جـريمــة الــقــرن!

28 يناير 2020 - 09:42
مهند عبد الحميد
صوت فتح الإخباري:

تحديد موعد الثلاثاء 28 كانون الثاني لكشف بنود صفقة ترامب الموعودة طرح مجموعة من المفارقات الحادة.
المفارقة الأولى: يستخدم الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو ورئيس معارضته غانتس، مشروع تصفية القضية الفلسطينية لدواعٍ انتخابية ولتحسين صورتهم أمام الجمهورين الأميركي والإسرائيلي التي تشوشت بفعل قضايا الفساد والمحاكمات.
إن شطب حق شعب في تقرير مصيره واستخدامه كدعاية انتخابية يدل على مستوى التوحش والغطرسة والعنصرية والإفلاس السياسي والأخلاقي للمستخدمين.
المفارقة الثانية: اعتمد ترامب وفريقه على التفاوض مع الدولة المحتلة وحدها دون شريك فلسطيني في صياغة بنود الاتفاق السياسي والاقتصادي، وقد بدأ بضم القدس وشطب اللاجئين وصولاً إلى تشريع الاستيطان واعتبار الأراضي الفلسطينية غير محتلة وفرض السيادة الإسرائيلية على كل فلسطين، وكل ذلك من طرف واحد هو الطرف الأميركي الملتزم بالموقف الإسرائيلي الموغل بالتطرف والعنصرية. 
ولا يغير من هذه السياسة دعوة القيادة الفلسطينية للتفاوض على تطبيق الضم والتعايش معه. أما دعوة بعض السفراء العرب للاجتماع مع ترامب فهي لا تعدو كونها محاولة للضغط وقطع الطريق على محاولات الاعتراض.
المفارقة الثالثة: تغيير قواعد التفاوض والعمل السياسي المقر والمعتمد من الأمم المتحدة في صيغة معاهدات واتفاقات ومواثيق وقرارات، والاستعاضة عن ذلك بأطماع ونهب استعماري مدعم بالقوة العسكرية وبالوقائع الاستيطانية وبأيديولوجيا دينية متزمتة وبغطاء سياسي أميركي. إن الأكثرية الساحقة من دول العالم تتبنى منذ ما ينوف عن نصف قرن سياسة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 وتعتبر الاستيطان وجدار الفصل العنصري غير شرعيين، وتدعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها مدينة القدس.
ثمة تنافر بين موقف الأقلية الضئيلة التي تمثلها أميركا وإسرائيل وبين موقف الأكثرية الساحقة من دول العالم المؤيدة لفلسطين.
ولكن هذا التنافر يتلخص الآن بانتصار شريعة الغاب وغطرسة القوة على الحق وعلى القانون والعدالة وحقوق الشعوب وحقوق الإنسان، لاسيما أنه لم يتمخض عن التنافر سياسة دولية بديلة. النتيجة الوحيدة لسقوط القانون والعدالة هي عدم ثقة الشعوب بالقانون الدولي وبالمؤسسات الدولية وقراراتها.
المفارقة الرابعة: وحدة الإسرائيليين مؤسسة وأحزابا وشعبا - باستثناءات قليلة - على الموقف الاستعماري العدمي من الشعب الفلسطيني، وتنافسهم على من يكون أكثر تطرفا في إنكار الحقوق الفلسطينية وفي نهب أرض وموارد الشعب الفلسطيني.
إسرائيل تنفرد من دون الدول الاستعمارية في التنكر المطلق للآخر وفي معاقبته وإدانته بتهمة مطالبته بحقوقه المنصوص عليها في قرارات الشرعية الدولية.
جميع الشعوب التي استعمرت دولها بلدانا وشعوبا أخرى انقسمت بين مؤيد لإنهاء الاستعمار والاحتلال وبين داعم له، وكانت الكفة ترجح أحيانا لمصلحة دعم تحرر الشعوب.
إسرائيل لم تنقسم وبخاصة الآن، لا يختلف برنامج ومواقف المعارض غانتس الذي يهرول الآن إلى واشنطن، عن موقف نتنياهو وتحالف اليمين المتطرف بعد أن تبنى غانتس موقف ضم الأغوار والمستوطنات.
الموقف الإسرائيلي المتماثل يلغي وجود شريك إسرائيلي، ويضع طرفاً يتنكر للسلام وللعدالة وحقوق الإنسان، ويؤيد الأبارتهايد والنهب الاستعماري، في موقع الاستمرار في إنتاج العنصرية والفاشية والانتماء لدول التوحش والهيمنة الاستعمارية.
المفارقة الخامسة: تسجل علاقات إسرائيل مع عدد من الدول العربية ازدهاراً غير مسبوق في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والأمن والرياضة، ويترافق الازدهار مع التنكر الإسرائيلي المطلق للحقوق الفلسطينية.
هذه العلاقات تتناقض مع الموقف الرسمي العربي الداعم للقضية الفلسطينية سواء عبر قرارات القمم العربية والجامعة العربية وانتهاء بما تسمى مبادرة السلام العربية، وعبر المقولة العربية الشهيرة القائلة: «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون».
اللافت أن ازدهار العلاقات العربية الإسرائيلية لم يتأثر سلبا بعد قرار ضم مدينة القدس ونقل السفارة  الأميركية إليها.
وبالمثل تزدهر علاقات التعاون العربية الأميركية التي توجت في ملتقى المنامة الاقتصادي، الذي كشف عن الجزء الاقتصادي للصفقة بالاستناد إلى الأموال العربية.
الموقف العربي الرسمي من الإعلان السياسي للصفقة الذي سيكشفه ترامب، سيحدد فيما إذا جرى تكريس انفصال القضية الفلسطينية عن القضايا العربية من الوجهة الرسمية أم لا.
في ظل هذه المفارقات وتأثيراتها السلبية الشديدة، يكتسب الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي  من صفقة أو جريمة القرن أهمية استثنائية.
هل سيكون الموقف الرسمي تكراراً للمواقف السابقة أم سيختلف باختلاف الحدث وما يمثله من خطر مصيري.
فمشروع الصفقة هو مشروع اليمين الاستيطاني الإسرائيلي القائم على الأرض والذي نما وتطور بمرور السنين وكان ينقصه الترسيم الأميركي الذي وفره ترامب.
لم يبق مبرر واحد لإعادة بناء إمكانية الحل السياسي من خلال تغيير ما في الانتخابات الأميركية والإسرائيلية القادمتين.
لقد دمرت إسرئيل طريق السلام والحل وجاء ترامب ليهيل عليه التراب ومن المنطقي الخروج الكامل من مسار أوسلو. 
لقد استندت السلطة لاتفاق أوسلو على مدار عقدين ونصف العقد من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، وجاءت النتيجة عكسية، وفوق ذلك سيستخدمونه الآن كغطاء للضم والعزل العنصري، بعد أن استخدمه نتنياهو لنشر الاستيطان وضم الأراضي طوال الوقت.
لا ينبغي استمرار الالتزام بأوسلو بعد إعلان ترامب كي لا يشكل غطاء للضم والأبارتهايد.
الخروج من أوسلو ينطوي على تحديات من الوزن الثقيل. بدءا بالعقوبات الاقتصادية والحصار بما في ذلك حجز المقاصة - أموال الضرائب -، وانتهاء بعدم الدخول في حالة من التفكك والانهيار والفوضى.
من أجل ذلك مطلوب بناء الثقة بالذات وبقدرة الشعب على الصمود والاستجابة البناءة لمرحلة ما بعد أوسلو.
ولا نستطيع بناء الثقة إلا بإصلاحات فورية تبدأ من رأس الهرم تتلاءم مع الشروط الجديدة بما في ذلك إعادة تقييم ونقد المرحلة السابقة.
لا بديل عن وحدة وطنية حقيقية وفي هذا السياق ما أحوجنا الآن للمؤسسات الشرعية كالمجلس الوطني.
فلماذا لا تتم الدعوة لاجتماع المجلس الوطني بحضور ومشاركة جميع القوى ويمكن التغلب على مشاكل المكان باعتماد نظام الاتصال بين حلقات الاجتماع، مع التأكيد على أن البنية القديمة تحتاج إلى تعديلات تتناسب مع حالة الحصار والضم والأبارتهايد.
والوحدة الوطنية من جهة أخرى لا تستقيم مع كل حديث عن اتفاق التهدئة المزمع إبرامه في قطاع غزة.
فكما أطاحت صفقة أو جريمة العصر باتفاق أوسلو من الطبيعي أن تبطل السعي لاتفاق التهدئة دون أن يعني ذلك فتح معركة مواجهة مع دولة الاحتلال. 
[email protected]
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق