في انتظار اثنين التكليف في لبنان

07 ديسمبر 2019 - 09:31
عبير بشير
صوت فتح الإخباري:

في الطريق إلى استشارات التكليف يوم الاثنين القادم، الذي حدده قصر بعبدا أخيراً بعد أكثر من شهر على استقالة سعد الحريري، لا يبدو هناك شيئ محسوم، رغم ارتفاع أسهم المهندس سمير الخطيب.
ويبدو أن السلطة الحاكمة قد استوعبت صدمة المرحلة الأولى من الثورة، وعادت إلى أعمالها المعتادة من اجتماعات للجان النيابية، وتمرير مشروعات قوانين، كما استأنفت مساعيها لاستعادة مواقعها التي خسرتها لمصلحة المنتفضين، خصوصاً موقع الحكومة التي أسقطها الشارع، وذلك مع تراجع الزخم الثوري.
ولكن هناك إمكانية أن يعترض ترشيح الخطيب مشكلة كبيرة، وهي إسقاطه في الشارع قبل بلوغه عتبة التكليف رسميا، وذلك بعدما انكشفت ملامح الحكومة التي يعتزم تشكيلها، وهي حكومة سياسية مقنعة، وممسوكة من الغالبية الحاكمة وبتوازنات الانتخابات النيابية الأخيرة.
ويبدو أن هذه الحكومة التكنو- سياسية، لا تحاكي مطالب المتظاهرين بحكومة نقية من اختصاصيين، ومشكوك بقدرتها على بعث رسائل ثقة للخارج الذي يتطلع إليه لبنان، لضخ مساعدات وأموال لتمكينه من النجاة التي تتطلب ما يشبه المعجزة.
كما أن تأييد «رفع العتب» من سعد الحريري، لرئاسة الخطيب للحكومة القادمة، لا يكفي، في ظل اعتراض رؤساء الحكومة السابقين- نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة وتمام سلام – وفي سؤال عن إمكان دعم الخطيب، قال ميقاتي: «إن الخطيب يملك كل مقومات الاحترام، لكن مقومات حمل الاعباء في هذه الظروف السياسية أمر آخر، فالمرحلة الحالية صعبة». كما نأت دار الفتوى بنفسها، وهو ما يحرم الخطيب من الغطاء السني، والأهم أن الوضع الاقتصادي والمالي والذي لم يشهد لبنان مثيلا له على الإطلاق منذ تأسيسه في ظل شح السيولة، وهذا لا يسمح بحكومة إشكالية، وهو يحتاج إلى حكومة يلتف حولها غالبية الشعب اللبناني. ومن ضمن المخاوف أن انطلاق الحكومة بهذا المستوى من المشكلات والتشكيك سيفشل عملية إقلاعها بحيث قد تهوي بسرعة لأنها لن تحظى بفرصة سماح.
وقد لا تكون ذريعة قليلة الأهمية أن الشارع السني يرفض التمثيل في الحكم بشخصية بمواصفات الخطيب، في وقت يتمثل المسيحيون بالرئيس ميشال عون والشيعة بالرئيس نبيه بري. الحريري ند الاثنين وشريكهما الثالث في توازن السلطات الدستورية وتوازن تمثيل الطوائف.
 مرور الوقت عبر تداول أسماء مرشحين محتملين للتكليف جعل إصرار الشارع السني على الحريري أكثر صلابة وتبريراً، وضاعف من تواتر العقبات والعراقيل في طريق كل خليفة محتمل له. وما يعرفه الحريري أن لحزب الله مصلحة أساسية، هي إبعاد النزاع السني – الشيعي عن المشكلات الداخلية. لا احد من بين نظرائه السنة يستطيع أن يشكل مانعاً حقيقياً في وجه هذا النزاع. تيقن الحريري من هذا الهاجس مكنه من الإصرار على تصلبه برفض تولي رئاسة الوزراء إلا ضمن شروطه. كما أن حاجة الشارع السني إليه، وتمييزه عن سائر أولئك الذين يدينهم الحراك الشعبي ويتهمهم بالفساد والاختلاس، فلم تسق إليه اتهامات كتلك، ولا يزال شارعه السنّي ينظر إليه كمنقذ، رغم الإخفاق  الكبير للرجل في إدارة شركاته.
وفي إجراء يكشف الواقع الاقتصادي الخطير، وجه الرئيس المستقيل سعد الحريري، رسائل دولية، ناشد فيها الدول الشقيقة والصديقة تأمين اعتمادات مالية تمكن لبنان من استيراد المواد الغذائية والأولية اللازمة للصناعة، وللإنتاج.
ورغم المعلومات عن استمرار «صراع مكتوم» حول بعض الحقائب، فإن المفارقة «المدوية» كانت في إنجاز تحالف ميشيل عون – الثنائي الشيعي، تشكيلة الحكومة العتيدة، قبل تسمية رئيسها.
واستنكر رؤساء الحكومة السابقون في بيان عنيف لهم، الاعتداء على صلاحيات النواب بتسمية الرئيس المكلف قبل الاستشارات النيابية الملزمة لرئيس الجمهورية، والاعتداء على موقع رئاسة الحكومة، وصلاحياتها، حسب اتفاق الطائف وروح الدستور، وذلك من خلال استباق نتائج هذه الاستشارات، وابتداع ما يسمى رئيسا محتملا  للحكومة، وهو ما قام به ميشيبل عون، وصهره جبران باسيل، الذي أعلن عن ذلك صراحة، ويبدو أن التيار العوني وباسيل خصوصا، يريدون الظهور على أنهم ما زالوا مقررين على الساحة اللبنانية، بعدما انكشف التيار البرتقالي كواقع شعبي، في نظرة الرأي العام المسيحي واللبناني تجاهه، وفي النظرة المحلية والخارجية، وانكسرت الهالة الرئاسية العونية، بصرف النظر عن استمرار التيار عددياً في المجلس النيابي.
وحتى إن تم ترجيح كفة الخطيب لرئاسة الحكومة الجديدة، من خلال الاستشارات النيابية القادمة، وتمت في النهاية ولادة الحكومة الجديدة، إلا أن الخروج من نفق المأزق الحالي يتطلب معالجات عميقة وجذرية أبعد من حدود الولادة الحكومية المرتقبة التي قد تمنح لبنان فرصة وهمية لالتقاط الأنفاس، ولكنها لن تكون مجدية وذات أثر، في وقت يدور فيه الحديث عن ترقب حدوث الانهيار الاقتصادي الكبير في بداية الشهر الثالث من العام المقبل، في حين تبدو الطبقة السياسية منفصلة تماما عن الواقع المالي – الاقتصادي، التي من شأنها أن تهدد بتداعيات وخيمة على الأمن الاجتماعي في لبنان.
ويلفت الخبراء أن الأزمة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن «الأعراض» التي ظهرت حتى الآن ليست سوى رأس جبل الجليد، والآتي أعظم. وفي حال عدم حدوث تحول جذري في سلوك الدولة ونمط مقاربتها للورطة الراهنة سيرتب تداعيات متدحرجة خلال الأشهر المقبلة، ومن بينها تزايد حالات الإفلاس والتعثّر المالي وتفاقم ظاهرة إقفال المؤسسات وما يرافقها من صرف للعمّال، الأمر الذي سيرفع أرقام البطالة الى معدلات قياسية غير مسبوقة.
إن الطوفان الذي شهدته مناطق عدة من لبنان ولا سيما منها الساحل الجنوبي أمس، لا يشكل أي مفاجأة نظراً الى السجل الطويل من التجارب الموسمية المماثلة في بلد انعدام صيانة الخدمات. ويكفي للدلالة على معاناة اللبنانيين أمام مآسي غياب الدولة والخدمات واستفحال الاهتراء الذي يضرب البنى التحتية، أن يحاصر عشرات ألوف المواطنين في سياراتهم أكثر من خمس ساعات بين برك تسببت بها الأمطار الغزيرة.
هناك في لبنان جيل جديد، جيل قادم من فضاء العولمة، والتواصل الاجتماعي، جيل يعتقد أن وطنيته تمر بعالميته، وعالميته تمر بانتمائه الحضاري، وانتماؤه الحضاري يمر بالتضامن الاجتماعي، ومعالجة القضايا الاقتصادية، وتجاوز الخلافات السياسية والدستورية والأيديولوجية التي تسببت بوصول الاقتصاد اللبناني إلى القعر.
توالت على حكم لبنان طبقة المؤسسيين، وطبقة أمراء الحرب، وطبقة اتفاق الطائف، ثم طبقة المحتلين، وطبقة وكلاء المحتلين، وطبقة المقاومين والمحررين، وطبقة 8 و 14 آذار، ولم ير هذا الجيل الجديد أن هذه الطبقات حملت إلى لبنان، فرص العمل والإنتاج، والسيادة، والحرية، والنزاهة، والحكم الرشيد.
هذا الجيل، لن تقنعه حكومة سيتم تلفيقها، وهي لا تمثل رجع الصدى للانتفاضة اللبنانية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق