أبعاد وملامح الهوية السياسية لحركة فتح 

16 ديسمبر 2019 - 12:44
هشام عبد الرحمن
صوت فتح الإخباري:

 

اعتمدت حركة فتح في الحفاظ على امتدادها على ترابها النضالي والرمزية النضالية والتاريخية العالية التي شكلتها القيادات الكارزماتية للحركة، ولكن هذه القدرة للرمزية والثروات تطرح العديد من الاحتمالات التي تحتاج إلى إجابات واضحة من خلال البنية التحتية للحركة .

إن حركة فتح وبسبب تبنيها لخيار الكفاح المسلح كان لها الدور الرئيسي والفاعل في بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، وتبنت أولوية البعد الوطني في مواجهة الكيان الصهيوني على البعد القومي ورفعت شعار لا وصاية ولا تبعية ولا احتواء . وقد  حدد  الشهيد  القائد ياسر عرفات هوية الثورة الفلسطينية عندما وصفها بأنها فلسطينية الوجه عربية القلب وإنسانية الأبعاد

 من هنا برزت ثلاثة أبعاد للهوية لدى حركة فتح :

أ- الهوية الانسانية العالمية :

نظرت فتح إلى نضال الشعب الفلسطيني على أنه حق مشروع باعتباره جزءاً من النضال  الانساني المشترك لشعوب العالم ضد الصهيونية، حيث عرفت عن نفسها أنها حركة تحرر وطني أسوة بحركات التحرر التي كانت منتشرة في العالم في تلك الفترة، واضعة نفسها في هذا المعسكر الذي يرفض الاحتلال والاستعمار والإمبريالية العالمية، فقد رأت فتح في الصهيونية حركة عنصرية استعمارية. وأن الوجود الإسرائيلي في فلسطين هو غزو صهيوني عدواني وقاعدته توسعية، وهو حليف طبيعي للاستعمار والإمبريالية العالمية، وأنه يجب العمل على تحرير فلسطين وتصفية الكيان الصهيوني في شتى الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية، في حين أن فتح لم تكن ضد الديانة اليهودية أو اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين قبل حرب عام 1948م، بل اعتبرتهم مواطنين فلسطينيين.

كانت حركة فتح ترفض أي تدخل عربي أو دولي في القضية الفلسطينية، واعتبرت أن صاحب الحق في تقرير مصير الشعب الفلسطيني هم الفلسطينيون الذين قتلوا وشردوا من ديارهم؛ لذا فإنها رفضت كل المشاريع والقرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة والتي لا تتناسب مع حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

عبرت فتح عن مساندتها للشعوب المضطهدة في كفاحها المستمر لتحرير أوطانها وتقرير مصيرها من أجل بناء صرح السلام العالمي على أسس عادلة، وهى بذلك تضع نفسها ضمن الحركات التي تسعى لإحلال السلام العالمي وأن كفاحها هو من أجل الحصول على حقوقها المشروعة وأن كفاحها المسلح ليس حربًا توسعية استعمارية، كما أنها تنظر بعين العطف وتمد يد العون للشعوب المضطهدة كافة، وهو ما ترجمته الحركة من خلال علاقاتها مع كثير من حركات التحرر حول العالم.

رأت فتح أنه لابد من إبراز الهوية الفلسطينية بمحتواها النضالي في المحافل الدولية لتعريف العالم بعدالة القضية الفلسطينية، وإظهار أن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الصهيونية العالمية وما تمثله من احتلال لأرض فلسطين وتهجير سكانها، هو حق مشروع لأبناء الشعب الفلسطيني، مع التأكيد الدائم على عمق العلاقة والتاريخ والمصير المشترك مع الدول العربية.

عملت حركة فتح على إقامة صلات وثيقة مع القوى التحررية في العالم لمناهضة الصهيونية والإمبريالية، واعتبرت فتح هذه القوى والحركات صديقة وداعمة لكفاح الشعب الفلسطيني ولحقوقه المشروعة، وفي المقابل كانت فتح لسنوات عديدة اقرب للمعسكر الشرقي (الاشتراكي)، ودول أمريكيا اللاتينية والقوى الثورية في آسيا وإفريقيا من المعسكر الغربي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول حلف الناتو.

ب- الهوية القومية العربية :

تؤمن حركة فتح إيمانًا كبيرًا بعمقها القومي وهويتها العربية ويتجلى ذلك واضحًا في المبدأ الأول لحركة فتح، والذي يتحدث عن أن فلسطين جزء من الوطن العربي والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، وأن كفاحه جزء من كفاحها، وهذا يعطى عمقًا للقضية الفلسطينية ويعزز بعدها العربي والقومي ويخرج حركة فتح من دائرة الاتهام التي كانت تقول أن حركة فتح تعمل على التخلص عن قوميتها وتتجه للبعد الوطني، خاصة وأن مرحلة الستينات من القرن الماضي شهدت ظهور كثير من الحركات والأحزاب ذات الصبغة القومية متأثرة بالحركات القومية التي وجدت حول العالم في تلك الفترة، كما أن حركة فتح كانت تعتبر معركة تحرير فلسطين واجبًا قوميًّا تسهم فيه الأمة العربية بكل إمكانياتها وطاقتها المادية والمعنوية، ومن جهة أخرى فإن حركة فتح تشعر وتقر بضرورة أن يكون لها دور فاعل تجاه القضايا المصيرية للأمة العربية والمشاركة في تحرير أقطارها أو المشاركة في بناء المجتمع العربي التقدمي الموحد في إشارة واضحة إلى تمسك الحركة بقوميتها العربية واستعدادها لأخذ دور فاعل وإيجابي تجاه القضايا العربية كافة  .

 

 

ج- الهوية الوطنية الفلسطينية :

لقد كان لحركة فتح دور كبير في تثبيت الهوية الوطنية لأبناء الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال نقل الصراع مع إسرائيل من أيدي زعماء الدول العربية إلى المجموعات الفلسطينية المقاتلة التي رفعت شعار الكفاح المسلح ضد إسرائيل ورفضت أي نوع من الوصايا على الشعب والقضية الفلسطينية، سواء كانت هذه الوصاية من الدول العربية أو أي دولة أخرى في العالم، وهى بذلك رفعت شعار القرار الوطني المستقل وعملت على ألا يتناقض ذلك مع انتمائها العربي وهويتها القومية، ويظهر ذلك في نص المادة رقم (2) من ميثاق فتح التي تتحدث عن أن الشعب الفلسطيني ذو شخصية مستقلة وصاحب الحق في تقرير مصيره، وله القيادة المطلقة على جميع أراضيه، رافضة بذلك أي نوع من الاحتلال أو التقسيم أو الوصاية أو أي نوع من المبادرات السلمية، وأن حركة فتح هي حركة وطنية ثورية مستقلة وهى تمثل الطلقة الثورية للشعب الفلسطيني، ومن أجل تعزيز حركة فتح بعدها القومي دعت إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة على كامل التراب الفلسطيني تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العصبية، وأن تكون القدس هي العاصمة لتلك الدولة، كما دعت إلى بناء مجتمع تقدمي يضمن حقوق الإنسان ويكفل الحريات العامة للمواطنين كافة ، ودعت حركة فتح أيضًا إلى العمل على إبراز الشخصية الفلسطينية لمحتواها النضالي الثوري في الحقل الدولي، وهذا بما لا يتعارض ولا يتناقض مع الارتباط المصيري بين الأمة العربية والشعب الفلسطيني، وكذلك دعت حركة فتح إلى الوحدة من فصائل المقاومة الفلسطينية وحركاتها كافة، وذلك من خلال دعوتها إلى أن يبقى الاختلاف والتناقض بين فصائل الكفاح المسلح هامشيًّا، وأن التناقض الرئيسي والأساسي يجب أن يكون مع العدو الصهيوني الذي احتل أرض فلسطين وشرد شعبها، وأن أي اختلاف بين الفصائل وحركات المقاومة سوف يضعف الجبهة الفلسطينية ويحول دون تحقيق أهدافها .

كما ركزت حركة فتح في منطلقاتها الفكرية على الطابع الوطني للصراع مع (إسرائيل)، وأهمية تحرير الأرض، وعبرت عن ذلك بالقول بأن أي مضمون اجتماعي يحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية: وحدة اجتماعية، ووحدة جغرافية، ووحدة سياسية، وفلسطين بوصفها الحالي تفتقد هذه العوامل المكونة للمضمون الاجتماعي للثورة، من ناحية أخرى تظهر الاتجاهات الأيديولوجية لدى تنظيمات فلسطينية أخرى، على سبيل المثال فإنه من وجهة نظر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فإن الصراع مع الكيان الإسرائيلي هو صراع قومي ذو مضامين طبقية، وترى منظمة الصاعقة ضرورة الربط بين الوجود الصهيوني في المنطقة في والوجود الاستعماري فيها .

إن حركة فتح ومنذ نشأتها ركزت على فكرة تحرير فلسطين مع التأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية، واستقلالية القرار الفلسطيني، استبعاد الأيديولوجيات من هوية الحركة، لتوحد الجميع في معركة التحرير، وعليه يمكن اختصار مبادئ واستراتيجيات ورؤية حركة فتح في النقاط التالية :

  1. لا يمكن استرداد فلسطين إلا عن طريق الحرب الشعبية طويلة الأمد والنضال العسكري.
  2. معركة التحرير لها الأولوية على أي تناقضات فكرية أو سياسية أو اجتماعية، وتكون الهوية التي تجمع الجميع هي البندقية.
  3. تحرير فلسطين هو الطريق لتوحيد الوطن العربي وليس العكس.
  4. ضرورة تحرير الإرادة الفلسطينية والحفاظ على استقلاليتها في القرار والقتال.
  5. فتح حركة وطنية ثورية مستقلة.
  6. معركة تحرير فلسطين واجب عربي وديني وإنساني.
  7. الكيان الصهيوني مؤسسة عنصرية عسكرية متكاملة دخيلة وغازية، وقيام دولة فلسطينية عربية ديمقراطية -يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بحقوق متساوية – على أنقاض هذا الكيان أمر حتمي.
  8. بعد حرب 1973 أضاف المجلس الثوري لحركة فتح مبدأً يقول أن الشعب الفلسطيني وحده له الحق في ممارسة السيادة الوطنية على أي جزء من أرض فلسطين يتم تحريرها.

انطلاقًا من المبادئ السابقة نستطيع القول أن حركة فتح حددت لنفسها جملة من الأهداف نوجزها على النحو التالي :

  1. تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا وتصفية دولة الاحتلال الصهيوني بكافة المستويات.
  2. إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة على التراب الفلسطيني، تحفظ للمواطنين الأصليين حقوقهم الشرعية على أسس العدل والمساواة دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة وتكون القدس عاصمة لها.
  3. بناء مجتمع تقدمي يضمن حقوق الإنسان ويكفل الحريات العامة لكل المواطنين.
  4. المشاركة الفعالة في تحقيق أهداف الأمة العربية وبناء المجتمع العربي الموحد.
  5. مساندة الشعوب العربية المضطهدة في كفاحها لتحرير أوطانها وتقرير مصيرها من أجل بناء صرح السلام العالمي على أسس عادلة.
  6. تؤمن الحركة أيضًا بضرورة الحياد في طريقها، لن تنحاز لأي جهة ضد الأخرى، ولكنها ستكون بالمرصاد لأي جهة تضر بمصالح القضية الفلسطينية.

يمكن القول أن حركة فتح هي حركة وطنية ثورية طليعية، تسعى للتغيير الجذري للواقع     من خلال التمرد على الاحتلال ومواجهته، وصولًا لبناء مجتمع تقدمي يضمن حقوق الإنسان، ويكفل الحريات العامة لكافة المواطنين، في ضوء رؤية تقدمية، تتعزز فيها سيادة القانون وعدم القبول بالفوضى والفلتان الأمني، في ظل دولة ديمقراطية قائمة على العدل والمساواة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق