خليل النعيمي وروايته «القطيعة»

13 أكتوبر 2019 - 06:44
عادل الأسطة
صوت فتح الإخباري:

في ملتقى الرواية العربية الثاني (تموز ٢٠١٩) تعرفت إلى الروائي خليل النعيمي الذي منح جائزة محمود درويش ولم أكن من قبل قرأت له.
لم أصغ إلى محاضراته فقد اقتصرت مشاركتي في الملتقى على إلقاء مداخلتي، وعلى هامش الملتقى تجادلت وإياه وأهديته "ليل الضفة الطويل" وأهداني بدوره "القطيعة"، واستغربت من مؤسسة محمود درويش التي لا تعرفنا بالإنتاج الإبداعي لمن يحصلون على جائزة الشاعر، فلماذا لا تطبع عملا أدبيا معينا لهم يمكننا من إبداء رأي في قرار اللجنة فندافع عنه أمام الاتهامات التي قد تثار حول الفائزين؟
بعض من فازوا بالجائزة نتاجهم لنا غير معروف.
خليل النعيمي هو زوج سلمى النعيمي صاحبة رواية "برهان العسل"، وقد عرفت هذا منه. قرأت رواية "القطيعة" وحين بحثت عن مراجعات نقدية لها، لأعرف مدى تلقيها نقديا، دهشت من قلة الالتفات إلى الروائي الذي أصدر غير رواية ونشر العديد من الكتب حول بلدان زارها.
الطبعة التي قرأتها صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي الطبعة الرابعة وفي الصفحات الأولى إشارة إلى أن الطبعة الأولى صدرت في ٢٠١٠ ولكن الكاتب أخبرني أن ط١ صدرت في ٨٠ ق٢٠ وصدر الكاتب ط٤ بالآتي:
"رأيت من أجل تسهيل النص بالنسبة لقارئ لا يعرف شيئا من منطقة "الجزيرة السورية" ولا عن مدينة "الحسكة" بالذات، أو عن أحيائها الهامشية، ولا عن المدن الأخرى التي تقع في فضائها (القامشلي، عامودا، الدرباسية، رأس العين ..) حيث تدور وقائع الرواية، أن أضيف بعض الشروح والتذييلات التي بدت لي ضرورية لتوضيح ما قد يكون غامضا، أو ملتبسا، على القارئ. فأرجو المعذرة".
وفي الصفحة الأخيرة قائمة بعناوين روايات الكاتب، وفي القائمة إشارة إلى أن "القطيعة" صدرت طبعتها الأولى في القاهرة وكذلك طبعتاها الثانية والثالثة (دار الثقافة الجديدة/ دار شرقيات/ الهيئة العامة للكتاب) ولا يذكر في ط٤ تاريخ صدور ط١، وهذا قد يربك القارئ الذي يدرس الزمن في الرواية.
لقد حدد الكاتب في مقدمة ط٤ الفضاء المكاني الذي تجري فيه الأحداث، وحين يقرأ المرء الرواية فإنه يعرف أن الفضاء الزمني لها هو العام ١٩٥٨، وفي هامش ص٩ ما يحدد الزمن الروائي بوضوح. وتحديد الزمن الكتابي وكذلك زمن النشر الأول مهم لمن يدرس عنصر الزمن، فالقارئ يقرأ رواية تجري أحداثها في فترة تسبق زمنيها الكتابي والنشر، وإن أراد القارئ مثلا معرفة تأثير زمن الكتابة على زمن الحدث الروائي فإنه قد يقع في حيص بيص.
يكتب الكاتب في هامش ص٩ لتوضيح السطر الأول من المتن ونصه "- أنا خليل النعيمي، من البوادي والسراح في الثامنة والخمسين.."
يكتب في الهامش:
"المقصود هو عام ١٩٥٨، وهو العام الأول من أعوام الوحدة التي تمت بين مصر وسورية، ونشوء "الجمهورية العربية المتحدة" التي مثلت حلما أساسيا من أحلام الشعوب العربية، وأحداث الرواية تدور خلال سنوات الوحدة، هذه، عندما كان الراوي في أوائل سنوات الدراسة الثانوية، في (تجهيز الحسكة)".
والرواية أشبه بسيرة روائية لفترة محددة من حياة كاتبها الذي يرويها مفصحا عن راويها وشخصيتها الرئيسة، معرفا القارئ بأن الكاتب والراوي والشخصية هم خليل النعيمي، وهكذا يعفينا من البحث عن الاتفاق والاختلاف بين الثلاثة إلا إذا ذهبنا إلى أن خليل في زمن كتابة روايته هو غيره في الأعوام ١٩٥٨ -١٩٦١، معتمدين على أن الفرد يتكون من مجموعة أفراد، فهو يختلف من مرحلة إلى أخرى وينمو ويتطور ويتغير ويصبح في مرحلة من حياته شخصا آخر مختلفا عما كان.
"القطيعة" هو العنوان ولربما تساءل القارئ:
- قطيعة من مع من أو مع ماذا؟
في ص ٤٩ يكتب:
"فلأتنكر لحياتي الأولى، كلها، ولعلاقاتي القديمة كلها، وليفعل كل منا ما في وسعه أن يفعل لا ليصير أفضل مما كان عليه، فحسب، بل ليصير أفضل مما هو عليه الآن، أيضا. إنني بحاجة إلى حياة جديدة، هذه، هي الحاجة إليها، فقط".
يتكرر دال "القطيعة" في ص٥٢ حيث يكتب عن خطورة الإداري حين ينفتح على التاريخي تحديدا، وفي لحظة انفتاحه عليه يمكن "أن يضعنا جملة وتفصيلا أمام الواقعة: واقعة القطيعة بامتياز" و"القطيعة لها طعم الحياة، والانصياع له طعم الموت" ص٢٢٨ وفي ص ٢٣١ يتذكر خليل ما قاله له الرفيق: "لا تحن رأسك لأحد، لأي أحد، يا خليل. لأي أحد" ويقرر القفز:
"كنا نقف على أفضل الطرق للاختلاف. أكيدا. أفضل الطرق لاقتراف القطيعة. القطيعة النهائية لشيء لا يمكن لأحد، بعد الآن، استيعابها: القطيعة بين الرعية والراعي" وتحفل الرواية بإعلان موقف من طبقة الإقطاع ممثلة بابن جليوي ومن يقف وراءه. ولكن هل استطاع خليل تحقيق القطيعة؟
ربما انقطع عن المكان بعد أن غادره ولم يعد إليه، وربما لم يزر قبر أمه لأنها دفنت، في أثناء غيابه/ اعتقاله، في أرض ابن جليوي. ربما! ولكن الكاتب بعد مغادرته المكان بعشرين عاما عاد ليسترجعه وليكتب عنه، بل وكلما تمكن من إعادة طباعة روايته فعل.
وأنت تقرأ "القطيعة" تقرأ عن طفولة خليل وفقره المدقع فتتذكر طفولة طه حسين في "الأيام" ومحمد شكري في "الخبز الحافي"، ومن حيث الأسلوب تتذكر الروائيين الذين كتبوا مستعيرين أساليب ومفردات قديمة مثل أميل حبيبي وجمال الغيطاني، وحين ترى إمعان الكاتب في الوصف وذكر التفاصيل تتذكر غالب هلسة في "البكاء على الأطلال". وأحيانا تتذكر مظفر النواب في هجائياته وشتائمه، بخاصة حين يشتم خليل الفقير الإقطاعي ابن جليوي، ولكنك قبل كل ما سبق تتوقف أمام حضور الفلسفة في الرواية فتتذكر نجيب محفوظ الروائي الذي درس الفلسفة وكان لها حضور لافت في رواياته التي كتبها في ٦٠ ق٢٠.
ويبقى السؤال اللافت هو:
لماذا لم تحظ روايات الكاتب بتلق نقدي علما بأن محمود أمين العالم رأى فيها نموذجا مختلفا للرواية العربية الجديدة؟

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق