بالفيديو والصور: شيخ المناضلين "أبو علي شاهين".. درع الثورة وسيف الثوار

28 مايو 2020 - 09:49
صوت فتح الإخباري:

"إن توفاني الله ارموا عظامي في الشارع لعل يتعثر بها العدو فينزف دما"..  كلمات ثورية خالدة كان يرددها دوما شيخ المناضلين أبو علي شاهين، ذلك النموذج الثوري الوفي للوطن وأبنائه الذي تحولت كلماته لنور يضئ الطريق نحو فلسطين.

كان يرى جبال الجليل من رفح، وكان يعرف أن الطريق إليها يمر فقط عبر جسر الكفاح المسلح، وأدرك جيدا أن كل الطرق إلى فلسطين مغلقة إلا طريق الثورة، كما كان صاحب "لا" واضحة لكل ما يخرج عن النص الثوري، وعندما اختلف مع الرئيس الخالد ياسر عرفات كان يقول لاءه الواضحة التي كان يحترمها أبو عمار لأن صاحبها أبو علي، وليس مارقا أو مستثمرا أو صاحب مطمع.

ساهم أبو علي شاهين بأصالة وعيه في رعاية جيل حركي بأكمله يعلي قيمة الحرية على أي قيمة، غرس فيهم من الوصايا الثورية والقيم النضالية ما يجعلهم لا يضلون الطريق أبدا في زمن إختلطت فيه المفاهيم وتداخلت فيه الرؤي، فكان خير محافظا على الوعي الفلسطيني من جميع أشكال الإنحراف و التحريف.

نستذكر شيخ المناضلين في ذكرى رحيله السابعة، وقد تعودنا في مثل هذه الحالة أن نعدّدَ مآثرَ الراحلين ونستعرضُ سيرتهم العطرة، أمّا في مقامنا هذا فنحن لا نتحدث عن شخص فحسب بل حالةٍ راهنةٍ متفاعلةٍ، شخص من القلائل الذين أصبحوا حكايةً شعبية، تغلغل في مزاج البسطاء الذين باسطهم، فباسطوه وتشرّبوه وهضموه وأحبوه وحكُوه، وأصبح ملكَاً حصريّاً لهم، وحين يسترجعون الذكريات يقولون كثيراً "قال أبو علي".

مدرسة المحبة

"غابت الجلسات التنظيمية بغيابه" بهذه الكلمات استذكر أستاذ القانون الدولي، الدكتور زياد سعد، السنوات الي قضاها برفقة شيخ المناضلين أبو علي شاهين.

وقال سعد، "كان أبو علي يطلعنا على محاضر جلسات القيادة وتفاصيل ما يحدث وكأنه أراد أن يصنع منا قادة مستقبل وأن نكون شركاء في القرار وليس إجراء لأي كان، نتناقش ويشتد الصخب والعصف الفكري وللهجوم على السلطة وعلى بعض قراراتها".

وأضاف، "كان يؤيدنا في كل ما نقول ويحاول أن يلتمس بالرفق بعض التبريرات، لأنه كان على قناعة بأن الرئيس ياسر عرفات صاحب الرؤية الاستراتيجية ولن يقتل نفسه وشعبه على عتبة التكتيك أو قانون المرحلة لأنه يملك قانون الحلم الفلسطيني وليس رغبات الاحتلال،  يمتلك أبجديات الحق الفلسطيني وليس الاذعان للاحتلال، يقوى بسلام الشجعان وليس بالاستسلام لكائن من كان".

وتابع، "كان أبو علي يقرأ الأسئلة في عيوننا بحكم التجربة والممارسة، فعندما يقف شخص يقول له تريد أن تسال عن موضوع استنكار القيادة العمليات العسكرية ، سألته مرة ذات السؤال وكنت شديد اللهجة وكان كيف لحركة تحرر أن تتحول إلى حركة تمرير وتتخلى عن أبناءها لذات الفكر الذي غرسته فيهم".، لافتا إلى أنها "ذات التساؤلات التي نطرحها اليوم وتسببت في قطع رواتبنا وألقت بنا في غياهب الجب وتتبع الأجهزة الامنية وجعلتنا مطاردين للقمة العيش ".

وأردف، "رد عليا أبو علي قائلا، أثق في وطنيتك وأن غايتها التصحيح وليس التجريح، ولكن يجب أن تثق بياسر عرفات وأن غايته أن يلقى الله شهيدا".

وأكمل حديثه، " لم يكن يملك رفاهية الوزراء كان ابن المخيم على الدوام، وكان قد سلم سيارة الوزارة المرسيدس البيضاء فور خروجه  من الوزارة  للسيد الرئيس فرفض استلامها، فترك مفتاحها أمامه وخرج ، قائلا  "مال الشعب للشعب وليس لأبو علي شاهين".

وواصل، "أذكر أنه اصطحبنا معه مشيا على الأقدام من مقر الأمن الوقائي برفح إلى المتنزه الذي تم افتتاحه مجددا بحي البرازيل بعدما رفضنا  تحويله إلى بركس للتخزين لإحدي الوزارات ، مهنئنا بهذا النجاح والدفاع عن حقوق هذا الحي في بقاء هذه المنطقة متنفسا طبيعيا للسكان حتي لو كان هذا تحديا لإجراءات السلطة طالما يخدم الناس، وكيف كان سائقه يريد أن يلفت الانتباه بالشخصية الرسمية التي كانت تمشي علي الأقدام فصرخ في وجه سائقه بأن يمتنع عن مثل هذه الحركات ومتابعته والسير خلفه ، وصل  إلى المكان وقال كلمته الراسخة في الوجدان "أتينا إلى الوزارة لنخدم شعبنا من لصوص المرحلة وقطاع الطرق وسنخرج منها كيفما دخلنا، فصدق في رؤياه قولا وفعلا ".

واختتم سعد، قائلا، "هذا هو أبو علي شاهين الذي نتذكره على الدوام وتعج ذاكراتنا بالكثير من المواقف والأحداث والتفاصيل في العمل التنظيمي واليومي وخصوصيات الحياة، لتجده جانبك يحمل همك ويرد على اتصالاتك حتي لو كانت فجرا نازعا فتيل التبريرات الذي تبدأ به لتأخر الوقت، كان يحمي مشاغباتك كما يحمي حقوقك في إطار مدرسة المحبة الذي أسسها، إنه أبو علي شاهين القائد الذي نفتقده علي الدوام ، وفي ذكراه طيب الله ثراه".

درع وسيف

من جهته، قال القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح، الدكتور يوسف عيسى، "لكل منا ذكريات جميلة ومؤثرة مع الشهيد القائد أبو علي شاهين خاصة ممن عاصروه في البدايات أثناء المسيرة الوطنية وداخل أسوار الباستيل الصهيوني، ولا أنكر أن اللقاء الفكري والوطني مع الأب المعلم في بدايةًاعتقالي عام 1980 أثرت في شخصيتي فكريًا ووطنيا وشكلت بدايات ثقافتي فقد كان أبو علي ومن خلال كتاباته ورسائله الدورية التي يعممها علي السجون كافة من عزله الانفرادي يصنع جيل جديد يمتلك من الوعي والمعرفة مما يؤهله للعمل الثوري والمنضبط والذي يعرف أهدافه وآليات شق طريقه إليها".

وأضاف عيسى، "يجب أن نعترف أن أبو علي شكل لنا الدرع والسيف والقلم وكانت دراساته وأبحاثه عن تاريخنا الفلسطيني وعن الحركة الصهيونبة نبراساً اهتدينا به خلال مسيرة وعينا الوطني، وكذلك حاله الانضباط والتنظيم وتدافع الأجيال وضرورة أن تسود قوانين تنظم حياة الأسري سواء داخل التنظيم الواحد أو العلاقات بين أطر الحركة الوطنية الأسيرة شكلت درع حماية للجميع وكانت سورا منيعاً أمام من حاول أن تسود قوانين الغاب علاقات الأسرى بعضهم ببعض ولا  ينكر ذلك إلا جاحد أوحاقد".

وتابع، "من هنا كانت بداية العلاقة والمعرفة بالشهيد القائد أبو علي شاهين وأتذكر قصة تعني الكثير عن شخصية أبو علي عندما كان معزولًا في زنازين العزل الانفرادي في سجن الرملة وجاءت عضوة الكنيست اليمينية المتطرفة في ذلك الوقت غيولا كوهين لزيارة السجن وطلبت أن ترى قائد الحركة الوطنية الأسيرة، وعندما فتحوا باب الزنزانة سألت هل أنت أبو علي شاهين الذي يتحدثون عنه فأجاب نعم، فسألته هل لديك جوارب فقال نعم أيتها العاهرة لدي جوارب، فذهلت من إجابته فخرجت مهرولة من القسم لأنها لم تتوقع هذه الإجابة التي رد فيها على هذه الحاقدة بهدما حاولت المس بكرامته، دون أن يحسب أي حساب لرده فعل إدارة السجن ، خاصة وأن ظروف الاعتقال وقوانين السجون كانت قاسية جدا في تلك الفترة".

واختتم قائلا، "هذا هو أبو علي الذي أعتز بأن أكون واحدًا ممن تتلمذوا على يديك وكان له تاثير كبير في حياتي خاصةً في بداية سنوات اعتقالي، وبعد الإفراج عني بعد تشكيل السلطة الوطنية لمست فيه الإنسان الذي يلامس هموم الناس البسطاء وفي نفس الوقت الوفاء ممكن شاركوه مسيرة النضال والثورة ، فكان باب مكتبه في وزارة التموين مفتوحا للجميع، كما لم يغلق بيته أمام محتاج أو سائل حاجة، نعم أبو علي كان بالنسبة لجيلنا السيف والدرع والقلم والإنسان خلال مسيرة عملنا الوطني، فسلاما لروحك أيها الأب والمعلم والقائد".

هل وصلنا فلسطين؟

بدوره، روى المهندس علي شاهين، النجل الأكبر لشيخ المناصلين، قصة مؤثرة توضح مدى تعلق أبو علي شاهين وارتباطه بأرض فلسطين.

وقال شاهين، "في أخر أيام والدي كان يتلقى العلاج في مستشفى النيل بالعاصمة المصرية القاهرة، كان يعشق مصر وأهلها، وتكفلت السلطات المصرية آنذاك بجميع تكاليف العلاج والدواء باهظ الثمن، وحين قررنا العودة إلى قطاع غزة وفروا لنا كمية من الدواء نظرا لعدم توفره في غزة".

وأضاف، "قبل وفاته بيوم وتحديدا في تمام السابعة من صباح يوم 27/5/2013 تحركنا من مستشفى النيل بسيارة الإسعاف باتجاه معبر رفح وكنت أنا من يرافقه، كان في حالة صحية سيئة وعلى الرغم من ذلك كان طول الطريق يسألني سؤال واحد فقد، هل وصلنا فلسطين؟".

وتابع، "وصلنا الجانب المصري من معبر رفح في تمام الساعة الـ12 ظهرا، وحينها سألني مجددا هل وصلنا فلسطين فقلت له نعم وصلنا، فبا عليه علامات الارتياح، وكأن لسان حاله يقول أريد أن أموت في فلسطين".

واختتم شاهين، حديثه قائلا، "وصلنا مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة في تمام الساعة 1 ونص ظهرا، ووافقته المنية ما بين الساعة 3 و4 فجرا، وكأن روحه ارتاحت وصعدت لبارئها حين وصلنا أرض الوطن".

حكاية شعبية

دأبنا على التحدث عمَّن يفارقوننا بصيغة فعل الماضي الناقص، لكنّ "أبوعلي" كان دوما الفعل التام، فلم تنقصه برهةٌ واحدةٌ في الغياب، كان وطنا لكلّ اللاجئين، واستطاع كلُّ فلسطينيّ أن يدقَّ قلبه، كما يدقُّ باب داره وقتما شاء واثقاً من احتضان أبو علي له، فكان الوطن والأب والابن، وتخلدت سيرته لتصبح "حكاية شعبية"، أما صورته فقد تحولت لبدر ينير عتمة الليالي الظلماء.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق