هل تأتي صدفة أم في توقيت مدروس؟

07 ديسمبر 2019 - 10:30
صادق الشافعي
صوت فتح الإخباري:

بدايةً، هناك قناعة إجماعية أن لا شيءَ يأتي من جهة دولة الاحتلال صدفة، او غير مقصود ولا يكون مدروساً ومخططاً، ولكن ليس شرطاً ولا دائماً ينجح ويتحقق.
تؤكد هذه القناعة تفاصيل لا تعد ولا تحصى من المواقف والخطط والممارسات في مسيرة دولة الاحتلال منذ اليوم الأول لقيامها الغاصب.
ونحن لا نكتشف البارود عندما نقرر حقيقة ان دولة الاحتلال سعيدة جداً بوجود الانقسام وحريصة جداً على ديمومته وعلى تغذيته، وعلى استمرارية الحكم الناتج عنه وتطوره الى انقسام كياني.
ويلازم هذه الحقيقة حرصها على إبقاء هذا الحكم ضعيفاً، وسعيها لاحتوائه.
لا يمكن ان يكون وراء الترتيبات «المبادرات ؟!» التي تندلق في هذه الأيام حمّى كرم أخلاق تصيب دولة الاحتلال، ولا هي صحوة ضمير.
لماذا يعلو في هذه الأيام الحديث متشعب المصادر عن ترتيبات جديدة - كما وصفتها صحيفة هآرتس العبرية - بين حركة حماس ودولة الاحتلال بشكل غير مباشر تقود الى هدنة طويلة الأمد وليس هدنة مؤقتة.
من هذه الترتيبات (المبادرات؟!) :
- موافقة رئيس الوزراء نتنياهو (حسب القناة العبرية) على مشروع إقامة ميناء اصطناعي قبالة سواحل قطاع غزة، إضافة الى مطار جوي في المرحة المقبلة.
-  إقامة عدد من المشاريع داخل الأراضي المحتلة، وعلى حدود القطاع مباشرة، بادعاء توفير فرص عمل للعمال من قطاع غزة بهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، والتقليل من دائرة العنف القادمة من القطاع.
وفي الوقت ذاته ستعمل دولة الاحتلال على إمداد غزة بخط آخر من الكهرباء للحد من أزمة الكهرباء المتفاقمة فيها.
- ثم، لماذا هذا التمسك من قبل حركة حماس، والموافقة والتسهيلات من دولة الاحتلال لاقامة   مستشفى ميداني أميركي بالقرب من معبر بيت حانون بإشراف جمعية أميركية.
رغم ان هذا المشروع، يواجه برفض وطني فلسطيني واسع جداً: بدءا من السلطة الوطنية ومعظم، ان لم نقل كل التنظيمات الفلسطينية وصولاً الى مفتي القدس والديار الفلسطينية والكثير من قوى المجتمع المدني.
منطق «حماس» في تبرير رؤيتها وموقفها حيال هذا المشروع لا يصمد امام حقائق كثيرة:
 بدءاً من ان إنشاءه يتم بموافقة وتمويل أميركيين، حتى  لو تغطى بغطاء مؤسسة أهلية.
بل إن إنشاءه وحسب «جويش نيوز» يتم باستخدام البنية التحتية لمستشفى عسكري اميركي كان قد تم إنشاؤه قبل بضع سنوات على الحدود مع سورية لخدمة مصابي قوى العدوان على سورية.
ومنها انه يتم من واقع الانحياز الأميركي الفاضح لدولة الاحتلال في حربها على الفلسطينيين   بتعبيرها الأهم «الاستيطان والمستوطنات». وهو ما يخلق شكوكاً ذات مصداقية ان المستشفى سيكون بؤرة عسكرية للتجسس، ولجمع معلومات استخبارية، أكثر مما هو لتقديم الخدمات الصحية لأهل القطاع.
ومنها أيضا، ان انشاءه يتم بعد ومع استمرار وقف كل المساعدات الاميركية للمستشفيات والمراكز العلاجية الفلسطينية في الضفة والقدس، بما يؤكد الشكوك حوله.
باستثناء مشروع المستشفى، فان كل الترتيبات (المبادرات؟!) تبقى مشاريع وبالونات اختبار يمكن تركها لتطير في الهواء إذا لم تتم بشروط دولة الاحتلال، ولم تحقق اهدافها المبتغاة.
إن الحديث العالي عن هذه الترتيبات (المبادرات؟!) في هذا التوقيت كما يبدو يأتي، إضافة الى ما تقدم لخدمة هدفين لدولة الاحتلال:
الأول، التغطية والتمويه على انفلات جنون الاستيطان - المغطى أميركياً- من كل عقال، حتى وصل الى قلب مدينة الخليل ويمدّ نظره لضمّ الاغوار.
 والثاني، لخدمة مساعيها لتحسين علاقاتها مع أكبر عدد من الدول العربية بأمل الوصول الى وضع التطبيع معها.
والحديث العالي يأتي في مناخ تشيعه دولة الاحتلال جوهره إمكانية وواقعية المراهنة على تحييد حركة حماس في الصراع مع القوى الفلسطينية المتطرفة، كما تسميها، ومديحها لموقف حماس العقلاني - كما يحلو لها ان تفهمه- بعدم مشاركتها في التصدي للعدوان الأخير على غزة. مع انها تعمدت ان لا يطول عدوانها لأكثر من يومين لإضعاف احتمال مشاركة حماس والقوى الاخرى في التصدي.
وحمّلت عدم المشاركة الظرفي استنتاجات وأبعادا أعلى من حقيقتها، ومما تحتمل.
وتنسجم مع مناخ المراهنة المذكورة رسالة رئيس اركان جيش الاحتلال «كوخافي» الى وحدات الجيش نشرت ملخصها «هارتس» وفيها يصف «حماس» عدة مرات كعامل استقرار في القطاع وانه يجب مساعدتها في تعزيز سيطرتها عليه.
ولجهة التوقيت المدروس، المشار اليه في العنوان، فان الحديث العالي المذكور يأتي بعد ان أعلنت حركة حماس - بعد طول تردد وممانعة - موافقتها على المشاركة في الانتخابات الفلسطينية العامة.
فهل يقع هذا الحديث في باب محاولة اغراء لحركة حماس - حظوظها من النجاح معدومة كما نأمل - لكي تتنصل من موافقتها المذكورة لصالح ضمان استمرار سلطتها المنفردة في القطاع؟
 وهل يمكن لهذه الترتيبات ( المبادرات؟!) ومعها الموافقات ان تستمر فيما لو حصلت الانتخابات الفلسطينية وخرجت عنها قيادة فلسطينية تتوحد تحت حكمها كل أراضي السلطة الوطنية (الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية)، بغض النظر عمن سيكون في مركز الحكومة وصاحب القرار فيها؟

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق