"النقطة العمياء: أمريكا والفلسطينيين من بلفور إلى ترامب"

26 إبريل 2019 - 07:23
صوت فتح الإخباري:

أطلق الباحث في معهد بروكينغز في العاصمة الأميركية واشنطن، خالد الجندي،  والذي عمل كمفاوض مع الوفد الفلسطيني بين عامي 2004 و2009، كتابه الجديد أمس الأربعاء، بعنوان "النقطة العمياء: أمريكا والفلسطينيين من بلفور إلى ترامب" الذي يشرح فيه تفاصيل العلاقة بين الولايات المتحدة والفلسطينيين عبر أكثر من مئة عام.

ويشير الباحث الجندي في كتابه إلى "إن المسؤولين الأميركيين لديهم منذ فترة طويلة /نقطة عمياء/ في مجالين حاسمين من الدبلوماسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية: السلطة والسياسة. وكما يفهم معظم الدبلوماسيين أو المفاوضين، فإن نجاح أي عملية سلام يعتمد على الديناميكيات الموجودة خارج غرف التفاوض بقدر ما يحدث داخلها".

ويشرح الجندي، الذي يفصل في كتابه هذا الدور الأميركي في رعاية مفاوضات فلسطينية إسرائيلية منحازة باستمرار للجانب الإسرائيلي، أنه "من جهة، فمن الواضح أن الطرف الأقوى يتمتع بفعالية أكبر وخيارات أكبر تحت تصرفه من الجانب الأضعف. وفي الوقت ذاته، يدرك معظم المفاوضين أن المفاوضات ليست فقط بين زعيمين أو وفدين يجلسان على الطاولة، ولكن كل جانب يجلبأيضًا الروايات الوطنية الخاصة به والرأي العام لشعبه والمعارضة السياسية لسلطته والقيود الداخلية الأخرى إلى طاولة المفاوضات"، ولذلك "يجب على الوسيط الفعال أن يتعامل مع كل هذه العوامل في تقرير كيفية إنشاء حوافز ومثبطات للأطراف المعارضة، لكن هذه ليست الطريقة التي عملت بها الوساطة الأميركية في السياق الفلسطيني الإسرائيلي".

ويوضح الكاتب بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة، ومنذ بداية عملية أوسلو للسلام في عام 1993، تعمدت تجاهل، أو التقليل من أثر التباين الهائل في القوة بين الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي)، وحقيقة أن العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليست فقط علاقة صراع، بل هي أيضا علاقة احتلال تسيطر فيه إسرائيل بشكل مباشر على حياة ملايين الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، وعلى عكس الاحترام الهائل الذي أظهرته أمريكا للاحتياجات السياسية الداخلية للزعماء الإسرائيليين كي لا تنغص تحالفاتهم الحكومية الداخلية، وسمحت لهم غالباً بالتهرب من التزامات عملية السلام، مثل تجميد المستوطنات الإسرائيلية، فإن المسؤولين الأميركيين اظهروا القليل من الاهتمام لأي اعتبارات أو قيود داخلية أو مخاوف للزعماء الفلسطينيين".

ويفسرالباحث في معهد بروكينغير، أن مكوني "البقعة العمياء" انبثقا من افتراضين خاطئين بنفس القدر، وضعتهما الإدارات الأميركية منذ أمد طويل في صلب عملية السلام التي قادتها الولايات المتحدة"، فقبل كل شيء كان الاعتقاد بأن القادة الإسرائيليون سيكونون أكثر استعداداً "للمجازفة من أجل السلام" إذا شعروا بالأمان سياسياً وعسكرياً. وفي الوقت نفسه، فانه بالنسبة للعديد من صناع السياسة الأميركية على طرفي شارع بنسلفانيا (أي بين البيت الأبيض والكونغرس الأميركي)، فان السلام يتطلب أيضًا تغيير جوانب السياسة الفلسطينية لتحويلها إلى شريك سلام مناسب.

وهذان العنصران (المكونان) كانا نتاجا لصلات وثيقة غير عادية بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتأثير المفرط للوبي المؤيد لإسرائيل. باختصار ، كان من الأسهل والأقل تكلفة من الناحية السياسية أن يركز المسؤولون الأميركيون على أمور مثل إصلاح السياسة الفلسطينية وتحسين الأمن الإسرائيلي أكثر من الضغط على القادة الإسرائيليين بشأن قضايا مثل المستوطنات الإسرائيلية أو احترام الحقوق الفلسطينية".

كيف تم تشغيل البقعة العمياء في الممارسة؟

يقول الكاتب إنه "من خلال تخفيف الضغط على الطرف الأقوى وزيادة الضغط على الطرف الأضعف، فإن واشنطن وظفت عمليا عكس ما يجب أن يقوم عليه نموذج الوساطة الطبيعي، مما ساعد في تعزيز الوضع الراهن، بل وكثيراً ما أدى ذلك إلى تفاقم الصراع. وأصبح هذا واضحًا بعد فشل قمة كامب ديفيد في يوليو 2000 واندلاع الانتفاضة الفلسطينية، المعروفة باسم انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية).

ورغم أن كلا الطرفين ساهما في فشل المفاوضات وفي تصاعد العنف أيضا، فقد اختار كلينتون إلقاء اللوم على عرفات والفلسطينيين فقط، والأسباب وراء هذا واضحة، بصفتهما (كلينتون وإسرائيل) أقوى ممثلين مرتبطين بعلاقة خاصة. وكان لدى القادة الأميركيين والإسرائيليين الوسائل والدافع لتحميل أكبر قدر ممكن من مسؤولية وتكاليف الفشل على الفلسطينيين. ومع ذلك، فقد ساعد كلينتون في تضييق المجال السياسي للتوصل إلى اتفاق خلال الوقت المتبقي له في منصبه (نهاية عام 2000 وبداية عام 2001)، وتأكيد الرواية القائلة بأن إسرائيل ليس لديها "شريكا" للسلام. وكل ذلك ساعد في تأجيج العنف في الأشهر والسنوات التي تبعت ذلك".

وتبنت الإدارة الأميركية والمفاوضون الأميركيون في عهد الرئيس جورج بوش (الإبن) الموقف القائل بأن "عناد عرفات والتشدد الفلسطيني هما الدوافع الرئيسية للصراع وليس الاحتلال الإسرائيلي المستمر. ورغم أن بوش الابن هو أول رئيس أميركي يصادق رسمياً على إقامة دولة فلسطينية، الا ان تحالف بوش مع آرييل شارون عقب أحداث 11 أيلول 2001، وموجة الهجمات التي شنها مسلحون فلسطينيون أطلق لشارون العنان لسحق الانتفاضة الفلسطينية وتنفيذ عملية تدمير منهجي للحكم والأمن والمؤسسات والبني التحتية الفلسطينية".

ويقول الجندي الذي شارك في مفاوضات أنابوليس، بالولايات المتحدة الاميركية "لعل أكثر مظاهر /البقعة العمياء/ تطرفًا، هو مؤتمر أنابوليس للسلام، الذي عقده الرئيس بوش بعد فترة وجيزة من سيطرة حماس على قطاع غزة، وهزيمة قوات السلطة الفلسطينية في تموز 2007. فبينما رأى معظم الفلسطينيون العاديون الانقسام الداخلي كانتكاسة للمشروع الوطني، رآه المسؤولون الأميركيون على أنه فرصة لدفع عملية السلام دون تأثير حماس المهدد. ولكن هذا كان مجرد وهم، حيث انهارت محادثات أنابوليس التي دامت عاماً كاملاً عندما اندلع القتال بين إسرائيل وحماس في أواخر كانون الأول 2008. ومنذ ذلك الحين، أدت عزلة غزة والانقسام الفلسطيني المستمر إلى تأجيج العنف، وشل السياسة الفلسطينية الداخلية ، وإحباط مفاوضات السلام".

وفي النهاية ، يقول الكاتب، "لم يشجع غياب الضغط على الزعماء الإسرائيليين على /المجازفة من أجل السلام/، بل أعفاهم بدلاً من ذلك من الحاجة إلى القيام بذلك، وساعد في تحميل التكاليف السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية للاحتلال للفلسطينيين. وبالمثل ، فإن محاولات واشنطن تهميش السياسة الفلسطينية أو إعادة هندستها لم تحول الفلسطينيين إلى شركاء فاعلين في المفاوضات ، ولكنها ساعدت بدلاً من ذلك على إضعاف الزعماء والمؤسسات السياسية الفلسطينية، في الوقت الذي أثارت فيه موجات متتابعة من عدم الاستقرار والعنف".

كيف تم تشغيل البقعة العمياء تحت إدارة الترامب؟

يسلط الجندي الضوء على حقيقة أن إدارة ترامب في نواح كثيرة تمثل "البقعة العمياء" في أكبر تجلياتها. فمن ناحية، فهي تؤيد التماهي التام ليس فقط مع إسرائيل، ولكن مع العناصر الأكثر تطرفًا وتشددا في السياسة الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى، أظهر ترامب وفريقه (صهره جاريد كوشنر، مبعوثه للمفاوضات الدولية ، جيسون غريتبلات، وسفيره في إسرائيل، ديفيد فريدمان )تجاهلًا تامًا ليس فقط للسياسة الفلسطينية أو للتاريخ الفلسطيني، بل للماهية الفلسطينية. وفي الواقع ، فقد انتقل دور الولايات المتحدة في عهد ترامب من دور وسيط سلام غير فعال، إلى دور مفسد لأي عملية سلام بشكل شامل".

ويشير الكاتب إلى أن قرار الرئيس ترامب في كانون الأول 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، قد "أزال القضية عن الطاولة"، مشيرا الى أن الفلسطينيين سيخسرون أكثر بكثير من المشاركة في عملية سلام يقودها ترامب من تجنبها. وبالإضافة إلى التخلي عن الهدف المتمثل في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة ، يبدو أن ترامب أيضًا ماض في التخلص من صيغة "الأرض مقابل السلام" التي خضعت لها مفاوضات السلام لأكثر منذ نصف قرن، كما يتضح من قراره الأخير الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل. وفي الواقع ، فإن خطاب الإدارة، بما في ذلك حذف مصطلح "الأراضي المحتلة" من معجمها الرسمي ، يشير إلى أنها مستعدة لقبول سيطرة إسرائيلية دائمة على خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة".

ويوضح الجندي، أن قيام الرئيس الامريكي ترامب بإلغاء جميع أشكال المساعدة الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني تقريبًا، عمل على تعزيز الاعتقاد بأن إدارته لا تسعى إلى حل سلمي للصراع ، بل إلى تسوية دائمة قائمة على الهزيمة الفلسطينية والانتصار الإسرائيلي وضرورة إقرار الفلسطينيين بذلك.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق