العامل العربي: هل استنفد كامل عجزه ؟!

08 أغسطس 2019 - 10:50
عبد المجيد سويلم
صوت فتح الإخباري:

هناك ما يشبه الإجماع أن الحالة العربية لم تكن بهذه الدرجة من الهوان والعجز والفشل كما هي اليوم.
وهناك ما يشبه نفس هذا الإجماع أن تشرذم الحالة العربية وانقسامها وتصدعها في أسوأ حالها منذ عشرات العقود، بل هناك من يرى أن الحالة العربية لم تكن بهذا السوء منذ دخول هولاكو إلى بغداد وحتى يومنا هذا.
هذه الأطروحة لها ما يسندها في الواقع القائم، من المحيط إلى الخليج، وهي أطروحة معلّلة بحالة الارتهان التام، وبالموقف من القضية الفلسطينية، وخصوصاً لجهة تقبل وقبول أن لا تعود إسرائيل هي العدو القومي للأمة، وكذلك لجهة الاستعداد التام والجاهزية الكاملة لتغيير كامل خريطة الأولويات وسلّمها، إضافة طبعاً إلى «شراء» التبعية وبأسعار عالية ربما وصل ويصل إلى إهدار خطير بحقوق الأجيال القادمة.
وهناك من المؤشرات ما ينطوي على مفارقات مضحكة، وأخرى مثيرة للشفقة والأسى، وما تبعث على أشد أنواع الشعور بالمرارة والاحباط.
وعندما تكون نسب الأمية والفقر بالمعدلات التي تفوق تلك النسب في أفقر بلدان العالم في آسيا وأفريقيا، وعندما تكون نسبة القراءة والكتب المترجمة والبحث العلمي بمعدلات تدعو إلى الخجل، والشعور بالسخط واليأس، وعندما نشتري في كل عام أسلحة بما يفوق اي موازنات تصرفها البلدان الصاعدة، والتي باتت مرشحة للانضمام إلى مصاف البلدان الكبرى، وعندما تصرف البلدان العربية على «الأمن»، عشرات (وهناك من يعتقد أن الأمر يتعلق بالمئات) أضعاف ما تصرفه على الثقافة أو الزراعة أو الصحة أو التعليم، عندما تصل الأمور إلى هذه الوقائع فإن أحداً منا لا يملك القدرة على «دحض» أو تفنيد هذه الأطروحة حول هوان الأمة، بل من الصعب معارضة هذه الأطروحة إن لم نقل تأييدها والترويج لها.
وهناك طبعاً من الحقائق والوثائق، ومن المعطيات والبيانات، ومن الوقائع التي تتكرس في الواقع العربي، بما لا يستطيع أحد الجدال حولها أو نفي أهميتها، وخطورة مدلولاتها، فيما ترمز إليه وبما تؤسس له أيضاً.
إذاً، المؤشرات كبيرة وحقيقية، سياسية واقتصادية، اجتماعية وثقافية.
وفي التفاصيل الأمور أخطر من هذه الصورة.
فعندما يتعلق الأمر بالعدالة، وبتوزيع الثروات الوطنية، وعندما يتعلق الأمر أيضاً، بالحريات وشرعيات النظام السياسي، وكافة قضايا حقوق الإنسان فالمشهد مرعب وقاتم ومظلم، وظالم إلى أبعد الحدود.
المشكلة الكبرى أن الحالة العربية انتقلت في العقدين الأخيرين من الظلم إلى الظلامية، وتحولت الحالة العربية الى مراحل غير مسبوقة من التوحش والعنف.
وبدلاً من أن يشكل «الربيع العربي»، الفرصة التاريخية ـ كما كان الرجاء والتعويل ـ للتحول إلى الديمقراطية، ودخول عصر الحريات والشرعيات السياسية، جاء هذا «الربيع» ليكرس المزيد من الظلم والظلام، والمزيد من العنف والتوحش والإرهاب.
أدت هذه الحالة إلى تراجع القيم السياسية للديمقراطية، والحرية والمشروعية، وتكرس في الواقع العربي اليوم البحث عن «بقاء النظام السياسي» وكأنه الهدف الأهم للشعوب وللأمة بكاملها.
الدمار الذي جاء به «الربيع» حجب الرؤية عن أن الشعوب العربية تتوق، أو بالأحرى ما زالت تتوق للحرية والديمقراطية، لأنها لم تتذوق هذا الطعم بعد، ولأن «الربيع العربي» قد حرمها هذه الفرصة التاريخية.
خرجت تونس والمغرب والأردن ومصر سالمة من الدماء والحروب الداخلية، ولكن ليبيا واليمن والعراق دفعت ثمناً باهظاً، أما سورية فقد دفعت الثمن الأكبر حتى الآن.
الحالة العربية اليوم هي:
ـ خروج آمن بثمن كبير في مصر.
ـ خروج ما زال خطراً في العراق والثمن باهظ جداً.
ـ خروج مبدئي ولكن الخطر ما زال قوياً في سورية.
ـ لا مخرج للحالة في اليمن حتى الآن.
ـ احتمال خروج غير آمن حتى الآن في ليبيا.
ـ خروج آمن تم في تونس والمغرب والأردن.
ـ خروج آمن في السودان.
ـ خروج ما زال متردداً في الجزائر.
عندما يتم الخروج الآمن للحالة العربية من الآثار التدميرية لحرف وانحراف «الربيع العربي»، فإن الحالة العربية ستعود رويداً رويداً إلى الخروج من دائرة الهوان والارتهان ورهن حياة الإنسان العربي ومستقبله لاحتياجات النظام العربي الذي يحاول أن «يضحّي» بكل شيء لشراء البقاء وعدم السقوط.
عندما تتعلم الشعوب العربية «درس» «الربيع العربي» وتحفظه جيداً ستتعلم الولوج إلى الديمقراطية والحرية والمشروعية السياسية، وحينها سنرى عصرا جديداً من استعادة الوعي الوطني، ومن الالتحام القومي، ومن البحث عن أولويات الأوطان والشعوب، وليس أولويات النظام السياسي. حينها سنعاود قراءة أطروحة الهوان العربي، وربما سنشهد معاً كم هي مزرية الحالة العربية، ولكن كم هي مرشحة أيضاً، في السنوات القادمة للخروج من دائرة الفشل والعجز إلى دائرة الفعل والتأثير والثورة على الذات في كل الميادين.
فلا يراهنن أحد على بقاء الحال كما هو عليه، وكل محاولات ترامب وإسرائيل لتخليد حالة الارتهان والهوان العربية، هي مجرد أوهام خادعة.
حالة العرب مزرية ولكن الشعوب العربية لن تتأخّر كثيراً للخروج إلى النور وإلى الشمس وإلى الحرية.
ممنوع أن نيأس، وممنوع أن نرى فلسطين وكأنها وحيدة في عالمنا العربي.
وممنوع أن نراهن على غير شعوب هذه المنطقة التي إن أتى دورها يوماً ستتغير كل المعادلات، وكل المقاييس، وكل المراهنات.
حالة العجز في طريقها إلى الاستنفاد.
والقادم هو دمار كبير على أصحاب مشروع الارتهان والهوان وإن غداً لناظره قريب.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق