«هآرتس»الجدل التاريخي حول باب الرحمة

23 مارس 2019 - 07:35
صوت فتح الإخباري:

بقلم: نير حسون
في نيسان 1969 وبعد ليلة ماطرة وصل الباحث الأميركي، جيمس فلمينغ، من أجل التحقيق في البوابة المغلقة الموجودة في سور البلدة القديمة في القدس. وقد سار بمحاذاة البوابة من الجانب الخارجي المتوجه الى المقبرة الإسلامية. فجأة انشقت الأرض تحت أقدامه وسقط في بئر كبيرة. «كنت مشوشا، ولكنني لم أصب بأذى»، كتب في مقال في مجلة «بار». «نهضت وحاولت تركيز نظري على الضوء الضبابي الذي انبثق من الفتحة التي تقع فوق رأسي. فجأة فهمت أنني اقف داخل كومة من العظام   لـ 30 أو 40 شخصا على ما يبدو ألقيت معا الى قبر جماعي. جزء من العظام كان ما يزال مرتبطا بغضاريف، الأمر الذي يشير الى أنها دفنت في المئة سنة الأخيرة.
قدرّ فلمينغ أن العظام كانت مرتبطة باحدى موجات العنف التي اجتاحت الشرق الاوسط في المئة سنة التي سبقت زيارته: الحرب العالمية الاولى، التمرد العربي، أو «حرب الاستقلال». في اليوم التالي عندما عاد الى المكان كانت البئر مغلقة ثانية. ولكن قبل خروجه من البئر نظر مرة أخرى حوله، ولاحظ قوسا قديما، حسب تقديره يرتبط بالبوابة السابقة التي كانت توجد في المكان قبل بناء باب الرحمة، كما نعرفه اليوم. لغز الهياكل العظمية لم يحل حتى الآن، وسيتحول القوس إلى جزء من النقاش الواسع بين رجال الآثار، باحثي الفنون، ومؤرخين في أحد المباني التاريخية الغامضة جدا في البلدة القديمة – باب الرحمة.
باب الرحمة وبيت البوابة الملاصق له – المعروف مؤخرا باسمه العربي باب الرحمة – صعد الى العناوين في أعقاب مواجهة بين الأوقاف وشرطة إسرائيل على بيت البوابة. قامت الأوقاف بفتح مبنى باب الرحمة بخطوة أحادية الجانب، قبل شهر تقريبا، ومنذ ذلك الحين يتم استخدامه للصلاة. الشرطة من ناحيتها اعتقلت حراس الاوقاف، وأبعدت عشرات الاشخاص عن الحرم، وأصدرت أمر إغلاق للموقع. «أمناء جبل الهيكل» ومنظمات يمينية تطلب من الحكومة إغلاق المبنى. المصلون المسلمون يرفضون أي اقتراح للتسوية، وحكومتا الاردن وإسرائيل تحاولان ايجاد حل متفق عليه للازمة.
هذه المواجهة ليست المواجهة الأولى على باب الرحمة. لا ينجح الباحثون في التوصل الى اتفاق بشأن أي مسألة من المسائل المهمة لتاريخ هذا المبنى: من قام ببنائه ومتى ولماذا هو مغلق ولماذا استخدم طوال هذه السنين؟ فعليا ضبابية البوابة ترتبط ايضا بالدور الذي أعد لها في يوم القيامة حسب الديانات الثلاث. ولكن بشكل خاص اليهودية والاسلام.

الصليب المقدس
المقاربة المقبولة لدى معظم الباحثين تربط بين البوابة وبين باقي المباني السابقة في الحرم، التي تنسبها الى نشاطات البناء للحكام الأمويين، الحكام المسلمين المهمين الذين بنوا القدس والمساجد في الحرم في نهاية القرن السابع. آخرون قالوا إن من بناها هو القيصر البيزنطي هرقل في بداية القرن السابع. الادعاءات بشأن نسبها للفترة الإسلامية ترتكز الى أنه حسب كل الدلائل اهتمّ الحكام البيزنطيون جدا بالقدس، لكن ليس بالحرم. ابقاء الحرم على انقاضه كان جزءا مهما في العقيدة المسيحية للبيزنطيين؛ لأن هذا يعتبر دلالة على انتصار المسيحية على اليهودية.
«الخراب هو دلالة على الهزيمة، وكانت لهم مصلحة في ابقاء الحرم مهجورا»، قالت البروفيسورة رينا تلغان من الجامعة العبرية، الباحثة في تاريخ الفن في الشرق الاوسط. حسب أقوالها «هناك فترتان كبيرتان في الحرم، الهيروديتية والأموية. الأمويون أحيانا ضللوا لأنهم استخدموا استخداما ثانويا عناصر هندسة معمارية بيزنطية. ولكن هنا لا نرى أي دليل على هذا الاستخدام الثانوي. العناوين ليست بيزنطية بل أموية قديمة تناسب القرن السابع». هذا الموقف تؤيده ايضا شولاميت غارا، التي كتبت رسالة الدكتوراة عن البوابة. عالم الآثار، مئير بن دوف، ومعظم الباحثين في الحرم يؤيدون ذلك أيضا. حقيقة أن البيزنطيين لم يبنوا أي شيء في الحرم وتشابه البوابة مع المباني الأخرى في الحرم تعزز مقاربة المعسكر الأموي في النقاش.
ولكن عالم الآثار، البروفيسور دان باهت، من أهم الباحثين في موضوع القدس، اقترح تفسيرا آخر يعطي ايضا علاقة تاريخية محددة بالبوابة. الدليل الأول لباهت هو موقع البوابة الذي يوجد في مكان غير منطقي بالنسبة لباقي المباني في الحرم، بعيدا عن المحور الذي يؤدي الى قبة الصخرة. لذلك، يعتقد باهت أنه من غير المعقول أن من بنى الحرم كان سيبني البوابة بالضبط في هذا المكان. في المقابل، بنظرة الى الغرب نرى أن البوابة توجد في محور واحد مع مبنى مهم آخر في البلدة القديمة وهو كنيسة القيامة.
باب الرحمة، حسب باهت، بني على أيدي البيزنطيين الذين سبقوا الأمويين، وفعلوا ذلك لهدف مهم وهو أن يعيدوا الى المدينة الصليب المقدس. في العام 614 احتل الفرس القدس، والصليب المقدس – الذي صلب المسيح عليه حسب المعتقدات – سقط سبياً واخذ الى بلاد الفرس. بعد 15 سنة في العام 629 قاد القيصر هرقل الجيش البيزنطي الى انتصار على الفرس، ووضع يده على الصليب. هيركوليس، كما هو موثق في عدد كبير من الايقونات المسيحية، أعاد الصليب في مسيرة كبيرة الى كنيسة القيامة في القدس.
ولكن باهت يريد التوضيح بأنه لم يفعل ذلك فوراً في نهاية المعارك: «في البداية أخذ الصليب في مسيرة كبيرة الى القسطنطينية، في 14 ايلول 629 – حتى الآن هذا يوم تمجيد الصليب. فقط في آذار 630 احضر الصليب الى القدس. هذا يعني أنه كان لديه اكثر من نصف سنة لبناء البوابة. ربما أنه لم يستكمل بناءها، لكن من الواضح أنه بدأ في بنائها». حسب التراث كان من المهم لهيركوليس ادخال الصليب الى القدس عبر بوابة شرقية، تشبه المسار الذي سار به المسيح عندما دخل الى المدينة عشية موته. هذا ايضا يفسر لماذا توجد البوابة في خط مباشر مع الكنيسة. «المقاسات بيزنطية، النقوش بيزنطية، والسبب الوحيد لبنائها هو بيزنطي»، قال باهت، «في كل الفترات الاسلامية كانت مغلقة، ولكن هل هي اسلامية؟ كيف يمكن أن يكون ذلك؟».

الطريق أغلقت
النقاش حول تأريخ البوابة يطرح سؤالاً آخر: ما هو هذا القوس الذي شاهده فلمينغ في اليوم الذي سقط فيه في حفرة العظام؟ حسب عدد من الباحثين يتعلق الامر ببقايا بوابة قديمة، ربما تعود لعهد «الهيكل الثاني». يعتقد باهت أن الامر يتعلق بجزء من مبنى اساسات البوابة البيزنطية. سؤال آخر يحتاج الى الاجابة هو متى ولماذا أُغلقت البوابة؟ اذا كانت حقا بيزنطية، ربما أُغلقت من قبل الأمويين كجزء من بناء مجمل الحرم في القرن السابع. تفسير آخر هو أنه خلال العهد الإسلامي تحول المكان ليكون مقدسا والمقبرة التي توجد قربه حظيت بالشعبية، والطريق الى البوابة ببساطة أغلقت بالقبور الى درجة أنه لم يكن هناك مبرر لفتحها.
تفسير ثالث يتعلق بأن الحكام المسلمين أرادوا تعزيز المدينة التي تقع غرب الحرم، لذلك اغلقوا البوابة من اجل إجبار المؤمنين الذين جاؤوا للصلاة في المسجد الاقصى بأن يمروا عبر المدينة في الطريق الى المسجد. تفسير رابع يطرحه باهت يرتبط بقرار الحاكم الملك المعظم عيسى، ابن شقيق صلاح الدين، في العام 1227، هدم تحصينات القدس، حيث خشي من عودة الصليبيين واحتلال المدينة، وأراد منعهم من السيطرة عليها.
مهما كان الامر من الواضح أنه خلال معظم التاريخ بقيت البوابة مغلقة، الأمر الذي ساهم في دورها في أسطورة يوم استقبال المسيح حسب اليهودية، أو استقبال المؤمنين المسلمين الذين سيسيرون على الصراط المستقيم من جبل الزيتون الى الحرم، حيث ستكون جهنم تحته. إن اسم باب الرحمة التصق بهذا المكان بالعبرية والعربية في نهاية القرن العاشر. «ليس من الواضح من نسخ عن الآخر»، قال باهت. في النقاش في الأشهر الأخيرة حول البوابة طرح سؤال آخر وهو في أي شيء استخدم مبنى البوابة الكبير طوال السنين؟ أمناء «جبل الهيكل» وحركات اليمين يدعون مؤخرا بتشدد أن المبنى لم يستخدم في أي يوم كمسجد. «في الـ 1400 سنة الاخيرة لم يكن أي مسجد، والمسلمون لم يقولوا في أي يوم بأن هذه منطقة مقدسة سوى في الشهر الأخير»، قال شخص من حركة «رغفيم»، يخين زيك، في فيلم قصير نشرته الحركة، هذا الاسبوع. قدمت «رغفيم» التماسا للمحكمة العليا طلبت فيه إجبار الدولة على إغلاق المبنى. وفي الالتماس تكرر الادعاء بأن المبنى لم يستخدم كمسجد في أي يوم. ولكن المصادر التاريخية تشير الى واقع آخر. الباحث في الشؤون الاسلامية، البروفيسور عميكام العاد، قال إنه كان للبوابة بالضبط مكانة مهمة في التراث الاسلامي السابق المرتبط بيوم الآخرة. جزء منها متأثر بالتراث اليهودي. كما توجد شهادات على وجود مدرسة اسلامية مهمة جدا عملت في المكان في القرن الحادي عشر. بعد ذلك، في القرن الرابع عشر وصف عالم الجغرافيا الأب العمري، الذي زار القدس، مسجدا نشيطا في المكان (بترجمة اوري طل): «طوله من الشرق الى الغرب 30 ذراعا وعرضه من الجنوب الى الشمال 14.5 ذراع. وله محراب مساحته 3.25 ذراع، ويصلي فيه إمام خاص بالمسجد. هذا المسجد يمتد على بوابتين تسميان باب الرحمة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق