كيف نتصدى لجريمة ترامب .. وننتصر ؟

29 يناير 2020 - 10:29
د. عبير عبد الرحمن ثابت
صوت فتح الإخباري:

تراهن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية على أن لا يكون ردة فعل مختلفة من الفلسطينيين والعرب على إعلان الادارة الأمريكية عن جريمة القرن؛ وهذا سيكون مدعاة سرور وغبطة فى اسرائيل وواشنطن، وعليه قد ذهب ترامب من شدة الاستهتار بنا إلى تجاهل أبعاد الصراع الفلسطينى الاسرائيلي الممتدة إقليميا وعالميا وحصرها فى صراع بين شعبين أو بين شعب ونصف؛ والنصف هنا هم الفلسطينيين بمنظور صناع الصفقة الذى هو منظور عقائدى توراتي صهيوني؛ وهو خطأ تاريخي سيكون له ثمن باهظ  فى المستقبل كونه يكرس بشكل فاضح البعدين العقائدى الدينى والقومي للصراع كوجه رئيسي ابتداء من الآن فصاعدا؛ حيث تستند الصفقة الأمريكية فى تسوية كل قضايا الحل النهائي إلى المفهوم التوراتي العقائدى الذى يعتنقه الصهاينة اليهود والانجيليين فى اسرائيل والولايات المتحدة؛ والذى يعتمد بالأساس على الرواية التاريخية الصهيونية؛ والتى تدعي أن الله منح بنى اسرائيل هذه الأرض دون غيرهم من الأغيار.

إننا أمام تسوية عقائدية للصراع وليس تسوية سياسية فمن الخطأ أن نطلق على هذه الصفقة أى مسميات سياسية؛ خاصة أن منح اسرائيل لمدينة القدس وفرض السيادة السياسية على المقدسات الاسلامية والمسيحية هو أهم ما فى هذه الصفقة؛ فهى عمليا أول الخطى فى إرساء دعائم الهيكل الثالث محل المسجد الأقصى توطئة لنزول المسيح حيث ترى الصهيونية العالمية نفسها ملزمة ببناء الهيكل والذى سيكون مكان المسجد الأقصى وبما أن لإسرائيل السيادة على الحرم بموجب الصفقة فلن يكون بناء الهيكل إلا مسألة وقت لتصبح تلك القبة الذهبية التى تعلو مسجد قبة الصخرة المشرفة أثر بعد عين ولا وجود لها إلا فى الصور التذكارية .

وإن تحقق ذلك لهم فعلى الشعب الأمريكي ويهود العالم وليس يهود اسرائيل فقط وكذلك على العالم  بأسره أن يقلقوا وحبس أنفاسهم من تداعيات هذه التسوية القسرية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي على المدى البعيد؛ والتى تريد الادارة الأمريكية من العالم أن يبقى على الحياد بينما تتكفل هي وإسرائيل فى فرض هذه التسوية على الفلسطينيين.

إن صفقة القرن هي فى الحقيقة استخفافا ساذجا جدا بالتاريخ وقراءة انتهازية خاطئة للواقع المتردى لأبناء الثقافة العربية الإسلامية؛ وسترسي دعائم راسخة لحرب دينية مستقبلية لن تبقى ولن تذر وسوف يكتوى بنارها الاقليم والعالم بأسره لأن الفلسطينيين ليسوا هنودا حمرا بل هم جزء من حضارة عربية اسلامية حكمت العالم لأكثر من الف سنة وأضافت لبنات مهمة فى صرح الحضارة الإنسانية؛ وسيكون من المستحيل على كيان كإسرائيل أو حتى الولايات المتحدة طمس هذا التاريخ وإلغاء هذه الهوية عن فلسطين وعن القدس وتجيير تاريخها لصالح رواية توراتية مزعومة تسير بعكس حركة التاريخ الانساني كالرواية الصهيونية، فثمة تاريخ أثرى عميق وناطق لنا على هذه الأرض يدحض الرواية التاريخية الصهيونية وثمة شعب باق على هذه الأرض ومتجذر فيها لن يكون من السهل تجاوزه .

وما بعد الإعلان عن صفقة القرن ليس كما قبلها؛ وعليه لا يجب أن يكون ردة فعل الفلسطينيين بعد إعلان الصفقة مشابهة لما كانت قبلها؛ وإسرائيل لا تريد توقيع أى فلسطينى على هذه الصفقة فالصفقة هى فى الأساس نفى لوجود الفلسطينيين السياسي، وما تريده اسرائيل والولايات المتحدة هو أن يتصرف الفلسطينيون كما اعتادت عليه اسرائيل خلال العقود الثلاثة السابقة.

وعليه ما هو مطلوب من الفلسطينيين اليوم أن لا يتصرفوا بنفس الأنماط الكلاسيكية القديمة؛ والتى تتخذ دوما شكل ردة الفعل قصيرة الأمد والمفعول، كما أن علينا إنهاء النمط الارتجالي السياسي لصالح استراتيجية طويلة الأمد محددة الأهداف وواضحة المعالم للكل الفلسطيني؛ وأن نعيد تفعيل الارادة الشعبية للقرار السياسي الفلسطينى عبر توسيع المشاركة الشعبية فى كل مناحى الحياة السياسية الفلسطينية؛ وذلك لأن سفينة النجاة من الأمواج  المتلاطمة بنا والتى توشك على  إغراقنا جميعا هى الارادة الشعبية فهى وحدها القادرة الصمود والتصدى لهذا العبث بمصيرنا وهى القادرة على الانتصار.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق