ثورة في القضاء تهز ميزان العدالة وتطيح بـ 52 قاضيًا عن عرش السلطة الثالثة

06 أغسطس 2019 - 11:57
صوت فتح الإخباري:

 عن صحيفة القدس-نعم هي ثورة هزّت أركان القضاء، وأطاحت بنحو خمسين قاضيًا عن عرش السلطة الثالثة، في سابقة هي الأُولى من نوعها منذ نشوء السلطة الوطنية قبل نحو ربع قرن.

الثورة جاءت بضربة مزدوجة عبر قرارين رئاسيين، أحدهما يقضي بحلّ مجلس القضاء الأعلى وتشكيل مجلس انتقالي، والثاني بإحالة من بلغت أعمارهم 60 عامًا فأعلى إلى التقاعد، ما أثار تساؤلات حول المهام والتحديات التي ستواجه المجلس الانتقالي بشأن تطوير القضاء، والأزمات التي عصفت به خلال السنوات الماضية.

de5d0f9f-0fa9-4297-b5d0-a3b006b4fde0

الشعيبي: امتحان لمدى الجدية

ويرى مستشار مجلس إدارة الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" د. عزمي الشعيبي، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، أن النظام الديمقراطي الفلسطيني شهد تراجعًا كبيرًا، خاصة مع انتهاء دور المجلس التشريعي بعد حلّه، وتركيز السلطات بيد الرئيس، وترافق ذلك مع تعميق الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ما ساهم في إضعاف السلطة القضائية وتفاقم التعديات عليها من قبل أطراف السلطة التنفيذية.

ويؤكد الشعيبي وجود مراكز نفوذ تسللت إلى مجلس القضاء السابق، دافعت عن مصالح بعض القضاة، واستخدمت السلطة الممنوحة لها لتصفية حسابات مع أشخاص خارج السلطة القضائية وأحيانًا داخلها، الأمر الذي أضعف استقلال السلطة القضائية.

fda8fc9c-3a7e-465a-a8fc-b2cf74b8ca10

ويشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني طالبت بالتدخل لإصلاح السلطة القضائية، من خلال تبني فكرة مجلس قضائي انتقالي مكون من قضاة وغير قضاة، ولكن مرسوم الرئيس حسر تشكيل المجلس في قضاة سابقين فقط، فيما يؤكد الشعيبي أن المجتمع المدني كان لا يرغب في أن يتلازم ذلك مع القرار الآخر للرئيس إحالة جميع القضاة فوق 60 عامًا إلى التقاعد، "فخروج عشرات القضاة تحدٍّ كبير أمام هيئات القضاء الجديدة للقيام بواجباتها في البت بالقضايا المتراكمة".

ويعتبر الشعيبي أنّ قراري الرئيس هما امتحان وتحدٍّ لمدى الجدية في إصلاح القضاء، ولا بد من حماية المجلس الانتقالي وقراراته من التدخلات الخارجية، وإعداد تعديلات ضرورية ذات طابع تشريعي وإجراء تقييم شامل للقضاة كافة، بما يضمن نزاهة القضاة وحياديتهم، ووجود آليات للرقابة الداخلية عليهم، مشدداً على أن نجاح المجلس الانتقالي بعمله، خلال عام، سيكون بداية الطريق نحو سلطة قضائية مستقلة وفعالة.

ووفق الشعيبي، فإن ضغوطًا تمارَس على القضاء منذ أربع سنوات لإصلاح ذاته من ذاته، لكن دون جدوى، وفي الفترة الأخيرة نشأت مشكلة بين ديوان الرقابة المالية والإدارية ومجلس القضاء السابق حول مفهوم آليات الرقابة الخارجية على السلطة القضائية، حيث رفض مجلس القضاء السماح للديوان بالاطلاع على السجلات الإدارية للمجلس تحت مبرر الاستقلالية، لكن أعمال مجلس القضاء الإدارية يجب أن تتمتع بالشفافية العالية.

ويشير الشعيبي إلى أن معضلة تشكيل هيئات المحاكم، وبشكل خاص المحكمة العليا، من أبرز التحديات التي ستواجه المجلس الانتقالي، ومن الممكن الاستفادة من الترقيات والانتدابات، وكذلك رفد القضاء، خاصة في محاكم الصلح والبداية والاستئنافات، بتعيين قضاة جدد وفق نظام المسابقة والجدارة وضرورة إلغاء السلامة الأمنية كشرط للتعيين، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن التقييمات خلال الفترة المقبلة ستشمل كافة تصنيفات القضاء، من دون إثارة فزاعة الرعب بين القضاة العاملين، وضمان الاحترام والأمان الوظيفي وتوفير معيشة كريمة لهم.

الكيلاني: قرار الإحالة للتقاعد سينعكس سلبًا على القضايا المتراكمة في "العليا"

يعتبر المستشار أسامة الكيلاني، عضو المحكمة العليا السابق ورئيس جمعية نادي قضاة فلسطين سابقًا، أن قراري الرئيس محمود عباس بشأن القضاء، سيطيح أحدهما بقضاة من ذوي الخبرة من المحكمة العليا، ما ينعكس سلبًا على إنجاز قضايا متراكمة أصلًا في "العليا"، والبالغ عددها 4500 قضية، "إذ إنه سيتولى الفصل بهذه القضايا قضاة جدد لم يسبق لهم الجلوس في المحكمة العليا أو ممارسة عملها، ما يراكم القضايا".

ويشير الكيلاني لـ"القدس" دوت كوم إلى أن مشكلة تراكم القضايا كانت لنقص الكادر في "المحكمة العليا"، المكونة من محكمة النقض المختصة بالقضايا الجزائية والمدنية ومحكمة العدل العليا المختصة بالطعون الإدارية، وفي المحكمة يوجد نحو 27 قاضيًا يتوزعون على 5 هيئات، منها 4 هيئات في محكمة النقض، وكل هيئة مكونة من خمسة قضاة، وتفصل كل هيئة بالقضايا بعد دراسة كل قضية بعمق، وذلك يتطلب وقتًا كبيرًا، ما يستلزم وجود نحو 20 قاضيًا إضافيًا.

52569e14-3ca3-4350-81f7-9e3887de2562

ويشدد الكيلاني على أن القرارين الرئاسيين يترتب عليهما تعديل قانون السلطة القضائية، وخفض سن التقاعد الذي أطاح بـ52 قاضيًا أعمارهم أكثر من 60 عامًا، وكذلك تشكيل مجلس قضاء انتقالي أعلى، يترتب عليه حل المحكمة العليا والاستئناف وإعادة تشكيل كل هيئات المحاكم، ومنح مجلس القضاء الأعلى صلاحيات واسعة، بما فيها عزل القضاة من الوظيفة أو إحالتهم قسريًا للتقاعد، أو السماح بنقل قضاة إلى وظائف غير قضائية بتنسيبٍ من مجلس القضاء للرئيس دون أدنى ضمانات للقضاة في مواجهة هذه الإجراءات.

وفي ما يتعلق بتعديل قانون السلطة القضائية، يؤكد الكيلاني أن "محاولات التعديل بدأت منذ العام 2005، إذ أصدر المجلس التشريعي قانونًا للسلطة القضائية دون عرضه على مجلس القضاء الأعلى وفقاً لما تنص عليه المادة 100 من القانون الأساسي، إلا أن المحكمة العليا بصفتها الدستورية في غزة ألغته لهذا السبب، وقبل عامين اقترح مجلس الوزراء تعديله، لكن "جمعية نادي القضاة"، التي كنتُ رئيسًا لها، كانت ضد الفكرة، لأن المساس بقانون السلطة القضائية مساس بالقانون الأساسي، ويجب أن يكون أي تعديل نابعًا من إرادة شعبية ممثلة بالمجلس التشريعي، لكن السلطة التنفيذية استمرت بمحاولات تعديل قانون السلطة القضائية، وأصدر الرئيس قبل عدة أشهر قرارًا بتشكيل لجنة تطوير القضاء وإصلاحه، وارتأينا أن لا يكون في اللجنة مَن هم مِن خارج القضاء، لأن ذلك يؤثر على استقلاله".

ويتابع: استمرت السلطة التنفيذية بمحاولة تعديل قانون السلطة القضائية من خلال لجنة تطوير القضاء، لكننا توجهنا بالطعن فيها من خلال محكمة العدل العليا التي قررت وقف اللجنة عن العمل إلى حين البت في الدعوى، لكن الرئيس أصدر قراره استناداً إلى مقررات لجنة موقوفة عن العمل، الآن توجهنا بطعنٍ بقرارَي الرئيس إلى المحكمة الدستورية بالاستناد إلى تلك الخروقات للقانون الأساسي، "نحن ندرك أن القانون الأساسي في المادة 43 منها أتاح للرئيس إصدار قوانين بقرارات في حالات الضرورة القصوى التي لا تحتمل التأخير في ظل غياب أو عدم انعقاد المجلس التشريعي، على أن يُعرض في أول جلسة للتشريعي لإقراره، ولكن لا توجد ضرورة".

أما المجلس الانتقالي، وفق الكيلاني، فإنه يشكَّل لمرة واحدة وفقاً للمادة 81 من قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002، وهو ما جرى، ويؤكد أن خمسة من رؤساء المجالس السابقين تم تعيينهم من دون تنسيب من مجلس القضاء الأعلى باستثناء الرئيس الأخير الذي أُحيل للتقاعد.

ويرى الكيلاني أن المخرج الوحيد لهذه الأزمة العودة إلى القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية وإتاحة المجال للقضاء أن يعدِّل ويصلح نفسه بنفسه وفقاً للآليات الموجودة، مشيراً إلى أن بعض منظمات المجتمع المدني عقدت مؤتمراً شعبياً وأنهته قبل صدور قرارَي الرئيس بخمسة أيام فقط، حيث دعت لهذه التعديلات بنتيجة مؤتمرها، على رغم أن الحوار الشعبي بالشراكة مع نادي القضاة وكافة منظمات المجتمع المدني في ما يتعلق بإصلاح القضاء لم يكتمل.

ويشدد الكيلاني على أنه لا يجوز إحالة القضاة للتقاعد والإخلال بالعقد الإداري، لأنهم عندما تعاقدوا مع الإدارة أخذوا في الحسبان أنّ سن التقاعد هو 70 سنة، وبنوا التزاماتهم على ذلك، وقد أدى الوضع الجديد إلى انهيار أوضاعهم المالية، وهو ما يتنافى مع مكانتهم ووقارهم باعتبارهم قضاة، مشيراً إلى وجود تناقض بتحديد سن التقاعد، إذ إن رئيس المجلس الانتقالي الحالي عمره 83 عاماً وثلاثة آخرين أعمارهم 73 و67 و60 عاماً.

درعاوي: استجابة واقعية لواقع عام غير دستوري وفرصة لإطلاق عملية إصلاح شاملة

يوضح المحامي والقاضي السابق داود درعاوي، في حديث لـ"القدس" دوت كوم، أن قراري الرئيس بشأن القضاء يأتيان في ظل انقسام سياسي وغياب للأُسس الدستورية، التي من المفترض أن تحكم الحالة الفلسطينية المدنية من حيث التداول السلمي للسلطة وإعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية.

ويقول: كأمر واقع، فإن هذين القرارين إن كان يُمثلان تحدياً لاستقلال السلطة القضائية في ظل واقع دستوري صحيح، فإنهما يمثلان فرصة لإطلاق عملية إصلاح تؤسس لتطوير المؤسسة القضائية، وذلك كمدخل مرحلي يمثل استجابات واقعية لواقعٍ عامٍّ غير دستوري يُلقي بظلاله على الحالة الفلسطينية، ذلك أن تحويل التحديات إلى فرص من قواعد التخطيط الاستراتيجي القائم على الواقعية واستقراء الظروف والإمكانيات المتاحة، لا سيما أنّ ما وصل إليه الواقع القضائي من حالة ضعف وترهل طال حقوق المواطنين في الوصول للعدالة الناجزة.

ويضيف درعاوي: كما أن الموازنة بين المعايير الدستورية المجردة وبين حقوق المواطنين في الوصول للعدالة وبين أن المرافق العامة لا تعرف الفراغ حتى في الأحوال الاستثنائية تتطلب التعاطي بإيجابية حذرة مع هذين القرارين، وتحويلهما إلى فرصة يمكن الاستفادة منها والبناء عليها في عملية إصلاح القضاء والنيابة العامة.

06122317541509232501807017438303

ويشدد درعاوي على أن "المجلس التشريعي هو السلطة صاحبة الاختصاص الأصيل في إصدار التشريعات، ولكن وفي ظل هذا الواقع غير الدستوري الذي تلا الانقسام وأطاح بكافة مقومات الحالة المدنية، نحن أمام وحدانية السلطة التنفيذية التي جمعت في يدها كافة السلطات، بما فيها سلطة إصدار قرارات لها قوة القانون بحكم المادة 43 من القانون الأساسي، والقضية الأساسية هي إصلاح النظام السياسي وإعادة الاعتبار للفصل بين السلطات من خلال انتخابات عامة رئاسية وتشريعية تطوي صفحة الانقسام، وتُقر قانوناً للعدالة الانتقالية يتضمن إعادة بناء المؤسسات العامة، بما فيها القضاء وضمان استقلاله".

ويرى درعاوي أن "الحكم على نجاح مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، الذي يتكون من شخصيات مشهود لها بالكفاءة، وهم خمسة قضاة سابقون وحاليون، إضافة إلى النائب العام ووكيل وزارة العدل بحكم وظيفتيهما، يكون بضمان عدم خضوع المجلس الانتقالي للتدخلات أو الإملاءات من السلطة التنفيذية والتعامل مع القرارات الصادرة كممر اضطراري في واقع غير دستوري، وهذا ما سيكون ظاهراً في التعامل مع القضايا ذات الأبعاد السياسية والأمنية الماسة بالحريات العامة، خاصة حرية الرأي والتعبير، أو التي تتعلق بالمراكز القانونية للمواطنين التي تأثرت بالانقسام وكيفية تعامل محكمة العدل العليا معها".

ويَعتبر أنه "إضافة إلى ذلك لن يُكتب النجاح لمهام المجلس الانتقالي من دون استجابة الحكومة الفلسطينية لمتطلبات عملية الإصلاح من توفير موازنات وإحداثيات تعيين في القضاء تتناسب والحاجة الكبيرة للتعامل مع الاختناق القضائي، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية للقضاة، لا سيما أن رواتب القضاة لم تخضع للتقييم منذ إقرار قانون السلطة القضائية في العام 2002".

ويشير درعاوي إلى أنه "مطلوبٌ من المجلس الانتقالي الإعلان عن خطته لعملية الإصلاح ومشاركتها مع المجتمع المدني ونقابة المحامين لتحقيق ثقة الجمهور التي تراجعت بالقضاء خلال السنوات الماضية، وكذلك تقبُّل الأفكار والملاحظات من المجتمع المدني كشريك في عملية الإصلاح، إذ إن مراعاة هذه الأمور تشكل فرصة جديدة أمام عملية إصلاح القضاء، ومن دون ذلك سيضيع القضاء في متاهات مقلقة، وستبقى سياسة الباب الدوار في التدخل في عمل السلطة القضائية قائمة".

ويرى أن قراري الرئيس بشأن القضاء يأتيان استجابة إلى توصيات اللجنة الرئاسية لتطوير القضاء ولموقف العديد من مؤسسات المجتمع المدني، التي طالما طالبت بتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي لإطلاق عملية الإصلاح، لكن ما زال هناك تباين في وجهات النظر داخل مؤسسات المجتمع المدني في التعاطي مع هذين القرارين، وهذا أمر صحي ويجب احترامه.

ويتابع درعاوي: أما ما سرّع من وتيرة إصدار هذين القرارين، فهما أمران أساسيان، الأول قضية إلغاء قرار تعيين النائب العام السابق من قبل محكمة العدل العليا، وما أحاط بعملية إصدار القرار المؤقت وتشكيل هيئة محكمة العدل العليا، مُصدرة القرار، من ملابسات تتعارض مع مبدأ القاضي الطبيعي، وغياب للشفافية في عملية التشكيل، والأمر الثاني يرتبط بإعاقة مهام ديوان الرقابة المالية والإدارية، ومحاولة منعه من ممارسة مهامه المتعلقة بعمل مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي فإنّ الأزمة البنيوية والصراع داخل المؤسسة القضائية هما ما سرّع عملية تدخل السلطة التنفيذية وإصدار القرارات المذكورة.

ويشير درعاوي إلى أن تخفيض سن التقاعد إلى 60 عاماً جاء مستبقاً لعملية التقييم، وكان يكفي تشكيل المجلس الانتقالي وتكليفه بعملية التقييم ووضع خطة الإصلاح، واختبار نزاهة القضاة الموجودين وكفاءتهم لإبقائهم في المؤسسة القضائية وعدم إفقادها كفاءات قضائية، وأن تكون عملية التقييم منصفة.

ويضيف: "أنا أرى وجود إجحاف بشأن تخفيض سن التقاعد، لأنه ساوى بين القضاة أصحاب الكفاءة وبين مَن كان عبئاً على القضاء في المحكمة العليا، أعتقد بضرورة إطلاق مبادرة من المجلس الانتقالي حول ذلك من شأنها أن تحافظ على تلك الكفاءات وتعيد تصويب الأمور بشأنها، فسن تقاعد القضاة المتعارف عليه دولياً ما بين 65 إلى 75 عاماً، فيما يتم اختيار أي قاضٍ جديد وفقاً لمعايير سنوات الخبرة من القضاة وأعضاء النيابة السابقين أو المحامين أو أعضاء الهيئات التدريسية وفقاً لنص المادة 19 من قانون السلطة القضائية".

الدويك: البطء في الفصل بالنزاعات، والتلاعب في تشكيل الهيئات سرّعا قرار الرئيس

ويشدد مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د. عمار الدويك، إلى ضرورة وجود قرار سياسي من شأنه أن يحظر التدخل في القضاء أو أيّ محاولة للتأثير على قراراته، علاوة على ضرورة توفير موازنات تفتح المجال أمام المجلس الانتقالي لتعيين قضاة جدد.

ويؤكد الدويك أن الهيئة المستقلة ستستمر بدورها الرقابي خطوة بخطوة، وتقديم الدعم والنصيحة والمشورة لمجلس القضاء الجديد، وستكون عنواناً له في أيّ خطوات إصلاحية.

ويشير الدويك إلى أن الفترة الماضية شهدت تردياً بأوضاع السلطة القضائية، وسجلت أقصى درجات عدم الثقة بالقضاء النظامي، وتفضيل القضاء العشائري عليه، وكانت هناك مطالب مجتمعية بوجود إصلاحات جذرية لاستعادة ثقة المواطنين بالقضاء عبر تطويره، حيث تم تشكيل لجنة رئاسية في شهر أيلول 2017 لتطوير القضاء، كان فيها ممثلون عن الجامعات والهيئة المستقلة، وخرجت بجملة من التوصيات وقدمت تقريرها للرئيس بشأن تطوير القضاء في شهر أيلول 2018.

261937d6-592b-4244-b439-de18164472d0

ويلفت الدويك إلى أن قراري الرئيس بشأن القضاء يأتيان استجابة لمطالب المؤسسات المجتمعية والأهلية ومؤسسات حقوق الإنسان حول وجود بطء في الفصل في النزاعات، والتلاعب في تشكيل هيئات التقاضي، ووجود خلافات كبيرة في القضاء، فيما يشدد على ضرورة أن تتم تعيينات القضاة الجديدة وفقاً لمبدأ تكافؤ الفرص ووفق التقدم لمسابقة القضاء، والابتعاد عن المحسوبيات والتعيينات السياسية، ويقول: "إن خطوة الرئيس مهمة لإصلاح القضاء، وهناك تحدٍّ أمام المجلس الجديد أن يمارس المهام المنوطة به".

وتطرق الدويك إلى مجلس القضاء السابق قائلاً: "هناك قرارات اتخذها المجلس تتعلق بملفات كان فيها شبهات فساد كبيرة، وهناك قضايا صادمة تمس حقوق مواطنين، إضافة إلى وجود تأخير وتراكم للقضايا في المحكمة العليا".

ويتابع: "محكمة العدل العليا كانت تجامل في غالبية قراراتها الحكومة، وتحكم لصالح الحكومة، وردت طلبات كثيرة في ما يتعلق بقضايا رواتب الأسرى وقضايا المحالين للتقاعد القسري، وقضية إضراب المعلمين، هناك كثير من قرارات المحكمة فيها تناقض، وللأسف القضاء أعطى فرصة لما جرى، كنا نطالب القضاء بإجراء إصلاحات ذاتية، لكن دون جدوى، وكان لا بد من تدخل الرئيس، صحيح أن ما جرى غير مثالي، لكن وضع القضاء كان يؤثر على النظام السياسي نفسه، وفي حال الاستمرار على ما هو عليه قد يؤدي إلى ضرب السلم الأهلي".

ويؤكد الدويك ضرورة إعادة الثقة بالسلطات الثلاث من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

العاروري: ضرورة رد الاعتبار للقضاة السابقين

يصف الإعلامي المختص بالشأن القضائي ماجد العاروري توجُّه القضاة إلى المحكمة الدستورية بشأن قراري الرئيس بالخيار الصائب، كونهم يتوجهون إلى جهة تحظى بثقة الجهة القانونية التي أقرت القرار بقانون (الرئيس)، وتحظى بثقة القضاة أنفسهم.

ويشير إلى أنه "تقع على المحكمة الدستورية مسؤولية تاريخية في البت في هذه القضية بأسرع وقت ممكن، بغض النظر عن القرار الذي ستتخذه وسيطبقه الجميع، وذلك انطلاقاً من مصلحة القضاء، وبشكلٍ يسبق خلق مراكز قانونية جديدة مع بدء عمل المحاكم وبدء إصدارها قراراتها، ووضع حد لحالة الجدل القانوني والمجتمعي الدائر حول عملية الإصلاح القضائي المتوقعة والقرار بقانون".

0d4124ff-5332-42d9-8ace-f5a50889943d

ويشدد العاروري على أنه "بغض النظر عن قرار الدستورية، فإنه من الضروري رد الاعتبار للقضاة الذين تم تقاعدهم على المستويين المادي والمعنوي، ولا يجوز وضع قاضٍ نزيه مع آخر أُثيرت حوله شبهات بالميزان نفسه".

وفي ما يتعلق بإصدار الرئيس قراراً بترقية 35 قاضياً إلى محاكم العليا والاستئناف والبداية، يؤكد أنه "من أهم قرارات الترقية التي صدرت في تاريخ السلطة القضائية، بسبب زيادة الفراغ القانوني، وإن لم يكن كافياً لهذه اللحظة، أنا أعتقد أن مجلس القضاء الانتقالي سيشرك القضاة الذين تمت ترقيتهم في كافة مهام إدارت السلطة القضائية، وسيعمل على نقل الخبرات اللازمة لهم طيلة مدة عمله المقررة بالمرسوم، وسيكونون قادرين على تولي المهام المنوطة بهم فور انتهاء مهام المجلس الانتقالي، بما سيضمن سلاسة انتقال الصلاحيات، ويضمن نجاح خطوات الإصلاح واستمراريتها، وهذه خطوة بمنتهى الأهمية تسجَّل لصالح المجلس الانتقالي".

ويقول العاروري: "إن فرصة تحقيق إصلاح قضائي يجب أن لا تفوت"، داعياً إلى تشديد الرقابة المجتمعية على أعمال المجلس القضائي الانتقالي، وتوفير الدعم اللازم لنجاحه، مؤكداً أن البيئة التي يمكن أن تتحق بها عملية الإصلاح القضائي تقوم على أساس الفصل بين السلطات، وإجراء انتخابات عامة تشريعية ورئاسية ينجم عنها إنهاء حالة الانقسام السياسي وصون حقوق الناس وحرياتهم.

إجراءات رئاسية متتالية لاستعادة الثقة بالقضاء وتصويب ميزان العدالة

وبدأت إجراءات متتالية بشأن إصلاح القضاء، بدءاً من إصدار الرئيس محمود عباس في 18 من تموز 2019 قرارين بشأن القضاء، عدّل في أحدهما قانون السلطة القضائية لجهة إنزال سن تقاعد القضاة إلى الستين، وحل بموجب الآخر مجلس القضاء الأعلى، وأنشأ مجلس قضاء أعلى انتقالياً لمدة عام، يتولى خلاله مهام مجلس القضاء الأعلى قانوناً وإعادة تشكيل هيئات المحاكم في كافة الدرجات، وترتيب أوضاع القضاء، وإعداد مشاريع القوانين اللازمة لإصلاح القضاء واستعادة ثقة المواطن به، وتعزيز فرص الوصول للعدالة وتقصير أمد التقاضي، ومن ثم إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفقاً لأحكام القانون، وأصدر الرئيس توجيهاته للجهات المختصة كافة، بتوفير كل الإمكانات اللازمة لدعم المجلس الانتقالي في تحقيق المهام المنوطة به.

ويرأس المجلس الانتقالي المكون من سبعة أعضاء المستشار عيسى أبو شرار، رئيس المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى سابقاً، ويضم في عضويته كلاً من: المستشارين عزمي الطنجير عضو المحكمة العليا سابقاً، وسلوى الصايغ عضو المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى الحالي، وحسين عبيدات رئيس محكمة الاستئناف، عضو مجلس القضاء الأعلى الحالي، وعبد الكريم حنون قاضي الاستئناف والمنسب لعضوية المحكمة العليا، إضافة إلى النائب العام ووكيل وزارة العدل.

ced1f86d-4fc2-4853-bd2c-7771fc6e635d

المستشار أبو شرار كان قد أدى بعد عشرة أيام من القرارين اليمين القانونية أمام الرئيس محمود عباس رئيساً للمحكمة العليا، ورئيساً لمجلس القضاء الأعلى الانتقالي، وبعد يومين من تأدية أبو شرار اليمين القانونية، أصدر الرئيس قرارات رئاسية بترقية 34 قاضياً، بناءً على تنسيب مجلس القضاء الأعلى الانتقالي؛ من بينهم: 13 قاضياً من قاضي صلح إلى قاضي بداية، وترقية 13 قاضياً من قاضي محكمة بداية إلى قاضي محكمة استئناف، وكذلك ترقية 7 قضاة من محكمة استئناف إلى قضاة محكمة عليا.

وقبل يوم واحد فقط من إصدار الرئيس محمود عباس القرارين بشأن القضاء، أعرب رئيس الوزراء محمد اشتية، في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، عن أمنياته أن يوقع الرئيس محمود عباس على تعديل قانون السلطة القضائية.

وتلا قراري الرئيس بشأن القضاء بعد ثلاثة أيام فقط إصدار الرئيس عباس مرسوماً بتشكيل المجلس التنسيقي الأعلى لقطاع العدالة، برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى، يضم في عضويته كلاً من: المستشار القانوني لرئيس الدولة، ووزير العدل، والنائب العام، ومدير عام الشرطة، ونقيب المحامين، ومدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فيما يهدف المجلس التنسيقي الأعلى لقطاع العدالة إلى تعزيز التعاون والتكامل بين مكونات قطاع العدالة وفقاً للقانون الأساسي والمعايير الدولية، وسيعمل على دراسة مكونات قطاع العدالة، ورصد مُعيقات تطورها والعمل على تذليلها.

دعوات لمنع التدخل بالمجلس الانتقالي

ورحبت العديد من المؤسسات بتشكيل المجلس الانتقالي بالنظر لما ضمّه من شخصيات قضائية ذات خبرة وكفاءة، من شأنه أن يشكل فرصة حقيقية لإعادة إصلاح القضاء، وتعزيز ثقة الجمهور به، داعية إلى أن يلتزم المجلس الجديد بمجموعة من الأُسس والضوابط في أداء مهامه وممارسته صلاحياته باعتبارها مؤشرات على قياس فاعليته واستقلاليته.

وفي الوقت الذي أكد فيه ديوان الرقابة المالية والإدارية في بيان له دعمه قرارَي الرئيس، أشار إلى أن إصدار الرئيس قراراً بقانون كان نتيجة عدم تعاون مجلس القضاء الأعلى مع عملية الإصلاح، إضافة إلى إجماع المواطنين على ضرورة إصلاح السلطة القضائية.

أما الائتلاف الأهلي لإصلاح القضاء وحمايته واللجنة المجتمعية المفوضة بمتابعة توصيات المؤتمر الشعبي لإصلاح القضاء، فأكدا في بيان لهما أن إجراء الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية، واحترام مبدأ الفصل المتوازن بين السلطات، هما البيئة التي يمكن فيها إصلاح القضاء الفلسطيني، وتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي يشكل فرصة حقيقية لإعادة إصلاح القضاء.

bigstock-178701754-e1512749165168

ودعا البيان إلى وضع خطة واضحة المعالم لتوحيد القضاء بين الضفة الغربية وقطاع غزة بأسرع وقت ممكن، وكذلك عدم المساس بأي حقوق تقاعدية للسادة القضاة المتقاعدين بموجب أحكام القانون الجديد، وضمان حق القضاة وأعضاء النيابة العامة في التعبير عن آرائهم وفي تشكيل الجمعيات الخاصة بهم، وإعادة تفعيل جمعية نادي القضاة على أساس ديمقراطي ومهني، وكذلك تعزيز المشاركة المجتمعية في عملية الإصلاح القضائي، والإسراع في تشكيل هيئات قضائية تمكن المحاكم من ممارسة عملها في أسرع وقت ممكن.

أما نقابة المحامين الفلسطينيين، فثمّنت الإرادة السياسية المعلنة بشأن إصلاح القضاء وتطويره، ورحبت بقرار الرئيس تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي، مؤكدة ضرورة تعزيز مبدأ استقلال القضاء وضمان عدم التدخل في عمل المجلس الانتقالي من السلطة التنفيذية أو فرض أي إملاءات عليه.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق