رواية الحديث الخجول عن التحولات والهجرات

04 يونيو 2020 - 08:01
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

ما بين الممكن من الحب، والسلام، تمضي رحلة مينا من ميدان التحرير وميادين فيينا؛ وما بين خلاصه، وخلاص مجموعته الصغيرة، ممن يعشق ويحب، بكل ما يحمل ذلك من دلالات إنسانية، فرديا وعاما.
ربما لم يجد مينا دورا ليقوم به، وهو الهارب واللاجئ من مجتمعه بكل ما فيه من غبن وقيود، ليلاقي هناك غبنا عنصريا آخر وإن اختلفت القيود. إلا أنه يصر على امتلاك دوره، من خلال بوحه داخل الرواية، باتجاه تعميق الشعور الإنساني والتبشير به؛ من خلال نماذج هنا وهناك. إنه مصير إنساني، إذاً، وهو الخلاص عبر ترك ما هو متكلف، وعيش الحب والجمال، والخلاص من العنصرية؛ فثمة ما يربط بين العاشق مينا، وبين محبة السلام، فـ»على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
خلاص عام لا مجزأ، للبشر شرقا وغربا، فالعدالة واحدة والحب واحد.
عبر تلك الرحلة الإنسانية لمينا، ولمن جعلهم يرتحلون معه من شخصيات، ونحن منهم، في المكان والزمان، حتى لكأن وصف الأماكن يحوز مساحة لا في النص بل في قلبه. ولعل رحلته خارج المكان، مكانه الأصلي هي الرحلة المهمة، بل هي التي استدعت رحلته: حياته السابقة في مصر.
لذلك ليس من الغريب ولا من العجيب أن تلتقي المصائر معا في النهاية، كدلالة عميقة على وحدة مصير الإنسانية؛ فمن خلال شهدة (نيالا) ونادين، تختفي الفوارق، ويصير التضامن الإنساني في أسمى درجاته، حين تهدي المصرية شهدة شعرها الجميل، لنادين التي يسقط شعرها بسبب المرض.
هل هي الجمالية (من خلال إهدائها ضفائرها وهي المميز للجمال المرأة)، مقابل وفاء نادين لكراهيتها قبح الاستعلاء ربما؟ هل ثمة رمز من خلال مبادرة شهدة واستقبال نادين الحنون لها؟
المصير، شعر شهدة - نيالا هدية لنادين المريضة، لتسعد باستعادة ولو رمزية لما هو شعر حقيقي لا مجرد باروكة مصنوعة!
قصة حب، مثلث متساوي الأضلاع، هو وهما الغائبتان، مكانان وزمانان، إلى أن يلتقيا، وخلال ذلك ثمة قصص حب قصيرة، تجمعها الصداقة في الوعي والرغبة في اللاوعي (لعله ما زال في الصندوق الأسود تفاصيل أخرى).
حب قديم وحديث، ومصير كل واحد، ونظرة كل منهما الإنسانية تجاه الأخرى دون جلد لمينا.
رواية، تخللتها قصص قصيرة، هي قصص النساء هنا، باستثناء شهدة - نيالا ونادين، حيث إنه يمكن فعلا أن تكون كل قصة على حدة، لولا وجودها العام ضمن بنية فكرة الرسالة، التي قصدت نقد المجتمعين المصري والنمساوي، العربي الشرقي والأوروبي الغربي.
وهكذا، فقد طاف بنا الروائي طارق الطيب أيما طواف، حد الطوفان، رابطا هنا بين أخيه الحاج رمسيس الذي طافت به أمه وهي تحج الى بيت الله الحرام، ومآله، الذي تركه معوما، (دون ذكر المصير ليكون رمزا للمهاجرين) ليلاقي مصيره في البحر وهو يبحث عن الخلاص من مجتمعه.
رواية جمعت ما جمعته من مصائر أفراد، ومصير الراوي، مينا سليمان، باتجاه وجودي، عبر سبر نفسية الشخصيات ضمن سياقاتهم/ن الاجتماعية والثقافية، من خلال شفافية اللون والخط، كما يلائم شخصية الرسام مينا، الذي يلجأ الى فيينا رساما، فيصير مرسوما، فبدلا من الفاعلية، يصبح مفعولا به، وبدلا من التعبير والبوح، يعبر عنه آخرون وأخريات يتعلمون فن الرسم - والتعبير.
«كل الأشياء عن نفسه» صفحة 105، طفولته، واكتشافاته للحياة والجسد، ولعل عمله كموديل هو ما أعاده للماضي لتذكر حالات الجسد.
ويُظهر لنا عالما إنسانيا لا عنصرية فيه في محيطه، عبر تقدير «طنط جورجيت»، حيث تختفي الفوارق الدينية، ويظهر الأب معلم التاريخ ناقدا سياسيا باتجاه العدالة، تلك هي مصادره الأولى، وهي التي يدخل بها فيينا، بكل تلك القيم الإنسانية النبيلة، بالإضافة لميله للجمال، الجسد بشكل خاص.
ولعل ذلك هو ما يعيده لتذكر أحداث صغيرة مثل «الحمام» تضفي على النص حيوية وتعميقا لما صار عليه وإليه. استدعاء الماضي وهو في النمسا كان وسيلة له ليتكئ عليها وجوديا أيضا.
وهناك، حيث يعمل على عكس ما جاء له، يلتقط فرصة التعرف على الآخرين ممن يلتقون إنسانيا معه، يرتبط بالأشخاص عمليا كمجدولينا مديرة المعهد، ولا يمنع ذلك من التقاط فرصة عاطفية أيضا، كذلك كاندانة الأثيوبية، من خلال حفلة الإيطالي قادر.
لكن شخصيتي كل من نادين النمساوية وشهدة - نيالا المصرية، هما الخطان الرئيسان له، هما عشقه: في البدء شهدة، ثم نادين، زمنيا، لكنه اختار سردا إبداعيا، بحيث بذر بذورا فيه ذكر لشهدة - نيالا، كحكايتها، أكثر من حكايتهما معا، سوى من ضمير سارد عن البدايات، لكنه يعود لذلك ليكمل القصة، قصتهما معا، في حين جعل الحديث حول نادين هو مسار الرواية، كونه يتحدث عن وجوده في فيينا، وخلال ذلك ظهرت النساء الأخريات والرجال بدرجة أقل.
عالم نادين الحنون الملائم لشخصية رسامة، وبداية التعارف، أحبته وحنّت عليه معلومات وعرفته بفيينا، ثم توثيق العلاقة، بالرغم من وجود نساء أخريات في الوقت نفسه، إلا أن العشرة، بينهما، جعلتها المقربة منه والحبيبة والصديقة، لدرجة تلاشي الأخريات سوى من ذكرهن كصديقات. وأكثر ما عمق علاقة الحب هو مصاحبة نادين لمينا في رحلة البحث عن أخيه الذي يحتمل تعرضه للغرق مع المهاجرين عبر البحر نحو أوروبا.
وفي رحلة المصير، يفاجئنا الراوي حينما عاد لبداياتها المؤلمة، حيث تظهر صدماتها العاطفية، والاجتماعية خصوصا حين رافقت الزوج إلى الولايات المتحدة، حيث تفاجأ بأفكار الطائفة التي تنتمي لها أسرة زوجها. وقد عمقت تلك شخصية نادين وعلاقتها بمينا.
وفي العودة لإكمال فراغات قصة شهدة - نيالا، أو لإتمامها من جهة، وإظهار البدايات من جهة أخرى. تظهر «شوشو» التي تتعلم الباليه، تظهر أسرتها، الأم نوال والأب كامل، وتوتر العلاقة بينهما، وكيف أنها ورثت حرارة الأب، لا برودة الأم، التي لربما كان للختان أثر عليها، وإن لم تظهر حادثة ختانها بل ختان الابنة، بحيث يذكرنا الأثر النفسي السلبي له على شهدة، بما حدث من قبل للأم التي كانت مسكونة بشبهها الجمالي من فاتن حمامة، والذي أورثته لابنتها التي صارت تسعى لشبيه عمر الشريف، إلى أن تجد شخصا يشبه الشكل لا المضمون وهو عمر بنهو.
خلال القص يبوح مينا بعلاقته بها، التي توجت بزواج عرفي، ومن ثم تركها، للتزوج رسميا بآخر. ولعل الزواج العرفي لم يكن زواجا كاملا، لأنه من خلال السياق، لا تظهر الحياة الزوجية، بقدر وجود إطار شرعي - يحلل الجنس الناقص، وهذا احتمال عززه زواجها من عمر بنهو الذي مرّ بهدوء.
تظهر مرة ثانية في الثلث الأخير من الرواية، تماما كما يشبه بداية تعارفهما في تكسي أجرة يحدث له خراب، حيث يتمكن من دعوتها على فنجان شاي في «جروبي»، حيث يكون كتابها عن الفن وعلم النفس مجالا له لبناء علاقة ينجح فيها.
إنه مضمون ناقد للمجتمع؛ من خلال كونه موديلا عاريا للرسم، نشط لديه استدعاء الماضي، أكان لذكر حوادث بسيطة عن العري - الفيزيقي، أو وهو الأهم نقد المجتمع المصري، كإيراد مينا حادثة مظاهرات الخبز، ونقده لمآل الطبقة الوسطى، في ظل التحولات التي صاحبت سياسة الانفتاح. وذكره لتهريب أو إهداء الآثار للأجانب، كحال ما تم إهداؤه للدبلوماسي زوج مجدولينا، يأتي في سياق نقدي أيضا لأهل الحكم. ولعله أيضا ذكر شيئا عن مجتمع الريف، خلال سرد علاقة مينا بمليحة. وثمة إشارات نقدية خجولة، للواقع الاقتصادي لأسرة عمر بنهو، ودلالات الفروقات الاقتصادية وصولا لقتل «الخضرجي» غير المتعمد، ربما هو تعمد روائي، محاكاة وقراءة لما في نفس عمر. أما وصف ختان شهدة فهو ليس نقدا بل إدانة لهذه العادة. وكذلك حفلة قادر، وفضح الدبلوماسيين العرب.
أما نقد وتعرية المجتمع النمساوي كاره الأجانب، فقد تم خلال: ما ذكره عن ميدان حقوق الإنسان الذي أحال لما حدث من عنصرية دامية في الماضي. وحديث نادين عن عنصرية النمسا في سياق تاريخي، كما جاء في أطروحتها التي لم تقبلها الجامعة، المتحدثة عن العنصرية النمساوية في القرن السابع عشر. وإشاراتها حول الجلد كأكبر عضو في الجسم، أي نقدا خفيا للعنصرية القائمة على اللون. كذلك نقد سيليفيا ومينا الحاد للصحف في كيفية تغطية أخبار الجرائم. وإيراد قصة الأطفال عن السود، ومعاناة مانويل الذي أبوه أفرو ـ أميركي. وأخيرا معاناة كاندانة الأثيوبية.
في التقنية، تعدد الضمير السارد الغائب والمتكلم، من خلال أكثر من متكلم، أي هناك أكثر من سارد، يتفق مع اتجاه الرواية الجديدة في تعدد الأصوات الساردة. إضافة إلى اليوميات، التي حملت حيوية واقعية تحمل سمة الطزاجة. كذلك الحال مع أدب التجوال، الذي ظهر جليا كون الراوي مينا أصلا ما زال في الرحلة. ولعل ذلك تقاطع مع استدعاء الماضي في أكثر من موقع، وهنا كان للوصف حضور البطولة أيضا. كما أن العودة لتاريخ اللوحات الفنية كان له علاقة مع كون الشخصية الرئيسة فنانا من جهة، والإشارة إلى الإنسانية عبر الفن من ناحية أخرى. أما تعلقه بعلم النفس، وبداية تعرفه بشهدة، فقد تم ربطه من خلال وصفه لمسكنه الجديد في الشارع الذي كان يقطن فرويد فيه.
لقد بذر الكاتب بذورا في البداية كان يعود إليها بحيث جعلها تنمو لتكون (تخلق) الحكاية، استخدم بذور البداية، ليكملها مشوقنا وصولا للنهاية، التي أخذت منحى بوليسيا في فصل البحث عن أخيه رمسيس.
كما تم توظيف الأحلام والتي جاءت بصريا بخط مختلف، تماما كسرديات الآخرين، في إشارة لتعددية السرد. 
وأخيرا، هناك متسع لحب الشرق والغرب، شهدة ونادين، حيث تكتمل دائرة كل منهما على حدة وهما معا، حين يتم تجاوز ما هو عاطفي الى ما هو إنساني. ولعل إيراد وصف البيتين القديمين في مصر وفيينا، من خلال مليحة ومجدولينا، يأتي في هذا السياق.
إنها لغة إشارية، وخجولة البوح، لكنها باحت بكل ما هو مهم باتجاه تصالحية لا باتجاه التصادم العنيف.

«وأطوف عاريا» للروائي السوداني طارق الطيب صدرت عن دار العين، الطبعة الأولى 2018
تصميم الغلاف: هبة حلمي عن لوحة الفنان النمساوي ايجون شيلي، وقعت في 373 صفحة من القطع المتوسط.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق