عشية الانتخابات: إسرائيل ما زالت حائرة

28 فبراير 2020 - 08:23
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

كما حدث خلال الساعات الأخيرة ما قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية السابقة، بلغ الشد والجذب بين المعسكرين المتنافسين في إسرائيل خلال الأيام الأخيرة ذروته، حين انزلقت الدعاية الانتخابية إلى المس الشخصي برموز كتلتي الليكود و"أزرق - أبيض"، فحتى اللحظة ليس هناك ما يرجح أن تسفر هذه الجولة الثالثة التي تجرى خلال أقل من عام عن نتائج حاسمة تمكن الكنيست الثالث والعشرين من تشكيل حكومة جديدة، بصرف النظر عمن يتولى أمر تشكيلها، لذا فإن إسرائيل ما زالت حائرة وما زال القلق ينتابها، لكن الأغلبية إن لم يكن الجميع، تخشى من استمرار هذه الحالة، التي بات فيها الفشل في تشكيل الحكومة بمثابة كابوس يؤرق جميع الإسرائيليين، وفي الساعات الأخيرة يبذل المتنافسان جهداً مضاعفاً في محاولة كسر حالة التوازن، وتحقيق المعجزة، بالحصول على أغلبية الواحد وستين مقعداً، لكن في اليوم التالي لإغلاق صناديق الاقتراع، ستنصب الجهود حول رسم السيناريوهات بناء على ما أفرزته الصناديق.
سنحاول بدورنا البحث في الاحتمالات الممكنة بناء على نتائج متوقعة مشابهة لنتائج الدورتين السابقتين، اللتين كشفتا عن أغلبية يمينية - دينية، بفارق يتراوح بين 5 - 7 مقاعد، لكن الشقاق الذي حدث منذ نحو العامين بين حزب "إسرائيل بيتنا" والحريديم ممثلاً بحزبي "شاس، ويهوديت هتوراة" منع اليمين بقيادة الليكود من تشكيل الحكومة، فيما منع بالمقابل خصمه من تشكيل الحكومة، لأن حزب أفيغدور ليبرمان اليميني، في الوقت الذي يضع فيه "الفيتو" على المشاركة في حكومة تضم الحريديم، يضع نفس "الفيتو" على حكومة تتمتع بشبكة أمان عربية.
لذا فإن ليبرمان قال بالحل الوحيد وهو حكومة الوحدة بين الحزبين الكبيرين، وحدهما أو معهما "إسرائيل بيتنا"، لكن نتنياهو الذي ساهم في تعقيد الموقف، بسبب شخصي له علاقة بمحاولته الهرب من المساءلة القضائية، قام بتحصين اليمين، أي التوجه لتشكيل الحكومة ممثلاً لليمين والحريديم وليس فقط لليكود، وما دمنا نتوقع أن تنتهي الانتخابات التي ستجرى يوم الاثنين المقبل، بنتائج مماثلة لتلك التي جرت في أيلول الماضي، أي قبل خمسة أشهر من اليوم، فما الذي يمنع من استمرار الشلل، ومن بقاء الاستعصاء على ما هو عليه؟!
بتقديرنا سيكون الأمر قاسياً جداً على المجتمع الإسرائيلي، وحيث إن الرئيس الأميركي المنحاز جداً لليمين الإسرائيلي، قام أكثر من مرة بتقديم الهدايا له في الجولتين السابقتين بقصد فوزه واستمراره في حكم إسرائيل، فإنه سيكون معنيا جدا، بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، خاصة بعد أن أعلن عن "صفقته" قبل شهر لتحقيق نفس النتيجة، مع ضمان موافقة الخصم، أي "أزرق - أبيض" على نفس الخطة، لكن مقابل "تنازل" مضمونه هو أن يبدأ التنفيذ بعد إجراء الانتخابات، ولعل هذا هو الذي يفسر تحفظ البيت الأبيض على تصريحات نتنياهو أكثر من مرة بإعلان الضم، لتوظيفه في حملة إعادة انتخابه كرئيس للحكومة القادمة، وليس لأي سبب آخر.
ترامب سيكون معنياً مع نهاية العام برد الهدية، حتى ينجح هو بدوره في انتخاباته القادمة، لذا فليس مستبعداً أن يتدخل البيت الأبيض للضغط على الحزبين لتشكيل حكومة الوحدة هذه المرة، حتى تكون حكومة قوية وقادرة على البدء بتنفيذ خطة تصفية القضية الفلسطينية.
العامل الثاني الذي يمكن أن يكون حاسماً هذه المرة، هو أن يتم استدعاء بنيامين نتنياهو إلى القضاء رسمياً، بحيث تزداد المطالبة بإخراجه من الملعب السياسي، كونه متهما، بما يسهل على الليكود وحزب "أزرق - أبيض" ومعهما إسرائيل بيتنا بتشكيل حكومة جديدة، وهذا هو مضمون التأكيد الذي نطق به أفيغدور ليبرمان أول من أمس في مؤتمر "معارف 2030"، حيث قال بثقة: سننشئ حكومة دون نتنياهو، نريد ائتلافا علمانيا وليبراليا، واعتقد أن الاحتمال كبير، فقد سئم الجميع من نتنياهو، سئم أعضاء الليكود في الكنيست منه.
لكن أي أحزاب يقصد ليبرمان بتشكيل الائتلاف العلماني الليبرالي؟ يأخذنا التقدير بأنه يقصد إضافة لحزبه والليكود كلا من "أزرق - أبيض" واليسار، أي العمل وميريتس، لكن الحيرة تعود إلى التقدير حين يتابع قوله، في اليوم التالي للانتخابات سنحصل على 61 مقعداً دون نتنياهو ودرعي وليتسمان.
فلو كان يقصد الحزبين الكبيرين وحزبه واليسار، لكان هذا يعني أغلبية تفوق ثلثي مقاعد الكنيست وليس فقط 61 مقعداً، لكن وحيث إنه قال بهذا الرقم، فإن هذا يعني أن هناك وراء الأكمة ما وراءها، وقد يعني هذا احتمالاً وإن كان يبدو بعيداً أو مستغرباً وهو أن تحدث انشقاقات داخل القوائم الانتخابية.
المهم علينا أن نراقب عدة أمور خلال الأسبوع القادم بهذا الخصوص، هي على التوالي: أولاً نتائج الانتخابات بعدد المقاعد المحددة لكل حزب وقائمة، وبناء عليها ننتقل إلى: ثانيا - احتمالات التشكيل الحكومي الممكنة، فإن حملت النتائج تفوقاً لأحد المعسكرين، وإن كان هذا الأمر مستبعداً، لكنه ممكن الحدوث، ولو بعدد 60 مقعداً، تكون القصة قد انتهت، أما إذا كانت النتائج كما هو متوقع، بأن يحصل أحد المعسكرين على 56 مقعداً مقابل عدد مماثل أو على 57 مقعداً للمعسكر الآخر، مع حصول حزب ليبرمان على 7 أو 8 مقاعد، فإن الأمور ستعود إلى الصورة التي كانت عليها في أيلول الماضي، مع احتمال أن يتم مثلاً تكليف شخصية ثالثة، من الليكود مثلاً بدلاً من نتنياهو أو شخصية من حزب ثالث مثلاً.
وقبل ذلك علينا، مراقبة إن كان نتنياهو والليكود سيسارعان كما فعلا بعد إعلان نتائج الانتخابات السابقة إلى تحصين اليمين، بحيث يكون مستحيلاً على "أزرق - أبيض" وعلى ليبرمان بالطبع الانضمام إلى حكومة يترأسها نتنياهو من جهة ويشارك فيها الحريديم من جهة ثانية.
فإن توجه الليكود متحرراً من التزامه مع الحريديم يعني ذلك أن باب التفاوض الذي يمكن أن يفضي إلى اتفاق بتشكيل حكومة، بات أمراً ممكناً، دون ذلك، فستظل الحيرة والقلق ينتابان إسرائيل، لأنها ستكون أمام أحد خيارين، فإما تدخل خارجي من البيت الأبيض أو الأيباك مثلا - كما أشرنا سابقاً - لفرض حكومة الحزبين، أو الذهاب مجدداً لانتخابات رابعة، لتبقى فصول الرواية الانتخابية المملة قائمة، بانتظار معجزة، تلقي بنتنياهو - على أقل تقدير - إلى خارج الحلبة السياسية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق