فرصة لثورة في التعليم والتعلم

26 مايو 2020 - 12:37
فريد مرة
صوت فتح الإخباري:

هل نحن حقيقة أمام فرصة لتغيير جذري في عملية التعليم والتعلم؟
أم أن هذه الفرصة لا وجود لها على أرض الواقع وما هي إلا مجرد أحلام يقظة؟
هذه المقالة هي محاولة لتوضيح ما المقصود بثورة ولماذا هي فرصة.
بداية، يتحدث كثيرون ومن مشارب مختلفة من خلال مقالات وكتب متعددة عما سمي «الثورة الرابعة» وآخرون عن الموجة الثالثة، والتي هي المرجع أو الأساس التي تستند عليه (فرصة ثورة والفرصة).
إن تصنيف ثورة رابعة أو موجة ثالثة ارتكز بالأساس على نوع القوة التي استخدمها الإنسان وعند تغييرها بشكل جذري تحدث الثورة أو تأتي الموجة التاريخية.

القوة الأولى: قوة الجسد.
لقد مر الإنسان بداية وتاريخياً بمرحلة المشاعية الأولى ولفترة تقدر بمئات الآلاف من السنين، في هذه الفترة كان اعتماده على قوته الذاتية أي قوة جسده من أجل البقاء والاستمرار.

القوة الثانية: قوة الطبيعة التي فوق الأرض.
وهذه تمت عندما اكتشف الإنسان الزراعة وهذه الموجة استمرت لمرحلتي العبودية والإقطاع تاريخياً، حيث كانت الزراعة العنصر الرئيسي في حياة البشرية. في هذه الموجة استخدم الإنسان إضافة إلى قوة جسده قوى الطبيعة مما هو متوفر فوق الأرض مثل التربة والمياه والأشجار والحيوانات والفأس والمحراث والنباتات. وفي هذه المرحلة صعدت إمبراطوريات وهبطت إمبراطوريات، وكان للمكان مفهوم محدد مرتبط بحدود الأرض التي تستخدم للزراعة، وكان الاتصال والتواصل بين البشر بسيطاً ومحدوداً ويستغرق وقتاً طويلاً، وكان مفهوم الزمن مرتبطاً بمواسم العمل الزراعي. وأي تطور أو تراجع أو صراع كان في إطار استخدام هذه القوة.

القوة الثالثة: القوة الطبيعية التي في باطن الأرض:
أما الموجة الثانية أو الثورة الثالثة فقد تمت مع اكتشاف الصناعة أو حصول التصنيع وهنا كان الاعتماد ليس على قوة الجسد أو على ما هو متوفر على سطح الأرض بل اعتمدت وبشكل رئيس على ما في باطن الأرض، البترول والغاز والمناجم .....إلخ. وهذه أدت إلى الإطاحة بشكل جذري بكل البنية والثقافة التي كانت بالمرحلة الزراعية. وهنا لا بد من عرض بعض السمات الرئيسة لهذه المرحلة والتي كانت بمثابة انقلاب أو تغيير جذري للسابق وكيف بدأت هذه السمات تتخلخل لصالح الجديد غير أنها امتازت بالخصائص التالية:
1- التجميع: أي وضع البشر بشكل جماعات، إن كان في المصنع أو الشركة أو المؤسسة أو المدرسة أو الجامعة وهذه أمثلة رئيسة، حيث كان الإنتاج أو عملية تقديم الخدمات يعتمد بالضرورة على هذه التجمعات. وخضع كل تجمع إلى إدارة حيث عمل على تطوير هذه الإدارة، في المصنع أو الشركة أو المؤسسة أو المدرسة وتطورت العلوم الإدارية والتربوية والإنسانية جنباً إلى جنب مع العلوم الطبيعية.
2- الجودة: القضية المركزية أو الجوهرية التي اعتمد عليها كانت أساس التطور في المصانع أو في المؤسسات الخدمية إضافة إلى المدارس والجامعات هي الجودة. (جودة منتج، جودة خدمة، جودة تربية وتعليم) وأساس مفهوم الجودة هي السلعة الملائمة للمجموع، وقد ارتبطت الجودة بالمعايير العامة ومؤشرات القياس.
3- الإنتاج لمصلحة جماعة معينة وليس لفرد محدد.
للتوضيح، عندما ينتج المصنع قميصاً معيناً فإنه ينتج منه أحجاماً محددة ومتنوعة ولكنه ينتج عشرات الآلاف من هذه القطع، ومصنع آخر ينتج عشرات الآلاف أيضاً ولكن بطراز مختلف، أي أن التنوع في السوق متوفر وكذلك الأحجام، وعلى المشتري أو الزبون أن يبحث ويجد ما يلائمه من بين هذا الكم والتنوع الهائل. وكذلك الخدمات التي تقدم في الشركات فهي تعتمد أنظمة وتعاملات تخص الجميع، وفي المدرسة فإن الصف المحدد يضم مجموعة كبيرة من الطلاب بمقرر دراسي واحد لجميع طلاب الصف.
4- التزامن أو الزمنية: في هذه المرحلة والتي نحن ما زلنا فيها، تغير أو تطور مفهوم الزمن حيث أصبح أكثر دقة وأكثر تحديداً، العمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى الرابعة مثلاً وموعد الاستراحة محدد، وموعد الإجازة محدد وفي المدرسة كل شيء محدد زمنياً من الصباح حتى نهاية الدوام ومن أول العام إلى آخره، وهذا انعكس وبشكل مباشر على الحياة الاجتماعية للبشرية.
أما القوة الرابعة: (الإلكترونية) فهي ليست قوة الجسد أو ما فوق الأرض أو ما في باطنها، إنما هي قوة جديدة (التكنولوجية الإلكترونية الرقمية)، ليس مهما الاسم بقدر ما هو التأكيد على أنها قوة جديدة، كل المؤشرات تدلل على أنها بدأت تؤثر وتغير في كل أشكال البنى التي ارتبطت بالمرحلة الصناعية. مثلاً، التجمع في مكان محدد وببرنامج زمني محدد، ما عاد ضرورياً وكانت مؤشراته موجودة، لكن جائحة كورونا أظهرت هذا التغير وضرورته بشكل واضح، حتى أن بعض المؤسسات أخذ قراراً بأن يكون العمل وللأبد من البيت وبنت ذاتها على هذا الأساس. وهنا برزت حالة العمل عن بعد وتقديم الخدمة عن بعد والتعلم عن بعد، واللقاءات عن بعد والاجتماعات عن بعد والاتصالات عن بعد... إلخ، والحديث الآن عن اكتشافات هائلة وأدوار عجيبة للإلكترونيات. ولكن وفي هذه المقالة ومن أجل ربطها في العملية التربوية لا بد من التطرق لقضيتين رئيستين.
الأولى، المشتري يذهب ويفتش وينتقي، لقد أصبح بالإمكان الإنتاج بالقطعة الواحدة والبيع مباشرة للزبون، بمعنى لا يحتاج الزبون أن يذهب إلى السوق ليبحث عن الملائم، فقط يستطيع الاتصال مباشرة مع المنتج واختيار ما يلائمه من بين العروض المقدمة على شبكة الإنترنت، وبسهولة يستطيع الحصول على كل طلباته. ما يعني أن مفهوم الجودة الملائمة قد تغير جذرياً وانتقل من الملائمة للمجموع إلى الملائمة للفرد.
أما القضية الثانية التي تأتي بصيغة سؤال، هل تقدم الثورة الرقمية فرصة لثورة في مجال التعليم والتعلم؟
نستنج أولاً، بما أنه توجد قوة جديدة، فنحن أمام مرحلة جديدة مختلفة جذرياً عن سابقتها، أي نحن أمام ثورة بالمعنى التاريخي. سيكون لها تأثير على مجمل حياة البشرية بكل أبعادها ونحن الآن نتلمس مؤشراتها، وفي مجال التعلم والتعليم موضوع النقاش يهم التأكيد على التالي:
1- مصادر التعلم: أصبحت مصادر التعلم بلا حدود من حيث تنوعها وتجددها، فمثلاً أجهزة الاتصال، اليوم، توفر لكل متعلم وبشكل فردي مراجع أكبر من أي مكتبة لأي جامعة ولكل موضوع مهما كان نوعه أو أهميته أو حجمه أو تأثيره.
2- أساليب التعليم والتعلم: أيضاً أساليب التعليم تعددت فكل الأساليب التي تدرس في العلوم التربوية أصبح بالإمكان تطبيقها من خلال استخدام التكنولوجيا وأيضاً بشكل شامل وبما يتلاءم مع قدرات كل فرد، ونستطيع التغلب على الفروق الفردية والتباين في فرص الوصول للمعلومات والشروح بين المتعلمين، أي لم يعد هناك معنى للفروق الفردية للتباين لأن كل فرد يستطيع الحصول على الملائم له.
3- فرص التعلم: اتسعت فرص التعلم من خلال ما يعرف بالتعلم المفتوح والتعلم عن بعد، من حيث فتح الفرصة أمام الجميع ولكل الأعمار وفي كل الأماكن وفي أي زمن ولكل التخصصات للتعلم.
4- تكلفة التعلم: على الرغم من أن فرصة التعليم والتعلم متوفرة للجميع إلا أن تكلفة التعليم ستكون أقل بكثير من تكلفة التعليم العادي، وأبسط مثال تكلفة التعليم في جامعة القدس المفتوحة مقارنة مع تكلفة التعليم في الجامعات العادية.
5- علاقة المتعلم بالمعلم وبالمقرر: لم يعد المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة ولم يعد المقرر هو المرجع الوحيد لنهل المعرفة منه. لقد أصبح من الممكن أن يتعامل المتعلم مع عشرات الآلاف من المعلمين ويستطيع أن يجد المعلم الأكثر ملاءمة للتعامل معه، وما ينطبق على المعلم ينطبق على المقرر، وبهذا سوف ينتهي دور المرجع الواحد وأن على الطالب كما يتم حالياً في امتحان «التوجهي» دراسة الكتاب عشرين مرة لحفظه والتقدم للامتحان به، فبدلاً من أن يقرأ المقرر عشرين مرة يقرأ عشرين كتاباً حول نفس الموضوع.
6- التنافس مع الذات وليس مع الآخر: إن البحث عن الملائم للفرد يتطلب أولاً أن يعي المتعلم نقاط ضعفه ونقاط قوته وهو وبشكل تلقائي يبحث عن علاج نقاط ضعفه وتطوير نقاط قوته، وهذا يعطيه الفرصة للتعرف بشكل جيد على نقاط قوته والتركيز عليها لأنها ستكون أساس نجاحه في الحياة، وبالتالي لا مكان للتنافس مع الآخر، فقط التركيز على التنافس مع الذات.
7- عملية التقويم التربوي: أيضاً سوف تتطور ليصبح على المتعلم أن يجتاز مستويات فمثلاً علم الرياضيات يقسم إلى مستويات «أ» و»ب» و»ج»، والطالب ما عليه إلا أن يجتاز هذه المستويات دون تحديد العمر أو الزمن أو المكان.
وسيصبح القبول في الجامعات التي تعتمد هذا النوع من التعليم متنوعاً ومتعدداً، وكل تخصص له متطلباته المسبقة التي يعيها الطلبة ويستعدون لها بأنفسهم.
8 - حقوق المتعلم: هنا أيضاً فرصة لتوسيع حرية المتعلم، حيث يصبح لديه الحق في الاطلاع والانفتاح على المعرفة ومن مشارب متعددة وله حرية اختيار التعلم الذي يلائمه. وبالتالي حق الجميع في التعليم ومجانيته على المحك. وسيشجع على المطالبة بضرورة توفير بنية تحتية جيدة للتعلم عن بعد أو التعلم الإلكتروني، وكذلك إعادة النظر في مفهوم الحقوق ونوعها وأشكالها.
9 - الأنظمة والقوانين التعلمية: أيضاً سوف تحتاج الأنظمة والقوانين والإجراءات إلى عملية تطوير وملاءمة مع كل ما ذكر.
إن تعليماً وتعلماً ملائماً لكل فرد يصبح بمثابة رؤية تجديدية للعملية التعليمية التعلمية، وبهذا المعنى هي فرصة وثورة. وملاحظة أخيرة وانطلاقاً من أن الإنسان متعدد الأبعاد بيولوجياً وذهنياً ونفسياً وعاطفياً واجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، فإنه بالتأكيد لا يوجد أسلوب تعليمي واحد قادر على تغطية كل هذه الأبعاد. لذا لا بد من إجراء عملية تكامل بين كل الأشكال، التعليم الوجاهي، وعن بعد والإلكتروني، والفردي والجماعي.
 
* محاضر تربوي - جامعة القدس المفتوحة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق