تونس... تجربة مدعاة للقراءة..!!

25 أغسطس 2019 - 12:04
أكرم عطا الله
صوت فتح الإخباري:

عود ثقاب من تونس أشعله البوعزيزي قبل ثماني سنوات ليشتعل الإقليم كله وتهتز دول، بعضها تمكن من العبور بسلام مثل تونس وبعضها غرق ولازال في وحل العنف مثل ليبيا واليمن وسورية، يبدو أن الثقافة العربية جامعة ولكن ما اتضح أن هناك فرقاً ما بين تونس وغيرها.
توفي الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي ولم ترتبك الدولة كما يحدث في الدول العربية رغم أنه كان هناك خلاف قانوني على من يقود المرحلة الانتقالية، برز ذلك الخلاف قبل وفاة الرئيس السبسي حين جاء الإنذار برحيله مع دخوله المستشفى قبل حوالى أسبوعين من الرحيل، هل رئيس المحكمة الدستورية أم رئيس البرلمان؟ ولكن الاجتهاد أيضاً في نصوص القانون في دولة مثل تونس لم يكن عائقاً ولا مدعاة لأزمة كما يحدث عندنا مثلاً، حيث نختلف على كل نص وكل سطر وكل بند في اتفاق يحتاج الى تفسير، ووجهات النظر تزداد تباعداً مع الزمن. 
تونس تقدم ربيعاً عربياً حقيقياً يعكس ثقافة شعب مختلفة عن ثقافتنا العربية، فالأمور في تلك الدولة تسير بسلاسة اتضح انها نادرة في الوطن العربي، والتجربة هناك مدعاة للاحترام وكأنها دولة مؤسسات لم تهتز كثيراً حين فقدت رئيسين؛ الاول في ثورة كانت هي الاولى في الوطن العربي، والثاني بوفاة طبيعية لزعيم تاريخي لم يصبح دكتاتوراً ولم يشكل حزباً حديدياً ينقض على السلطة بعد موته، واذ به يرشح أحد الوزراء مثل باقي المرشحين، والمتوقع الا يفوز هذا المرشح  في الجولة الاولى.
قبل ست سنوات كنت في تونس بعد الثورة بعامين، ذهبت الي شارع الحبيب بورقيبة مهد الثورة التي خلعت زين العابدين بن علي، حيث تدفقت الجماهير في ذلك الشارع الجميل المصمم على الطراز الفرنسي في البنايات والاشجار واضواء الشوارع غير العالية، سألت احد التونسيين هل تم إصلاحه بعد ان انتهت الثورة؟ اجاب لم ينكسر مصباح إنارة في الثورة، كانت ثورة نقية راقية، ولماذا يتم التخريب؟ فتلك ممتلكاتنا نحن الشعب ولا تعود لعائلة بن علي ولا لحزبه.
هنا كانت الثقافة المختلفة تعبر عن نفسها حين تجري المقارنة مع العراق لحظة سقوط الرئيس المرحوم صدام حسين، كيف تم نهب الممتلكات العامة والوزارات وقصور الرئاسة، ومع المصريين الذين اقتحموا السجون، وكذلك الليبيين الذين عاثوا في باب العزيزية كأنها ممتلكات الأعداء، ونحن لم نكن استثناء حين فكك الاسرائيلي مستوطنات غزة، وكان المشهد مخجلاً والأكثر خجلاً عندما طردت "حماس" السلطة من غزة، كيف تم إفراغ المؤسسات والمقرات. 
في تونس تتواجد السلطة والمعارضة تحت قبة البرلمان، وليس هناك أحزاب خارج النظام السياسي او في السجون كما في التجربة العربية، فهي تقترب بالمعنى النسبي من الديمقراطيات الغربية، بل ان ممثل المعارضة الممثلة بالإخوان أصبح رئيس البرلمان عند وفاة الرئيس، في تونس يتقدم مرشحون كثر للرئاسة يمثلون كافة الاتجاهات السياسية من أقصى يمينها الي أقصى يسارها، ولولا أن قامت اول من امس باعتقال أحد المرشحين وهو نبيل القروي كنا سنرى في النموذج ما يدعو للتقدير، لكن هذا لا يغير كثيرا في سياق التجربة التي تتطور هناك، حيث التركيز أساساً على علاقة السلطة بالمعارضة، في تونس تترشح امرأة للرئاسة وهي جيهان العياري، وتلك سابقة في المنطقة العربية، حيث المرأة هناك تختلف مع الرغبة العالية بفوزها في انقلاب للمفاهيم السائدة في المجتمعات العربية لدورها ومكانتها وفقاً للتقاليد القبلية الموروثة، فلم يجرب العرب في العصر الحديث حكم امرأة، وخاصة أن الحكم الذكوري لم ينتج تجارب تدعو للفخر.
الإخوان المسلمون برئاسة راشد الغنوشي ايضاً قدموا نموذجاً عن إخوان الشرق في كل الدول العربية. إخوان تونس كانوا تونسيين وطنيين قبل ان يكونوا جزءاً من حركة الإخوان المسلمين، وعندما تعرض المركب التونسي للغرق انسحبوا بهدوء، لأن تونس أهم من الحزب والحركة كما قال راشد الغنوشي، وقد ثبت ذلك فعلاً وهو ما لم تفهمه بعد كل حركات الإسلام السياسي في المنطقة التي ساهمت بتدمير الأوطان، لأن مصالحها تعالت على مصالح الوطن، أما نحن الفلسطينيين فقصة الإخوان لدينا وطردهم للسلطة رواية.
مات الرئيس السبسي الذي ادار دفة تونس في ظروف صعبة وأرساها على شاطئ الأمان، وبات واضحاً انه كان  يعتمد على شعب يبدو انه في حالة انفصال ثقافي عن الأمة العربية وميراثه،ا فحين تسير في شوارع تونس تسمع الناس تتحدث بالفرنسية، ربما أن ذلك يعكس حالة الانفصال التي تبدو في صالحهم بعد تجربتنا الدامية.
الناس هناك اقل تديناً وتلك ثقافة أرساها مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة الذي خصخص الدين مبكراً، وليسيّر دولة وفقاً للنظم الحديثة دون العودة لإرث الماضي الثقيل والمشبع بالصراعات والدم على تفسير الحكم وتفسير نصوص الأيدولوجيا وما زال، سيّرها متحرراً من اية قيود سوى القانون الذي احتكم له الشعب حتى في موت الرئيس ومن ينوب عنه، فهل كان لهذا دور في المشهد التونسي ام بسبب قطيعة تجسدها اللغة بينهم وبين موروثنا وثقافتنا.
الرئيس السبسي في إحدى مدخلاته لم يعتبر الدين ولا القرآن مرجعاً، وظل يحظى باحترام حركة النهضة، وحين توفي هاجمه الداعية السليط وجدي غنيم وكان نائب رئيس البرلمان وممثل حركة النهضة عبد الفتاح مورو، وهو الذي اعتاد على تقديم رؤى حداثية ربما أغضبت كثيراً من المتدينين في المنطقة العربية، وتلك الرؤى هي وليدة المناخات الثقافية بتونس والتي علينا ان نعترف أنها لا تشبهنا، وحين هاجم الداعية الرئيس السبسي خرج مورو معتذراً من الشعب التونسي بسب استقبال من شتم رئيسهم وهو المختلف معه ايدولوجياّ حد العظم وفي وفاق ايدولوجي مع غنيم.
من الاهمية قراءة التجربة التونسية كبلد يخطو بهدوء نحو نظام سياسي وعلاقات سياسية فريدة، هل لأن تونس لا تقحم الدين في سياستها؟ أم لأن جرعة الجينات الثقافية العربية بمفهومها الصحراوي اقل هناك؟ الأمر يحتاج الى قراءة وكيف يمكن الاستفادة من التجربة، سواء على صعيد الوطنيين او على صعيد الاخوان، فالنهضة ايضا هناك مختلفة ...!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق