«معاريف»بوادر فاشية في إسرائيل

04 يونيو 2020 - 08:05
صوت فتح الإخباري:

بقلم: ايهود اولمرت*

يبدأ الانزلاق إلى الفاشية دوماً بأمور صغيرة، بل في كثير من الاحيان تكون خفية عن العيان. ويمكن لفترة انضاجها ان تكون طويلة وتسري من تحت رادار الانتباه العام، بل احيانا من تحت انتباه وسائل الاعلام، رغم أن هذه يفترض أن تكون أكثر حساسية تجاهها. في مرحلة ما، بعد فترة الكمون تبدأ بوادر الفاشية تطفو على السطح. ومن هنا فصاعدا يكون بوسعها أن تنمو بسرعة. واحيانا بسرعة كبيرة لدرجة أنه يصبح من الصعب جدا الوقوف في وجهها، فتلوث كل مجالات الحياة.
تجاوزنا الآن كثيراً مرحلة الكمون. لم تضرب البوادر فقط جذوراً عميقة لها في أرض الواقع لدينا، بل باتت تنبت فروعا آخذة في الانتشار بسرعة كبيرة. وقريبا سنقف متفاجئين عندما نتبين بان الاساس الاكثر وضوحا الذي جعل دولة اسرائيل دولة قوية، ومستقرة، وذات مصداقية، ومحبوبة رغم مواقع ضعف كثيرة ظهرت فيها، آخذ في الاختفاء من حياتنا الديمقراطية.
قلت إن هذا يبدأ بأمور صغيرة. مثلاً عندما يسرق رئيس الوزراء، وزوجته، وأبناء عائلته، المعروفون بكونهم بخلاء ومرضى، مالاً صغيراً من مالية الدولة. لنقل من خلال ارجاع قناني البلاستيك للمشروبات الخفيفة ومواد التنظيف التي اشترتها الدولة لمنزل رئيس الوزراء، ولكن جمعتها وخزنتها ربة البيت، ثم ارسلتها بوساطة مبعوث عليم الى المكان الذي يدفع فيه الصندوق العام لقاء تأمين القناني، وكل هذا من أجل كسب بضع مئات أو الاف من الشواقل، ليس للصندوق العام الذي دفع ثمن القناني بل لجيب العائلة الخاص.
صحيح أن مجرد طرح الموضوع يبدو تافها ومحرجا. دخيلك - ليس لديك ما تنشغل به غير بضعة آلاف من الشواقل؟ فالحديث يدور عن رئيس وزراء، يفني روحه من أجل الجمهور، رجل كان يمكنه أن يكسب الملايين في السوق الخاصة ولكنه فضل التفاني من اجل مصلحتنا جميعا. حقا!
وهكذا فإن هذا الخداع، السرقة الصغيرة، تنسى وتصبح سرقة اكبر. تريد العائلة طعاما طيبا على نحو خاص، وفي معظم الحالات غاليا على نحو خاص. وبالتالي يطلبون، وكي يكون ممكنا الزام صندوق الدولة يزورون الفواتير، ويخدعون حماة الحمى، ويلزمون الصندوق العام بالدفع.
هذه الحالة ايضا، يمكن للكثيرين ان يكونوا مستعدين لان يسلموا بها. فهذا سيكون اقل حرجا من أن يتحول من عنصر صغير الى موضوع لصراع جماهيري. يهز الناس أكتافهم ويقولون: حسنا، المطالب كثيرة بعض الشيء. أمن أجل هذا نقاتل رئيس وزراء أفنى حياته من أجل الدولة؟
وعندها في المرحلة التالية يهاتفون الاصدقاء الأغنياء ويطلبون الهدايا. فالاصدقاء مسموح لهم تقديم الهدايا واصدقاؤهم مسموح لهم أن يتلقوا الهدايا. وعندما يكون مسموحاً يأخذون. وعندما يكون مسموحا يأذنون. وعندما يكون مسموحا يطالبون. في البداية يكون هذا مجرد صندوق واحد من الشمبانيا، ولكن بعد زمن ما يصبح هذا خط توريد، وصندوق واحد يصبح مئات الصناديق، الاف الزجاجات، وصناديق السيجار، والمجوهرات. المعطون لا يتطوعون بالعطاء، بل يطالبون بأن يعطوا. فيستسلمون ويعطون.
رويدا رويدا، في وعي الجمهور الذي يرى فيصمت، تصبح العائلة محصنة. تستحق: فهي تهتم بنا، وعلينا أن نهتم بها. مكانتها تتغير. تصبح عائلة مالكة. عائلة كل شيء تستحقه، وكل شيء مسموح لها، وكل مالية الدولة مفتوحة امامها.
وهذه مجرد البداية. من هناك وحتى الامور الهاذية التي تتميز بها الانظمة غير الديمقراطية تكون الطريق قصيرة وطبيعية ولا يكون ممكنا منع ذلك.
***
في النظام الفاشي مثلا يمكن استخدام الأجهزة السرية لملاحقة المواطنين، وشرح ذلك بالحاجة الى التعرف على الاشخاص الذين يمكن لهم أن يتناقلوا العدوى في فترة الوباء. ولكن سرعان ما يتبين ان هذه الحجة عديمة الاساس. قدرة «الشاباك» على المساهمة في مكافحة «كورونا» او التقليص الكبير لعدد المصابين هامشية. ولكن بهذه الطريقة يمكن للنظام أن يبني مخزون المعطيات عن المواطنين، بحيث يكون يشكل ما يدعو الى الخوف عنصرا مقلقا ضد الحقوق الزائدة التي اخذها الزعماء لانفسهم. وبالطبع توجد الشرطة التي في نظر الحكم تنقسم الى شعبتين. احداهما شعبة التحقيقات، حيث توجد، حاليا، حتى جولة التعيينات التالية التي يقررها الوزير أمير اوحنا – اولئك الذين يظهرون كاعداء للنظام: المحققين، اولئك الذين «يحيكون الملفات» ضد رئيس الوزراء وزوجته. هؤلاء يجب صدهم. يجب معرفة الخطرين منهم الذين يمكن ان يشكلوا أدوات في ايدي خصوم رئيس الوزراء، وادخال من يعرفوا كيف يجمدون التحقيقات ممن لا يهمهم حقا موضوع الغواصات، كما لا تهمهم الطريقة التي كسب فيها رئيس الوزراء 16 مليون شيقل من استثمار لمال اعطاه له ابن عمه، في غضون وقت قصير، بدلا منهم. محققون لا يسارعون الى التحقيق في امتناع رئيس الوزراء عن التبليغ عن ارباحه لسلطة الضرائب ودفع ضريبة عليها كما يفترض القانون، او ما هي الصلة بين الشركة التي «بيعت» اسهمها لرئيس الوزراء من ابن عمه وبين شركات السفن التي تبني الغواصات ولا كيف ولماذا خرق رئيس الوزراء التعليمات التي تفترض تبليغ مراقب الدولة.
الشعبة الثانية في الشرطة، حسب فكر النظام الحالي، هي الذراع الطويلة والمخيفة التي حرصت على اسكات كل من يستخدم حقه الطبيعي في الاحتجاج، التظاهر، الانتقاد، والاعتراض على الميل المتعاظم لعنف السلطة. افراد الشرطة في هذه الشعبة ينبغي أن يكسروا المظاهرات بلا تردد. نتذكر الايام التي تجمع فيها مئات الاشخاص خارج بلفور، وهتفوا لرئيس الوزراء مناحم بيغن «قاتل». فهل تصور احد ما عندها ان يبعث بافراد الشرطة ليعتقلوا الهاتفين والمحتجين؟
ليس هكذا اليوم. ضباط الشرطة، الذين ينتظرون جولة التعيينات القريبة، يعتقلون المتظاهرين الذين يلتزمون بكل القواعد المقررة في التجمهرات، يقيدونهم، ويخلونهم. بعد وقت غير بعيد سيحظرون التجمهرات، وستخرج المظاهرات عن القانون، ويقدم المتظاهرون الى المحاكمة. ودوما ستوجد المبررات المسنودة بالحاجة الى القانون والنظام، لحماية أجهزة الحكم والحفاظ على الزعامة الجديرة بأن تؤدي مهامها في ظروف من الحصانة في وجه أي ازعاج. وهذه المسيرة كما اسلفنا لا توجد في بدايتها بل نحن في ذروتها.
الذروة بالطبع كانت النقاش في لجنة المالية بهدف تدفئة الحساب البنكي لرئيس الوزراء ببضع مئات آلاف من الشواقل الاخرى، وربما الملايين التي ستأتي من استردادات ضريبية بأثر رجعي، بدعوى انه مظلوم مقارنة برؤساء وزراء سبقوه. وهذا ادعاء كاذب. أسلافه لم يتلقوا أبداً اي امتيازات عن صيانة بيوتهم الخاصة وبالتالي لم يكونوا ملزمين بدفع الضريبة.
«معاق اقتصادياً» هتف مؤيدو نتنياهو، وتماما في الوقت ذاته صوتوا مع شركائهم في الائتلاف ضد مشروع القانون الذي كان يمكن أن يحسن الوضع الاقتصادي لـ «المعاقين» الحقيقيين، اولئك الذين تضرروا وبقي بعضهم دون وسيلة عيش بسبب الادارة الفاشلة لوباء «كورونا».
***
ان هذا الفصل المطلق بين ما يخدم الاحتياجات الخاصة للزعيم وعائلته وبين مصلحة المواطنين، هو التعبير الاكثر فظاظة وعنفا للاستخفاف المطلب بكل قواعد اللعب. فالمعايير التي ينبغي أن تتميز بها الدولة الديمقراطية، والتي تقوم على اساس المساواة بين كل مواطنيها، تتآكل من جانب الحكم. وكل هذا في ظل خلق اجواء من التخويف، التهديد، والكذب تنجح رويدا رويدا ولكن بشكل ثابت في ارهاب المعارضة، ليس فقط البرلمانية بل المدنية ايضا.
نتنياهو ليس ضليعا بالتاريخ، كما يدعي، ولكنه ضليع بما يكفي في معرفة أن هذا سينتهي بشكل سيئ. وان الوضع الحالي سيتدحرج الى مطارح مواجهة مدنية وسفك دماء في الشارع الاسرائيلي. ومثل الكثير من المحتالين قبله، انتخب للحكم بطريقة قانونية ولكنه جعل القوة التي منحتها الديمقراطية له مطرقة تنزل على رؤوس معارضيه. ليس متأخرا بعد وقف هذا التدهور، ولكن من شأن هذه أن تكون الفرصة الأخيرة.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق