في الذكرى الـ١٣ للانقلاب ... غزة تخرج من السجل المدني

14 يوليو 2020 - 12:30
صوت فتح الإخباري:

-لم تكن غزة في عام "الانقلاب" ٢٠٠٧م تشهد هذا الزخم للفضاء الأزرق الذي نعيشه في ٢٠٢٠ بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أنواعها كافة، ورُغم انقضاء عامه الثالث عشر فما تزال صورة الملثم الذي يطأ بقدمه النجسة صورة الشهيد أبو عمار، ومشاهد الجسد الممزق بالرصاص للشهيد أبو المجد غريب تملأ كل مكان في هذا الفضاء ، وتستدعي مآسي غزة ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية أنين كل الثكالى والأيتام والأرمال والمهجرين قسريا عن وطن ضاق بهم واحتلته مليشيات المحاور والمصالح.

وبعد كل هذه السنوات سقطت كل دواعي ومزاعم القتل والنهب والسرقة التي مورست، فعدوهم في الانقلاب أصبح الصديق الحميم، غادق الأموال والكابونات ومسير طائرات الأدوية عبر المطارات ، ولكن بقي أنين أكثر من خمسون معتقلا يقبعون منذ لحظات القتل العشوائي ، ودموع أكثر من ٤٥٠ شهيدا وآلاف الجرحى تذرف على فقدان الأحبة .

" فعلى أعتاب ذكرى الانقلاب الأسود ... يطالبنا البعض بعدم التطرق لما حدث من قتل وسحل ... يقولون .. على الله عن ما مضى .. ولكن هل يمكن نسيان ما حدث ؟ هل يمكن أن ننسى أبناء بعلوشة .. أحباب الله .. هل يمكن أن ننسى من أقسم تحت ستار الكعبة على الصلح وهو في غمرة التحضير لذبح المناضلين ؟ .. هل يمكن أن ننسى أن فلسطينيا ألقى بأخيه الفلسطيني عن أسطح الأبراج ؟ " بتلك الكلمات عنون الناشط خالد الحسن أحد كتاباته المرفقة بصورة الشهيد سميح المدهون وجمال أبو الجديان".

ويضيف الحسن :" لماذا نعفو عن ما سلف والانقلاب لا زال يختطف غزة ويمنه الناس حتى من الكلام ؟... لماذا نعفو ومسلسل القتل لا زال مستمرا ... ودماء عصام السعافين لم تجف بعد ؟ .. لن ننسى ".

ونفذت مليشيات حركة حماس في عام ٢٠٠٧م ، انقلابا دمويا قتلت فيه عشرات المناضلين من أبناء حركة فتح ، وجرحت الآلاف واستولت على مقدرات الشعب الفلسطيني ,  وكان من بين الشهداء سميح المدهون المطلوب لسلطات الاحتلال والشهيد جمال أبو الجديان أمين سر حركة فتح شمال قطاع غزة ، فيما قتلت عصام السعافين في سجونها نتيجة التعذيب في العام ٢٠٢٠م.

عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين وعضو المجلس الوطني الكاتب شفيق التلولي استذكر لحظات الانقلاب قائلا:" كلما هلت هذه الذكرى تحسست ركبتي التي سحقتها فوهة بندقية ذاك المقنع الجاهل الذي لا أعرفه ، فأنا لا أحفظ ملامح الجهلاء حتى وإن سقطت أقنعتهم ، ولا أعرف عن ذلك الأحمق غير تلك اللحظة الملعونة التي أطلق فيها نيران غله صوب ركبتي موغلا في عظامي حتى طحن منها ما يشتهي".

ويضيف التلولي :" ربما حط هذا الملثم هناك في واحدة من أوكار الظلاميين حيث بلاد النخيل والياسمين ولعله قضى فيها أو مضى في صحراء فراعنة العصر يخوض غمار "داحس والغبراء" بين قطعان العربان المستعربة المتأسلمة ، أو أن يكون قد علا وتكبر وصار واحدا من أمراء الحروب في زمن الارتهان والاستلاب ... أينما كان فثمة العار والانكسار وستظل ركبتي تطارده في هواجسه وتقلبات وجهه حيثما ولى".

فحكايات "الانقلاب" المؤلمة لم تنتهي رغم مرور ١٣ عاما عليها ، فآثار الدماء والدموع ما تزال مبعثرة في أزقة قطاع غزة ، وحتى قصة النجاة من الموت تكون غالبا مرعبة وآثارها الصحية والنفسية ملازمة للفتاة فاطمة القصاص ، التي تحاول عائلتها علاجها منذ إصابتها في الثالث عشر من يوليو ٢٠٠٧م واستشهاد والدها الذي حاول انقاذها من رصاصة اخترقت رأسها وأصابتها بالعجز والألم والحسرة.

الشابة القصاص التي أصبح عمرها الآن ٢٩ عاما ، تلازمها ثلاث أجهزة طبية على ذراعها ، وتعاني في مأكلها ومشربها ونومها ، فالرصاصة التي اخترقت رأسها أدخلتها في غيبوبة لمدة ثلاثة شهور ، خرجت من المستشفى بشلل نصفي ، لتصاحب والدها الذي حاول إنقاذها وأصيب برصاصة في قدمه حتى فارق الحياة بعد سنوات قليلة نتيجة مضاعفات الإصابة التي سببت له مرض السكر والضغط وفقدان البصر".

وتقول القصاص لمراسل "الحياة الجديدة": أنا ضحية الانقلاب ، ولا أحد يساعدني وفقدت كل شيء جميل في حياتي، حتى دراستي لم أستطيع إكمالها " وبمزيج من الدموع والقهر تضيف:" حرموني من كل شيء ، من العلم ومن ممارسة حياتي الطبيعية".

فبعد كل هذه السنوات من الحرمان والوجع والقهر ، لا تريد القصاص شيء ، سوى مساعدتها في إكمال علاجها ودراستها ، لتعيش حياتها كما كانت ، وبقلبها ولسانها كما تقول :" أناشد رئيس الشعب الفلسطيني ، الأب بعد فقدان والدي ، والسند بعد أن تخلى عنا الجميع ، بأن يساعدني ".

ليس فقط الإنسان في غزة ، هو من ينزف من جرح الانقسام الجاثم على الصدور منذ ١٣ عاما ، فالوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والثقافي والتعليمي والصحي جميعها منهارة وفقا لتقارير دولية ومحلية موثوقة جميعها تؤكد أن غزة لن تكون صالحة للحياة في هذا العام الحالي ٢٠٢٠ وستخرج من السجل المدني للأحياء لتصبح مقبرة كل شيء.

القمع ومصادرة كل شيء شمل الصحافة وحرية الكلمة ، فالرقابة الذاتية أو التخويف بالقتل والسجن وقطع الأرزاق هي الأسلوب المتبع حمساويا مع المجموع الصحفي ، فنائب نقيب الصحفيين الدكتور تحسين الأسطل يؤكد لمراسل "الحياة الجديدة" أن لا حريات صحفية في غزة ، ولا قوانين ، ولا مسلمات ، فالأمر الواقع هو ما يفرض نفسه منذ ١٣ عاما ، والانتهاكات قد تكون موسمية حسب الأحداث ولكنها موجودة ".

ويضيف الأسطل :" نناضل من أجل الحريات الإعلامية ولكن الظروف أكبر من أي شيء ، فهناك رقابة ذاتية لدى الزملاء الصحفيين ، والبعض يخاف على مصالحه ومصادره ويخشى انتقاد الحالة الموجودة في غزة " مردفا:" حماس هي المستفيدة من فرض هذا الكبت على الجميع وشعبنا هو الخاسر الوحيد".

فمعدل النمو في معظم القطاعات الاقتصادية بلغ صفر ، وقدرت حجم الشيكات المرتجعة بأكثر من مليار و١٥٠ مليون دولار أمريكي ، فيما انخفضت قدرة القطاع الخاص التشغيلية بنسب كارثية لم يصلها هذا القطاع في تاريخه , وذلك وفقا لاقتصاديين ولجمعية رجال الأعمال الفلسطينيين في القطاع.

وتخطت نسبت البطالة في القطاع الساحلي الذي يقطنه ٢ مليون نسمة إلى ٥٥٪ مع وجود أكثر من ٣٠٠ ألف عاطل عن العمل ، فيما بلغت البطالة بين صفوف الشباب الخريجين إلى ٧٠٪ و٧٨٪ في صفوف الفتيات ، فيما توقع محللون أن تصل نسبة البطالة إلى ٧٠٪ مع جاحئة كورونا العالمية.

ويتوقع مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مايكل لينك ، بأن الظروف غير القابلة للعيش تحققت فعلا في قطاع غزة ، وكافة المقاييس لتقييم حياة السكان أثبتت بأن القطاع يفتقد للحياة الكريمة منذ سنوات".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق