتبر تعدياً على صلاحيات الأمين العام للمحكمة، الإشراف على الأمور المالية والإدارية والبرنامج المالي والإداري الذي يتضمن أعمال الموازنة، وصرف مكافآت مالية لفحماوي، بدون سند قانوني، وكل ذلك يخالف المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية".

وتنص المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية على ما يلي:

1. يكون للمحكمة أمين عام، ورئيس قلم، وعدد كافٍ من الموظفين والإداريين والعاملين، ويكون لرئيس المحكمة ووزير العدل سلطة الإشراف عليهم، كل في حدود اختصاصه القانوني.

 2. يعين أمين عام المحكمة بقرار من رئيس دولة فلسطين بدرجة قضائية بناء على تنسيب مجلس الوزراء، وتوصية الجمعية العامة للمحكمة، ويكون تدرجه من درجة قاضي استئناف إلى درجة قاضي عليا، ويشرف على كافة أعمال الموظفين، وكافة الأمور المتعلقة بالشؤون الإدارية والمالية للمحكمة، تحت إشراف رئيس المحكمة.

أما الموظفة مروة فرح فتقول: "أتحفّظ على ذكر بعض التفاصيل الخاصة بالقضية، كونها في مرحلة تحقيق، وأعتبر وضعي والزميلة دعاء حساساً بهذا الخصوص، وأصف الإجراءات التي اتخذت بحقنا بأنها إجراءات عزل وغير لائقة، ومنها التحفظ على جهاز الحاسوب الخاص بعملي، بعد إرجاعي كمدخلة بيانات (كانت تشغل منصب مدير مكتب الأمين العام للمحكمة الدستورية العليا)، وحرماني من استخدام البريد الإلكتروني الحكومي الخاص بي، وحرماني من أبسط اللوجستيات كقلم مثلاً".

 

 

حق الرد

وسعى   مراسلنا  بشتى الطرق للتواصل مع المدير العام للشؤون القانونية في هيئة مكافحة الفساد رشا عمارنة من دون رد لمعرفة سبب عدم تسليم وتنفيذ قرار الحماية واستمرار العقوبات بحق الموظفتين في المحكمة الدستورية، وكيف علم رئيس المحكمة الدستورية بالشكاوى المقدمة لهيئة مكافحة الفساد، علماً بأن الهيئة أكدت في بيانها أنها قد وفرت الحماية الوظيفية للموظفتين، ولا يوجد فساد في المحكمة الدستورية، ولكن مخالفات إدارية وردت في تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية وتتابع الهيئة تصويبها.

ما يثير التساؤلات حول الإجراءات التي من المفترض أن تتخذها الهيئة كجهة بحث أولي "استدلال"، وهل أحالت الهيئة ملف الموظفتين بما يحويه من مخالفات إلى النيابة العامة، كجهة تحقيقية للمتابعة حسب القانون؟ بحسب ما يقول فريق الدفاع عن الموظفتين.

يقول عابدين: "مطلوب من رئيس هيئة مكافحة الفساد تفسير سبب عدم تسليم الموظفتين في المحكمة الدستورية قرار الحماية، رغم مطالبتهما به خطياً وعدم توفير الحماية لهما، وتوضيح الكيفية التي علم بها رئيس المحكمة الدستورية بقيام الموظفتين بتقديم شكاوى بشبهات فساد في المحكمة، قبل أن تغادرا مقر الهيئة، ما تسبب بإجراءات عقابية بحقهما بدأت في اليوم ذاته للشكوى.

واضاف "كما نطالب هيئة مكافحة الفساد بتفسيرات عديدة تتعلق بمضمون البيان الصادر عن الهيئة بأن لا شبهات فساد في المحكمة الدستورية، ومآل محضر استدلال الهيئة في ذلك". 

ويتابع عابدين "مطلوب من رئيس المحكمة الدستورية أيضاً تفسير سبب عدم تسليم الموظفتين قرار الحماية، وعدم تنفيذ قرار الحماية، واستمرار الإجراءات العقابية بحق الموظفتين منذ توجههما إلى هيئة مكافحة الفساد ولغاية الآن خلافاً للقانون؟

وبدوره يرد رئيس المحكمة الدستورية العليا محمد الحاج قاسم قائلاً لـ"العربي الجديد": "لقد استلمت قرار الحماية ونفذته، لكن الموظفتين لم تنفذاه، واستمرتا منذ مطلع العام الحالي بالنشر حول المحكمة، وتشويه سمعة موظفيها والقضاة فيها، وكشف وثائق سرية على العلن كانتا قد سرقتاها من المحكمة، ولم تُبقيا وسيلة تواصل اجتماعي إلا نشرتا عليها ما سلمتهما لهيئة مكافحة الفساد".

يتابع رئيس المحكمة الدستورية "كيف أعطي الحماية لهما، وهما تشهران أمام الرأي العام بالمحكمة الدستورية ورئيسها، خاصة بعد بيان هيئة مكافحة الفساد، بأن لا وجود لشبهات فساد حول ما تقدمتا به للهيئة، ولا أدري إذا ما قدم مدير مكتبي شكوى لدى النائب العام ضد الموظفتين".

وأكد الحاج قاسم "اهتمام المحكمة بالموظفتين بشكل كبير" والذي يتمثل بحسب رئيس المحكمة الدستورية "بتكليفهما بالعمل وإعطائهما المهمات، والسماح لإحداهما بالدراسة في جامعة القدس رغم أنها لا تحمل إلا شهادة الدبلوم

ومضى قائلاً: "الموظفة مروة فرح تعمل مُدخلة بيانات، أما دعاء المصري فهي مديرة الدراسات والمنشورات، لكني كلفت الأخيرة بستة تكليفات إضافية، ومروة كُلفت من جهتي بمكتب الأمين العام للمحكمة، وعندما تقدمتا بالشكوى أرى أنه من حقي إرجاعهما إلى وظائفهما الأصلية".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق