لأحمد بصمة إصبع الإبهام !

05 ديسمبر 2019 - 10:45
حسن البطل
صوت فتح الإخباري:

ذات مرّة، قال لي أكرم هنية: كانت «فلسطين الثورة» مدرسة. في فيض الرثاء الفيسبوكي لأحمد عبد الرحمن، كتبت على صفحتي ثلاث كلمات: «يا أحمد الفلسطيني وداعاً». واحد من رباعية كتبي أقتبس عبارة درويش: «تعب الرثاء من الرثاء»، لكنه أضاف مراثيَ بعدها.
كدت أقتبس من لينين وصفه لدور صحيفة «برافدا» في الثورة البلشفية بأنها «منفاخ حدّاد» فقد لعبت «فلسطين الثورة» هذا الدور في الثورة الفلسطينية إعلامياً.
صدرت المجلة قبل عامين من التحاقي بها، وإلاّ ربما اقترحت لها اسم «فلسطين الفتاة» اقتباساً من «العربية الفتاة» التي كانت رداً على «جمعية الاتحاد والترقّي» العثمانية، ورفعت راية القومية العربية، كما رفعت «فلسطين الثورة» راية الوطنية الفلسطينية في الثورة الفلسطينية.
لكفّ اليد خمس أصابع، وكانت المجلة هي إصبع الإبهام إلى الوكالة والإذاعة وقسم التصوير والسينما والإعلام الخارجي، وكان لرئيس تحريرها الثاني، بعد كمال ناصر، دور بصمة الإبهام، وكان لإعلام المنظمة سيبة ثلاثية: عرفات، ماجد وأحمد.
قال أكرم هنية: كانت مدرسة صحافية، وأنا من تلاميذها وخرّيجيها محرّراً أولاً، وسكرتير تحرير ثانياً في مرحلتها البيروتية، ومدير تحرير إصدارها في مرحلتها القبرصية الذهبية.
كان إميل حبيبي، بين افتخار وتحسُّر، يقول: جيلي.. جيلي. ها أنا صرفت ربع قرن في «الأيام» بعدما كنت من جيل أسرة التحرير الجديدة في العام 1974، الذي حمل الراية من جيل التأسيس 1972، الذي كان ينتمي إلى يسار عروبي ممتزج بيسار أممي. هل جيل ما بعد برنامج النقاط العشر ـ برنامج السلطة الوطنية 1974 ينتمي إلى تيار يسار وطني؟
منذ صدورها وحتى احتجابها عرفت المجلة عن نفسها: الصحيفة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت لفصائلها مجلاتها وصحفها الميّالة لتيارات اليسار القومي أو اليسار الأممي، ولغير الفصائل الفدائية كانت هناك «فلسطين المسلمة». منذ الصدور وحتى الاحتجاب بقيت «فتح» قائدة فصائل المنظمة عسكرياً، وسياسياً، وإعلامياً.. وحتى مالياً.
«فتح» هي حركة اسماً وجبهة فعلاً، وتضم في قيادتها يساراً عروبياً، ويساراً أممياً، ويساراً وطنياً، وحتى تياراً إسلامياً من بقايا مرحلة التأسيس قبل انطلاقة الكفاح المسلح.
إن كان طاقم تحرير المجلة المركزية، ومنفاخ حدّاد القرار الوطني المستقل بمثابة وسط فكري ـ سياسي بين مجلات بقية الفصائل، فقد كان وسطاً بين تيارات جبهة في مسمى حركة ولها لجنة مركزية متعددة المشارب سياسياً وايديولوجياً.
في أسرة تحرير المجلة المركزية ليس شرطاً أن تكون فلسطينياً أو فتحاوياً، فقد كان في المرحلة البيروتية ثلث الكادر فلسطينياً فتحاوياً، والثلث الثاني عراقياً يسارياً، والثلث الثالث لبنانياً.
صحيح أن الصحافة والإعلام «مهنة»، لكن طاقم وأسرة تحرير المجلة عملوا في «مهمة» ولم يكن أي منهم خريج كلية صحافة، ومعظمهم «تزوجوا» هذه المهمة، قبل أن يتزوجوا خلال عملهم فيها.
نعم، في رثاء رئيس التحرير أحمد عبد الرحمن ساقوا مهامه الأخرى في المنظمة والاتحادات التابعة لها، لكن المجلة التي أدارها كانت إصبع الإبهام في خماسية أجهزة إعلام المنظمة، وكانت له بصمة إصبع الإبهام في الدفاع عن تيار اليسار الوطني، والقرار المستقل، وبرنامج السلطة الوطنية في افتتاحية المجلة «كلمة الثورة» وخاصة في المرحلة البيروتية، وكذلك في سنوات التصدي للانشقاق الفصائلي والفتحاوي عام 1983.
المجلة المركزية بقيت مركزية، خاصة في مرحلتها البيروتية، وإن ليس بقدر مركزية باقي مجلات وصحف الفصائل، التي كانت مكاتبها السياسية ولجانها المركزية ترسم خطها الإعلامي، لكن في مرحلتها القبرصية مدة 15 سنة كان قد نضج تيار القرار المستقل، ومعه تمرس طاقم التحرير مهنياً وسياسياً، وصار له أن يدير المجلة لامركزياً.
كانت المجلة في مرحلتها البيروتية تعبوية غالباً في مقالاتها ورومانسية ـ إنشائية، أما في مرحلتها القبرصية فصارت مقالاتها مهنية صحافية، وتطورت تبويباً وإخراجاً، وانتظم صدورها الأسبوعي، وتحسن توزيعه الخارجي جداً، بحيث صارت جسراً يربط الشتات الفلسطيني، خاصة طلاب فلسطين.
كان الشاعر كمال ناصر يكتب افتتاحيات «فلسطين الثورة» حتى استشهاده بعملية فردان الإسرائيلية وخلفه رئيس التحرير الشهيد حنا مقبل، ثم صار أحمد عبد الرحمن يكتبها كلها في المرحلة البيروتية، ومطالع صدورها القبرصي، ثم صار نائبه محمد سليمان يكتبها عادة، ونادراً يكتبها مدير التحرير.
حتى العام 1967 لم يكن محررو المجلة يذيلون مقالاتهم بأسمائهم، حتى استشهاد سكرتير التحرير السوري طلال رحمة، الذي كان المحرر الثقافي لأسبوعية مجلة «الحوادث»، حيث صار رئيس التحرير مدير تحرير وسكرتارية تحرير، ثم سقط الفلسطيني رشاد عبد الحافظ على سلاحه في الحرب الأهلية، وتلاه اغتيال نائب رئيس التحرير العراقي عادل وصفي (خالد العراقي).
في مرحلتها البيروتية كانت مجلة «فلسطين الثورة» تحتجب أسابيع معدودة لإصدار عددها السنوي في ذكرى انطلاقة «فتح»، وفي أحد أعدادها نشر رئيس التحرير صورة عرفات مع عبارة وحيدة «الفلسطيني»، قبل أن يدعوه العالم «السيد فلسطين».
ربما لهذا، اكتفيت في رثاء أحمد عبد الرحمن بثلاث كلمات: «يا أحمد الفلسطيني وداعاً».. لكنه سيبقى في تاريخ الصحافة الفلسطينية رئيس تحرير إصبع الإبهام في أجهزة إعلام المنظمة في المنفى، وأبداً صاحب بصمة الإبهام في مدرسة اسمها مجلة «فلسطين الثورة» هو قائد في حركة «فتح» لكنه القائد في مدرسة الصحافة الفلسطينية الملتزمة.
وداعاً يا رفيق الدرب والكلمة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق